الحمدُ لله الذي خلقَنا من العدمِ ولم يخلقْنا سُداً، ثم هدانا وأوصانا ولم يتركْنا هَمَلاً، فقال جلَّ وعلا: { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ} ثم فصّلَ وأوضحَ وبيّنَ الوصيةَ فقال:
{ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فيه}.
والصلاةُ والسلامُ على خيرِ موصيٍّ لأصحابِه وأمتِه، أوصى كعب بن عجرة فقال له: { أعاذك الله يا كعبَ من إمارةِ السفهاء، قال وما إمارةُ السفهاءِ يا رسولَ الله؟ قال: أمراءٌ يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقَهم بكذبِهم وأعانَهم على ظلِمهم فأولئك ليسوا مني ولستُ منهم ولا يردون على حوضي، ومن لم يصدقْهم بكذِبهم ولم يعنْهم على ظلِمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي… } حديث صحيح.
وأوصى أمتَه بالتمسكِ بما كان عليه وأصحابُه الكرامُ فقال: ( أوصيكم بتقوى الله، والسمعِ والطاعةِ، وإنْ كان عبداً حبشياً، فإنه من يعشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثاتُ الأمورِ فإنها ضلالةٌ، فمن أدركَ ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدين المهدين، عَضُوا عليها بالنواجذ ).
وهذا أحدُ الحكماءِ يُوصي ولدَه فيقول له:
( يا بُني.. اعلم أن العزَّ في طاعةِ الله، والذلَّ في معصيةِ الله. والناسُ يتفاضلون بالعقل، ويتميّزون بالعلم، ويتفاوتون بالعملِ، ويسودون بالحِلْم، فعليك في دِينك بالازدياد، وفي دُنياك بالاقتصاد. )
أيها المسلمون: يا عبادَ الله: أين نحنُ من هذه الوصايا، بل مَنْ منّا نامَ ووصيتُه الشرعيةُ مكتوبةً عنده، أم ظننّا أنفسَنا مخلدين في هذه الدنيا الفانية، عجبتُ لمن أيقنَ بالموتِ ثم هو يَضحك، عجبتُ لمن أيقنَ بالقدرِ ثم هو يَنصَب، عجبتُ لمن رأى الدنيا وتقلُبَها بأهلِها ثم اطمأن إليها، عجبتُ لمن أيقن بالحسابِ غداً ثم لا يعمل.
نعم _عبادَ الله_ العملَ العملَ، العملُ بإخلاصِ النيةِ للهِ والسيرِ على نهجِ رسولِ الله، والعملُ على تطبيقِ شرعِ اللهِ في أرضِ اللهِ على عبادِ الله.
وبعدها تكونُ الوصيةُ الشرعيةُ لأبنائها ليست بالدرهم والدينار وإنما بالسيرِ على نهجِ سيدِ الأخيارِ عليه الصلاةُ والسلامُ ما تعاقبَ الليلُ والنهار.
وإن لم تكنْ الوصيةُ مكتوبةً بخطِ القلمِ على صفحاتِ الورق، فإنها قد تُكبتْ بمدادِ العَرقِ بعدَ الجدِّ والنَصب، وإن لم تكنْ الوصيةُ مخطوطةً على اليافطاتِ والجدران، فإنها قد خُطتْ بالدماءِ والأشلاءِ بمَعمَعةِ القتالِ في ساحاتِ الجهاد والاستشهاد، فالوصيةُ الشرعيةُ المعتَبَرةُ ليس بالقول وإنما بالعمل.
وما زالتْ تلكَ الكلماتُ الصادقةُ التي قالَها الشهيدُ (سيد قطب) شاهدةً على صدقِ وصيتِه للأجيالِ المتعاقبةِ التي لم تكتبْ بالكلماتِ وإنما بالتضحيات:-
( إنَّ أفكارَنا وكلماتِنا تظلُّ جثثاً هامدةً، حتى إذا مِتنا في سبيلِها وغَذَّيناها بدمائنا انتفضتْ حيّةً، وعاشتْ بين الأحياء ) رحمَه اللهُ رحمةً واسعة، وجعلنا اللهُ ممن يُحسنون وصيتَهم لأبنائهم والأجيالِ القادمة بالعملِ مع العاملين المخلصين الجادينَ الهادفينَ لاستئنافِ الحياةِ الإسلامية بالخلافةِ الراشدةِ الثانيةِ الموعودة.
{وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }