الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المجاهدين وسيد العالمين وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واتبع هداه إلى يوم الدين , وبعد ...
يقول الله جل شأنه في محكم تنزيله :
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }النور55
وأزيد الصلاة والسلام على خير الأنام المبعوث رحمة للعالمين من أنار الله به عقولا جُهلا وفتح به قلوبا صُمَّا فقال وهو الصادق المصدوق :
{تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم يكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت} مسند الإمام أحمد .
إن الفهم المستتنير لأمر الله في الآية الكريمة ليحث أصحاب العقول المستنيرة سعيا دؤوبا في عملٍ غير منقطع لتحقيق الغاية المنشودة من حقيقة الاستخلاف في الأرض لصالح العبودية المطلقة لله عز وجل وإحقاق التوحيد الحق فلا معبود في هذا الكون سوى الله ولا حاكميةَ لأحدٍ أبداً سواه .
فالمتدبر في كتاب الله عز وجل والفاهم لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدرك حقيقة الرسالة التي جاء بها سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بأنه لم يأت داعيا إلى صلاة أو صيام أو نسك , وإنما جاء بكلمة واحدة تكشَّفت بها الحقائق وزالت بها الأوهام , فأماطت اللِّثام عن عقل الإنسان لحقيقة و جوهر الوجود في هذا الكون لتُفهم بأن العبودية لله هي المقصودة من كل هذا ...{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }آل عمران191
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56
ولما كان كل شيء في هذا الكون يسير وفق نسق معين ونظام دقيق لا يحيد عنه أبدا , كان لا بد لهذا المخلوق وهو الإنسان الذي هو في حقيقته جزء من هذا الكون والوجود أن يسير وفق ما خُلق لأجله فلا يكون له مطلق الحرية في هذه الكون وفق رغباته وشهواته.
إن القرآن الكريم وسنة من أُنزل عليه الفرقان وحياً لهما خير دليلٍ للناس قاطبةً في قيادةٍ فكريّةٍ وعمليّة لما فيه صالح البشرية نحو حياة آمنة مطمئنة , فهذا الطريق وحده هو الكفيل لهم بإخراجهم من الظلمات إلى النور على صراط مستقيم للنجاة من العذاب في اليوم الموعود .
ولما كان الأمر كذلك كان لا بد لهذه الرسالة من أسس متينة واضحة متأصلة راسخة في نفوس حملتها والدعاة إليها فكانت ولا زالت سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام شمسا بددت أوهام الظلام وأنارت طريق الأنام نحو الاستقرار والاطمئنان , فالسير في طريق الدعوة واضح جلي لكل ذي لب عاقل ...
{قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }يوسف108
روى ابن ماجه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال{قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد} قال الشيخ الألباني : صحيح .
الرسالة واضحة جلية لأنها بيضاء نقية كالشمس في رابعة النهار تنير عقول كل من حاد عن طريق الهداية وغفل عن حقيقة النهاية ليدرك بأن العبودية هي الغاية .
ولما علم من الدين بالضرورة أن قيام التوحيد وأركانه لا يتأتى إلا عن طريق السلطان جاءت الرسالة موجهة للناس عامة وأهل السلطة خاصة , فالعقيدة الإسلامية لا تقبل منازعا لله في مُلْكِهِ ولا شريكا له في شرعه فإخضاع السلطان لأوامر الله ونواهيه إحاطةٌ للأمرِ من كلِّ جوانبه .
فالأحكام الشرعية لا يتأتى قيامها عن طريق أفرادٍ دون جماعات تتبوء مراكز القوة في المجتمعات, فرعاية شؤون الناس عامة والمسلمين خاصة لا تكون إلا وفق كتاب الله عز وجل وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام .
لذلك كان غياب الإسلام في عقيدته ونظامه عن الحكم لهو الطامة الكبرى التي حلت بالمسلمين عندما سقطت الخلافة العثمانية وضاعت , فضاع معها السيادة المطلقة للشرع وتاه السلطان من يد المسلمين فأضحوا لقمة سائغة في أفواه أعدائهم وبهذا يكون الطوق قد انكسر وسقطت بلاد المسلمين كما تسقط الحبات من العقد.
فجمْعُ حبات العقد دون إرجاعها للطوق لا فائدة له ولا معنى لأن الطَّوقَ هو الأساس الجامع وستبقى الحبات ضائعةً تائهة حتى يقوم المسلمون جميعاً بإرجاع حباتهم إلى ديار الإسلام واحدةً تلو الأخرى حتى يكتمل العقد.
ومن هنا ومن غيره كان لابد للعمل الجاد المخلص في نفوس الشباب المؤمنة الصادقة لله عز وجل بأن تتبنى الإسلام وعقيدته فكرة وطريقة فيحققوا معنى الآية الكريمة : {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}الأنعام162
فالصبر الصبر يا طلاب الجنة في حمل الدعوة لأن الطريق شاق ومملوء بالصعاب وتحفه الأخطار من كل جانب ولأن الغرب وأذنابه من حكام السوء قد نذروا أنفسهم ليكونوا عائقاً ذليلاً في وجه الحقِّ وطلابه وليس ذلك فقط بل جنَّدوا جنودهم من الإنس ليكونوا لهم عوناً في ذلك ولمَّا يفهموا وعد الله الذي وعد المتقين (الآية 55 النور).
فالمسألة مسألة وقت لا أكثر مهما طال الزمان أو قصر لأن الحق لابد أن يرجع إلى نصابه وعملنا ليس إلا لنيل الآخرة إرضاء لله عز وجل والبشارة في حديث النبي عليه الصلاة والسلام إشارة واضحة و مفهومة لكل عاقل بأن عودة الإسلام ستكون في مكانها الصحيح خلافة على منهاج النبوة ولا نرضى بأقل من ذلك.
الأمة الإسلامية اليوم أكثر من أي وقت مضى تطلب الإسلام ليكون حياة لها في خلافة على منهاج النبوة وذلك بعد أن خبرت وعلمت وأدركت حقيقة هؤلاء الرويبضات المتسلطون على رقابهم بأنهم عبيد أمرهم في يد أعداء الله ورسوله فأسلموا البلاد والعباد لقمة سائغة في يد الكافر المستعمر.
فيا أمة الإسلام استجيوا لله ورسوله لما فيه خيركم وفلاحكم في الدنيا والآخرة ...
{يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }الأحقاف31
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }الأنفال24
{اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ }الشورى47
فإخوان لكم يغذون السعي ليلاً ونهاراً في عملٍ دائبٍ غير منقطع مخلصين لله عز وجل متوجهين للأمَّةِ الإسلامية عامة وأهل القوة والمنعة فيهم خاصة - بقلوبٍ صادقةٍ مؤمنة حريصةٍ عليهم من ذُلِّ الدنيا وعذاب الآخرة - أن أدركوا حقيقة السعي واعملوا مع العاملين الصادقين لتكونوا من المفلحين وعندها يفرح المؤمنون بنصر الله , ألا إن نصر الله قريب .