الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ومن اتبعه بإحسان وترسم خطاه،
وبعد،
إن المبدأَ بالنسبة للأمة التي تعتنقه بمثابةِ الروح للجسد، وهو قائدُها نحو النهضةِ والرقي، وبمقدارِ التزامِها به وفهمِها له وتقيدِها بأحكامِه وأفكارِه، أو تخليها عنه وضعفِ تصورِهَا له وتقيدِهَا بأحكامه، فإنها ترتقي وتسمو حتى تغيرَ مجرى التاريخ أو تنتكسَ وتضعفَ وتنحدرَ نحو الهاوية والانحطاط فتصبح بذلك خائرة القوى، مفككةَ الأوصالِ ومطمعاً لغيرها من أمم الأرض.
وإن الأمةَ الإسلاميةَ بوصفِهَا أمةً مبدئيةً بل صاحبةَ المبدأ الصحيحِ في هذا الوجودِ قد نهضت بالإسلام بفكرته وطريقته، حتى ملأ صيتُ عَدلِها جنباتِ الدنيا وقد تجاذبتها فتراتٌ من الضعف والقوة بمقدار التزامِها بالإسلام أو ضعفِ ذلك الالتزامِ حتى انهارت دولتُها بفعل ضعفِ فهمها للإسلام.
لقد أدركَ المسلمون بعد زمنٍ بفعل عمل المخلصين فيهم وتوفيقٍ من اللهِ عز وجل أن لا عزَ لهم إلا باستئنافِ الحياةِ الإسلاميةِ بإقامة الدولةِ الإسلاميةِ – دولةِ الخلافةِ -، ولكن كثيراً منهم ما زال يجهلُ واقعَ هذه الدولةِ وحقيقتَها، ومن ثم عدمُ قدرتِهم على معرفةِ ما إذا كانت الدولةُ إسلاميةً أم لا.
وذلك عائد إلى أمرين:
أولهما: بُعدُ الشُّقةِ بين المسلمين وبين دولتهِمُ الإسلامية، ونظرتِهم للأمورِ من واقعهم المعاشِ الذي فرضه عليهم الاستعمار.
ثانيهما: تشويهُ صورةُ الدولةِ الإسلاميةِ من قبل الكافرِ المستعمر، بتشويهه صورةَ التاريخِ الإسلامي والتركيز على الفتن التي حدثت في عصور الدولةِ المختلفةِ والإساءاتِ في التطبيقِ من قبل بعضِ الخلفاء، مستعيناً بأدواته وأدوات عملائه من المستشرقين والمستغربين والعملاء الفكريين، ومن إعلاميين وعلماء سلاطين، وإمعاناً منه في تشويه صورة الدولة الإسلامية في أذهانِ المسلمين فقد دعمَ إقامةَ دُولٍ ادّعت بأنها إسلاميةٌ كما هو الحال مع إيران والسودان.
ويضافُ إلى هذين السببين، ضعفُ تصورِ واقعِ الدولةِ الإسلامية وحقيقتِها من قبل بعضِ الحركات الإسلاميةِ والدعاةِ العاملين في بلاد المسلمين والذين يدعوا بعضهم لإقامةِ الدولةِ الإسلامية، مما أدى إلى انتقالِ هذه الصورةِ المشوهةِ الخاطئةِ لكثيرٍ من أبناءِ الأمة خصوصاً وأن الأضواء مسلطة على هؤلاء، فلم تختلف صورةُ الدولةِ عند معظمهم عن الكياناتِ القائمةِ في العالم الإسلامي، سوى في بعض المسمياتِ والمظاهرِ الزائفة.
ومن هنا ولكوننا على مشارفِ الخلافة الراشدة الثانية وقد أظل زمانها بإذن الله، ولكونه لا يجوزُ لمسلمٍ أن يجهلَ واقعَ الدولةِ الإسلاميةِ كونَها أساساً من أساسياتِ الإسلام بل وأهمها بعد العقيدة، فهي الكيان السياسي لتطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها ولحمل دعوته إلى العالم بالدعوة والجهاد، وهي الطريقة العملية الوحيدة لتطبيق الإسلام في واقع الحياة، وبدونها فالإسلام يغيض كمبدأ ونظام للحياة من الوجود، ويغدو مجرد أفكار وأحكام مسطرة في الكتب وليس لجلها حظ في التطبيق، فيبقى مجرد صفات خلقية وطقوس روحية.
