الحمد لله القائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} الحشر.
والصلاة والسلام على رسول الله القائل:{ لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن عُمُرِه فيم أفناه, وعن عملِه فيم فعل, وعن مالِه من أين اكتسبه وفيم أنفقه, وعن جسِمه فيم أبلاه}.رواه الترمذي وابن الدارمي.
أيها الناس: لسنا ممن احتفلَ بنهايةِ العامِ الميلادي بالصَخَبِ والسهرِ ومجونِ الأعمال, ولسنا ممن يؤرخُ لنفسِه بالسنةِ الميلاديةِ فقد أرخَ سلُفنا الصالحُ لأنفسهِم بالعامِ الهجري حيثُ اعتبرَ الفاروقُ عمرُ أن التاريخَ يكونُ مع تاريخِ هجرةِ الرسولِ صلى اللهُ عليه وآله وسلم من مكةَ إلى المدينة, ومع ذلك فإننا نريدُ أن نركّز على مسألةِ الوقتِ والوقتُ كنزٌ مغبونٌ _أي مخدوع_ فيه كثيرٌ من الناسِ لو تعلمون.
ودّعنا عاماً ونستقبل آخرَ, والإنسانُ عبارةٌ عن أيام فإذا ذهب يومُه ذهب بعضُه, فالعمرُ يمرُ والسنون تتبع الواحدةُ الأخرى والأيامُ تسيرُ بتسارعٍ أخبرنا بذلك الصادقُ المصدوق وعدّها من علاماتِ الساعةِ الصغرى, لذلك فحريٌ بنا أن نقفَ مع أنفسِنا متسائلين عن أوقاتِنا فيم نقضيها, عن تلك السنين التي تَتَفلتْ منّا كما الفريسةُ تتفلتُ من صيادِها, عن أعمارِنا التي تمرُ كما السحابُ مخلفةً بقيةً من وَخَطِ شيبٍ في الرأسِ أو سَقَمٍ في الجسدِ أو ضُمُورٍ في العظامِ أو نُحول, إلى آخرِ ما يصيبُنا من غبارِ وقائعِ الزمان.
نعم أيها الإخوةُ فإن أعمارَنا تفنى وأجسادَنا تَبلى ونحن إن لم نعملْ على استغلالِها بشكلٍ يُرضي اللهَ ورسولَه فقد خسرنا. فلنسأل أنفسَنا كم عامٍ مرَّ على أمتِنا الإسلاميةِ وهي متنكبةٌ عن مصافِ الدولِ المؤثرةِ, أو كم عامٍ مرَّ علينا ونحن نعاينُ خيانةَ حكامِنا وتآمرَهم علينا, كم من عمرِنا مضى ونحنُ نحسُّ الظلمَ ونستشعر الأسى ثم نعيبُ زمانَنا, ولكن بالمقابل ماذا أحدثنا من تغيير, ماذا فعلنا لنُغيّرَ الواقعَ السيئَ هذا.
إخواني في الله: آن لكم أن تسألوا أنفسَكم قبل أن تُسألوا ماذا قدمتم لأمتِكم وقد قال رسولُنا العظيم:- (من لم يهتمَّ بأمرِ المسلمين فليس منهم) ثم نسأل أنفسَنا هل قُمنا إلى الأئمةِ المضلين وأمراءِ الفُرقةِ فخلعناهم وقلنا لأشياعهم في أنفسِهم قولاً بليغاً وقد قال رسولُنا:- (سيدُ الشهداءِ حمزةُ ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاه فقتَله). آن لكم أن تعملوا لرفعةِ من هم فوقَ الترابِ قبل أن تُوضعوا تحتَ التراب, فاليومَ عملٌ بلا حسابٍ وغداً حسابٌ بلا عمل.