(عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة) بهذا المثل الشعبي يسهل على كل أصحاب الرسالات أن ينحرفوا عن سكة أهدافهم التي يريدونها إلى سكة الأهداف التي يمليها عليهم الواقع وضغوطه التي يصعب مقاومتها وتجاوزها.
عندما تتأسس أي حركة أو حزب أو جماعة تبتغي إحداث تغيير معين أو نهضة ما، فإن أول خطوة يتم تحديدها لهذا التنظيم هي خطوة (تحديد الأهداف) أما الخطوة الثانية فتكون تحديد (كيفية الوصول إلى هذه الأهداف)، وبهذا يبدأ التمايز بين الجماعات في تيارات عامة، فهناك التيار الإسلامي، وهناك التيار التحرري، وهناك التيار الاشتراكي وو إلــخ
وحتى الجماعات العاملة في تيار واحد تتمايز فيما بينها، فالجماعات الإسلامية منها الراديكالية ومنها المعتدل، ومنها ما كان مقتصراً على الأخلاق والعبادات فلم يدخل دائرة التصنيفات.
الكلام حتى اللحظة كلام نظري توصيفي لواقع موجود، لكن الصورة المؤلمة هي ذلك الفارق بين أهداف الجماعة وطريقتها لحظة انطلاق الجماعة وبين أهداف الجماعة وطريقتها بعد أن تصطدم بالمعيقات والحواجز التي بينها وبين أهدافها.
معظم الجماعات طرحت أهدافاً يمكن أن نسميها أهدافاً (مثالية) فإذا ما بدأت تصطدم بالحواجز التي في طريقها، وبدأت تتبدل عليها الرياح عاصفة ولينة، وبدأت تتأرجح بين معسول الوعد ونيران الوعيد، تجدها تقبل بالعصفور الذي في اليد وتغض الطرف عن العصافير العشرة الموجودة على الشجرة، والتي تغنوا ليل نهار بأنهم لن يقبلوا إلا بكل العصافير.
العصفور الذي في اليد، يتمثل في مقعد وزاري مصنوع من جلود التماسيح، أو كرسي برلماني تشارك فيه المتألهين الذين أسهروا ليلهم وقضوا نهارهم في سن التشريعات، أو جمعية خيرية تخطب فيها ود الأرامل واليتامى فيكافئون الحاكم بالدعاء له أن سمح لك بفتح مثل هذه الجمعيات الخيرية، أو السماح ببث قناة فضائية تأخذك شاشتها إلى الجنة، أو حتى قد يكون العصفور الذي في اليد هو السيطرة المسلحة على منطقة جغرافية لا تكفي مساحتها لملء سكان حي واحد من أحياء القاهرة، وقد يكون العصفور أدنى من ذلك، حتى إننا لا نكاد نخطئ إذا قلنا أن بعضهم رضي بريشة من جناح العصفور، كذاك الذي أعلن أنه ينتهج الإسلام، فلما صار رئيساً للوزراء راح يترحم على هادم دولة الإسلام (أتاتورك) !
ما أقل شأن العصفور حين يصبح هو أقصى درجة يرتفع إليها سقف مطالب الحركات المتأرجح !
وبينما ينقب المرء في الحركات الإسلامية فيجدهم كلهم قد ارتضوا عصفوراً أو جناح عصفور وأحياناً تجدهم يرتضون ريشة من ذيل العصفور، فإنه ولا بد لازم للمنقب أن تقع عينه على حزب التحرير.
وقبل المضيّ في الحديث عن حزب التحرير، فإنني أؤكد على أن هذا الكلام لا أكتبه حميـّـةً لحزب التحرير، وإنما هي حقيقة عاينتها بنفسي، وتابعتها بكل أدوات البحث والتحري الموضوعية المجردة من الأهواء والعواطف.
إن حزب التحرير يرفض منطق (العصفور في اليد) ولا يقبل بأقل من العصافير العشرة التي على الشجرة، بل هو يبحث عن ما هو أكثر من العصافير التي على الشجرة، هو يريد كل الأشجار بكل العصافير التي عليها، ولا يعتبر الحزب حصوله على العصافير العشرة سوى نقطة ارتكاز ينطلق منها لصيد كل العصافير التي على كل الأشجار.
