الحمد لله القائل:- {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}
والصلاة والسلام على رسول الله القائل:- { إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا }.
أيها المسلمون الصائمون:-
تملكُني الدهشةُ ويصيبنُي العَجبُ وأنا أتابعُ بعضَ المسلمين في رمضانَ كيف يتفنَنُونَ في تضيعِ أوقاتِهم، ومن مظاهرِ اللهوِ المُنظمِ جلوسُهم أمامَ الشاشةِ الصغيرة مُسلِمين لها أمرَهم فتأخذُهم من برنامجٍ فُكاهي إلى آخرٍ ترفيهي ومن مسلسلٍ إجتماعي إلى آخر تاريخي وربما تمتْ إعادةُ نفسِ المسلسلِ إلى عدةِ مراتٍ في أوقاتٍ متقاربةٍ فيتابعونَه دون كللٍ أو ملل فتتأججُ أثناء متابعته العواطف وتُذرف له الدموع في حالةِ صمتٍ وخشوع، كلُّ ذلك يحصلُ والأمةُ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها تعيش حالةً من الضياعِ والتيه في مسلسلٍ تآمرٍ عليها لا تنتهي فصولُه ولا تُعرفُ متى ستكونُ الحلْقةُ الأخيرةُ فيه.
ففي فلسطين يقومُ سماسرتُها ببيعها في سوقِ النِخاسةِ بعد أن باعوا أنفسَهم للشيطانِ عبرَ مسلسلٍ من التنازلاتِ والخيانات، بينما تتناثرُ الأشلاءُ وتتكاثرُ الشهداءُ وبعضُنا كأنه يعيشُ في الفضاءِ فلا يدري ماذا يحصل عند بابِ حارتِه فضلاً عن عدم معرفته ما حصلَ في بلدِه وما يُدبرُ لأهلِه ويُمكرُ بأُمتِه.
وفي لبنان يستمرُ المسلسلُ الهزيلُ في التكالبِ على السلطةِ بين مولاةٍ ومعارضةٍ وِفقاً للتجاذبات الدولية.
وفي سوريّا لم يُعرفْ حتى الآنَ متى سيَردُّ الأسدُ الجريحُ الكسيرُ على الاعتداءات اليهوديةِ في عُقر داره وعند باب حارته، بل يتلهى بالإنفاقِ والتمويلِ على الممثلين في المسلسلات التضليلية والراقصات في الخيمات الرمضانية، ليَصُدَّ الناسَ عن اغتنامِ الأيامِ المعدوداتِ في شهرِ الطاعات.
وفي مِصرَ تستمرُ المسلسلاتُ التآمريةُ على الأمةِ وتزداد وتيرتُها في شهرِ رمضان دون مراعاةٍ من النظامِ الحاكمِ الحامي لحمى دولةِ يهودٍ في فلسطين.
وفي الأردن لم تنتهي فصولُ حلقاتِ الكيدِ بالأمة هناك، فيقومُ مليكُ البلادِ بإعلانِ الانتخاباتِ البرلمانية، فينساق له الذين لم يتعظوا بغيرِهم ولا حتى بأنفسِهم باستمرارِ لَدغِهم من نفسِ جُحر هذه الأنظمةِ المتهرئة.
وفي العراق لم يُكتشفْ بطلُ المذابحِ الجماعيةِ في حلقاتِ مسلسلِ الاغتيالاتِ والتفجيراتِ اليومية إلا بعد أنْ أزكمتْ رائحةُ الشركةِ الأمنيةِ الأميركيةِ الخاصةِ أنوفَ الساسةِ هناك.
وفي باكستان يستمرُ الاضطهادُ والإجرامُ من زبانية أمريكا وأزلامِها ضمن برنامجٍ تضليلي رخيص. وهكذا هو الحالُ في جميعِ بلادِ المسلمين المحتلةِ عسكرياً ككشميرَ والشيشان وأفطاني وأفغانستان أو المحتلةِ سياسياً وثقافياً واقتصادياً كدول مشيخة الخليج وباقي بلدانِ المسلمين.
أيها الصائمون: أيها المسلمون: يا عبادَ الله:-
سمعنا في الأيامِ القليلةِ الماضيةِ عن أحداثِ ( مَيَانْمار ) وهي دولةٌ متاخمةٌ للهندِ يَقْطُنها فوقَ الخمسين مليون معظمُهم من البوذيين عُبّادِ البقر، رأينا كيف خرجَ الرهبانُ من صوامِعهم وكسروا حاجزَ صمتِهم والتفَّ الناسُ من حولِهم مطالبين بالتغييرِ في بلادِهم وذلك بسببِ السياساتِ الظالمةِ من حكامِهم وكان آخرُها ارتفاعُ سعرِ المحروقات.
أليس حريٌ بنا ونحنُ أمةٌ تربو عن المليارِ، ربُها الله، ونبيُها محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم، وكتابُها القرآنُ العظيم، وتاريخُها أشرفُ تاريخٍ عرفتْه البشريةُ، وموقعُها الجغرافيُّ أفضلُ مكانٍ على وجه الكرةِ الأرضية، وتملكُ من المقوماتِ والطاقاتِ والقدراتِ ما يؤهلُها لقيادةِ العالمِ فهي أوسطُ الأممِ وأخيَرُها في الدنيا والآخرة، أليس من الأجدرِ بأمةٍ هذه صفاتُها أن تتمردَ على واقِعها السيئ وتأخذَ زمامَ المبادرةِ من جديد لتصلَ إلى العزةِ والنصر والتمكين.
أليس من المحزنِ المبكي أن تبقى هذه الأمةُ في ذيلِ الأممِ وعلى هامشِ الحياة وفي مهبِّ الريحِ تتقاذفُها أقدامُ اللاعبين وتتلاطمُها أمواجُ المتآمرين.
أيها الصائمون:
ها هو الشهرُ الكريمُ قد انتصفَ وأزِفَ على الرحيلِ فأروا اللهَ من أنفسكم خيراً، واعملوا لإعادةِ هذا الشهرِ إلى أصلِه شهرِ الانتصاراتِ لا شهرِ السكراتِ شهرِ الفتوحاتِ لا شهرِ الخزعبلاتِ والمسلسلات وذلك بإعادةِ دولةِ الخلافةِ الراشدةِ الثانيةِ على منهاجِ النبوة التي وعدَ اللهُ بعودتِها وبشّر رسولُه بقُرب قيامِها والتي ترتعدُ فرائصُ أعدائنا بترقبهم لإعلانِها،
فنسألُ اللهَ أن نكونَ من شهودِها وجنودها والشهداءِ في ظلِّها.