وكيف لأحد أن يجهل واقع دولته التي استمرت أكثر من اثني عشر قرناً من الزمان كانت فيها منارة الدنيا ومشعل هداية للبشرية تبسط العدل وتمحو الظلمات.
إن وجود دولة إسلامية فرض فرضه الله عز وجل على المسلمين، ولقد بين الشارع حيث يقول : {… مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ }الأنعام38، واقع الدولة الإسلامية بياناً شافياً لا لَبس فيه، فلقد أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه، وكان صلى الله عليه وسلم، رئيساً لهذه الدولة لعشر سنوات، أقام فيها أركانها وأرسى دعائمها وعلى ذلك سار الخلفاء من بعده رضوان الله عليهم.
والدولة الإسلامية تختلف عن غيرها من الدول في كل مكان وعلى مر الأزمان كافة، في شكلها، وفي الأساس الذي تقوم عليه، فالدولة الإسلامية تقوم على العقيدة الإسلامية لا غير، فهي أي العقيدة الإسلامية، أساس هذه الدولة ولا يجوز أن تنفك عنها بحال من الأحوال ولا يجوز أن يكون لدى الدولة الإسلامية أي فكر أو مفهوم أو مقياس غير منبثق عنها، فلا يكفي أن ينص الدستور على أن دين الدولة هو الإسلام في حين تطبق الدولة ُمعظم أحكامها من غيره، فتطبيق حكم واحد أو تبنيه من غير أحكام الإسلام يصرف الدولة عن كونها إسلامية ليصبح النظام نظام كفر يجب تغييره، والأدلة على ذلك متظافرة منها قول الله عز وجل : {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ }المائدة49
وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت :” وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان”
أما شكل الدولة الإسلامية فلا يشابهه أي شكل من أشكال الحكم وأنظمته الأخرى، فما هو بجمهوري ولا ملكي ولا امبراطوري ولا فدرالي، وإنما هو نظام حكم متميز فريد هو نظام الخلافة التي تقوم على ثلاثة عشر جهاز وهي:
الخليفة ومعاون التفويض ومعاون التنفيذ وأمير الجهاد والولاة والقضاة والصناعة والخارجية والإعلام ومصالح الدولة ومجلس الأمة، ودليل ذلك فعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – الذي تولى رئاسة الدولة الإسلامية الأولى في حاضرتها المدينة المنورة.
إن الدولة الإسلامية حال قيامها يجب أن تتوفر فيها الشروط التالية التي بغيرها لا يمكن أن تكون دولة إسلامية، وهي تميز الدولة الإسلامية الحقيقية من الزائفة المدعاة، وهي:
أحدها: أن يكون سلطان ذلك القطر سلطاناً ذاتياً، يستند إلى المسلمين وحدهم، لا إلى دولة كافرة، أو نفوذ كافر .
ثانيها: أن يكون أمان المسلمين في ذلك القطر بأمان الإسلام، لا بأمان الكفر، أي أن تكون حمايته من الداخل والخارج حماية إسلام من قوة المسلمين، باعتبارها قوة إسلامية بحتة.
ثالثها: أن يبدأ حالاً بمباشرة تطبيق الإسلام كاملاً تطبيقاً انقلابياً شاملاً، وأن يكون متلبساً بحمل الدعوة الإسلامية.
رابعها: أن يكون الخليفة المبُايَع مستكملاً شروط انعقاد الخلافة، وإن لم يكن مستوفياً شروط الأفضلية، لأن العبرة بشروط الانعقاد أي أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً ذكراً عدلاً حراً وقادراً على القيام بأعباء الخلافة.
فإذا استوفى ذلك القطر هذه الأمور الأربعة، فقد وجدت الخلافة، وحينئذ تشرع الدولة بكل طاقاتها وإمكانياتها لاستئناف الحياة الإسلامية وإحداث النهضة الشاملة في مجالات الحياة كافة، ففرضية التطبيق الكامل لأحكام الإسلام تطبيقاً جذرياً انقلابياً يستوجب من الدولة ومن رعاياها العمل بكل جد وبما يملكون من إمكانيات وخبرات أن يعملوا ليل نهار كخلية نحل لا تهدأ حتى يستقر حال دولتهم الفتية وتثبت أركانها، وتتحقق النهضة المرجوة.