وعصافير حزب التحرير العشرة تتمثل في (توحيد المسلمين في كيان سياسي واحد يحكم بالإسلام ويطبق الشريعة، ويفتح بقية بلاد العالم بالجهاد ناشراً الإسلام فيه، وهذا هو نظام الخلافة)
ورغم أن أصحاب منطق (العصفور في اليد) ينعون على حزب التحرير أهدافه المثالية، بل ووصلت ببعضهم الجرأة أن يعدها (أحلاماً) و (خيالات) إلا أن حزب التحرير منذ نشأ عام 1953 في القدس إلى يومنا هذا لم يبدِ أي انحراف عن هذا الهدف الذي حدده لنفسه، ألا وهو العصافير العشرة التي على الشجرة، ولم يقبل بالعصفور في اليد.
والذي يعجبك أكثر في قراءتك لسيرة حزب التحرير هو انتهاجه طريقة معينة لم يغيرها على مدار ستة عقود كاملة، إنها الطريقة السياسية المفضية إلى إحداث تغيير انقلابي في المجتمع، فالحزب يرتكز عمله على محورين أساسين:
الأول : مخاطبة الأمة والعمل على نشر فكر الحزب وسريانه في أوصالها
الثاني : مخاطبة أهل القوة المسلحة (الجيوش والعشائر) وإقناعهم بالاستيلاء على الحكم وتسليمه للحزب
وهنا يكمن الخطر الذي جعل من حزب التحرير ليس مجرد حزب شعارات أو منشورات، بل مصدر خوف وقلق للحكومات الغربية والشرقية.
إنه حزب يتواصل مع الأمة بكافة أجزائها: العلماء، البسطاء، المفكرون، المثقفون، الجامعيون، الجامعات، المدارس، المنازل، المؤسسات، المساجد، الحركات والأحزاب وغيرهم كثير.
ولعل أبسط شاهد على مثل هذا التواصل هو مؤتمر الحزب الاقتصادي العالمي الذي عقده أول هذا العام في الخرطوم طارحاً حل المشكلة الاقتصادية العالمية، وكيف أمّ هذا المؤتمر قرابة 6000 شخص أبدوا قمة الإعجاب والتأييد لطرح الحزب المستمد من الشريعة.
ومثال آخر هو مؤتمر الحزب العالمي لعلماء المسلمين قبل بضعة أيام في إندونيسيا والذي أمه آلاف العلماء من كافة أنحاء العالم الإسلامي.
ومن قبل عامين مؤتمر الحزب الحاشد في ذكرى هدم الخلافة في جاكرتا عام 2007 والذي أمّه مائة ألف شخص.
إن حزب التحرير يحسن التواصل مع كافة أطياف الأمة، ويقنعهم بضرورة التخلي عن منطق (العصفور في اليد) وموالاة قاعدة (عدم القبول بأقل من العصافير العشرة التي على الشجرة)، وحزب التحرير يدرك أن اصطياد عشرة عصافير متحركة على الشجرة أمر لا يمكن إلا حين يتوفر الدعم اللازم لذلك من أدوات الصيد والقنص والقوة، لذلك تجده يركز خطاباً إلى أهل القوة المسلحة المتمثلين في الجيوش غالباً.
ولعلني لا أخطئ إذا خمنت أن الحزب في بعض الأحيان إنما يستعرض قاعدته الشعبية التي أصبحت عريضة جداً في مختلف أنحاء العالم الإسلامي ليوصل رسالة إلى أهل القوة مفادها (إذا نصرتمونا فهؤلاء أول غيث الخير)
الكثيرون في عصرنا هذا قد لا ينضمون إلى حزب التحرير، وقد يخافون من تأييده، وقد يختلفون معه في بعض طروحاته، ولكن هناك عامل مشترك أنا واثق أن الجميع سيتفق عليه، وهو أن حزب التحرير من يوم أن نشأ وهو لا يقبل بأقل من العصافير العشرة التي على الشجرة، ولا زال ثابتاً على هذا الخيار، وإنه ليبدو واضحاً في الأفق، أننا سندعى قريباً إلى وليمة أممية يدعونا فيها حزب التحرير للأكل من العصافير العشرة بل وربما أكثر من ذلك بكثير.