فالدولة الإسلامية ومنذ أول يوم، ستبدأ في تطبيق الإسلام في نظام الحكم والاقتصاد والاجتماع والعقوبات وسياسة التعليم والسياسة الداخلية والخارجية وفي كل صغيرة وكبيرة.
وستقوم الدولة بقطع علاقاتها مع المنظمات الاستعمارية كالأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، وكذلك ستنسحب من المواثيق التابعة لها كميثاق الحد من الانتشار النووي وغير ذلك، وستبدأ الدولة بالعمل على ضم جميع بلاد المسلمين لها بأقصى طاقة وبأقصى سرعة وبكافة الأساليب حتى تصبح دولة عظمى كما كانت، وستقوم أيضاً بإيجاد الكفاية الذاتية في الزراعة والطاقة والقوة العسكرية، وستعمل على التحول إلى دولة صناعية تقيم المصانع الضخمة لإنتاج المصانع ولإنتاج الصناعات الثقيلة والأسلحة المتطورة وستعمل أيضاً على نقل التكنولوجيا الحديثة، وستبدأ في العمل على مزاحمة الدول الكبرى على موقع الدولة الأولى في العالم، وغير ذلك من الأعمال العظيمة التي قام بها صلى الله عليه وسلم في الدولة الإسلامية الأولى.
هذه بعض من الأعمال التي ستقوم بها الدولة حال قيامها، فلا يظنن أحد بأنه بمجرد إقامة الدولة الإسلامية أنه قد استقر حالها وانتهت التحديات أمام الأمة، وإنما تعني ولادة المخلّص الذي يجب عليها أن تسهر على إمداده بكل أسباب القوة، وأن تبذل من أجل ذلك الغالي والنفيس، فإقامتها والحفاظ على وجودها قضية مصيرية يتخذ حيالها إجراء الحياة أو الموت.
إن الدولة ستواجه في بداية عهدها تحديات كثيرة وصعوبات جمة منها ما هو خارجي ومنها ما هو داخلي، كما واجه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من التحديات هو وصحبه مما تنوء به الجبال الراسيات، ولكن ذلك لا يعني بحال عجز الدولة عن مجابهة هذه التحديات وسقوطها من جديد، لأنها بإذن الله ستتغلب عليها كما تغلب الأولون على ما واجههم، فنحن منهم وفكرنا هو فكرهم والله ناصرنا بإذن الله كما نصرهم وأيدهم.
إن لكل من هذه التحديات معالجات وطرائق للوقوف في وجهها وصدها بإذن الله القوي العزيز، ولكن المقام لا يتسع لذكر هذه المعالجات فهي تحتاج لكثير بيان، ولكنني أطمئن الأمة بأن حزب التحرير وشبابه قد وقفوا عند هذه التحديات ووضعوا لكل منها حلولاً ومعالجات، حتى تترجم عملياً في حال قيام الخلافة إن شاء الله تعالى، وأذكركم على الدوام وقبل كل شيء بأن الله سبحانه وتعالى لا بد ناصر أوليائه المؤمنين وخاذل الكفار والمنافقين، فهو القائل جل في علاه : “ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ{5} وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ”
وهو القائل : {… وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ }الروم47
وهو القائل سبحانه : {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ }آل عمران160
إعلموا أن الأعمال العظيمة بحاجة لأناس عظام ليضطلعوا بها، وأن الذي يحمل نور الحق لا بد أن يواجه خفافيش الظلام، فهذه سنة من سنن الكون بحاجة لصبر وتضحية، وأن دولة بهذه العظمة يجب أن تكون مميزة عن غيرها تمام التمييز، ولا يغرنكم من يدعى أنه أقام الدولة الإسلامية وأوصل الإسلام للحكم ولم يغير شيئاً من واقع الدول القائمة سوى بعض المظاهر الزائفة للتضليل عليكم، ولا يفت في عضدكم فشل بعض الأعمال المخلصة لإيصال الإسلام إلى الحكم ، فمشروع الإسلام العظيم وصرحه الشامخ المتمثل في دولة الخلافة لم يتحقق بعد وهو بحاجة لكم لتعلوا بنيانه وتحافظوا عليه ليبلغ العلياء وذرى المجد كما بلغها من قبل.
فإلى العمل لمرضاة ربكم وإعادة عزتكم بكل ما أوتيتم من بأس وقوة ندعوكم أيها المسلمون.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته