تتعالى شعارات وسائل الإعلام حول الموضوعية والمهنية وفتح المجال للرأي والرأي الآخر، إلا أن هذه الشعارات تهوي عندما يتعلّق الأمر بحزب إسلامي حدد الخلافة هدفه: فرغم ارتفاع الصوت العالمي العالي والكفاحي الذي يمثله حزب التحرير، وخصوصا في ظل النشاطات الحاشدة التي يسيرها من شرق الأرض إلى غربها في مطالبة صارخة لعودة الخلافة، لا زالت بعض الصحف والمحطات الفضائية تتعامى عن النظرة الصحيحة لحزب التحرير، أو تعرض صورته “معدّلة” أو مشوّهة أو مفسرة بطريقة لا تتوافق مع حقيقته، وبعضها الآخر يحاول تجنّب ذكره جريا على نفس الحصار الإعلامي المضروب على أخبار الحزب والذي ساد عقودا طويلة حسب ما يرى ناشطو حزب التحرير.
بعض وسائل الإعلام عندما تضطر لنقل جانبا من نشاطات الحزب –في محاولة لتأكيد مصداقية في نقل الرأي والرأي الآخر- قد تدرجها مثلا تحت عنوان “حزب التحرير الفلسطيني” متاغبية أو متناسية أنه لا يوجد حزب بهذا الإسم. والبعض الآخر يعرض حزب التحرير في فلسطين وكأنه فصيل فلسطيني يتنافس لملء فراغات تتمخض عن صراعات فصائلية أو مكتسبات سلطوية، متجاهلا أنه لا يوجد على الأرض حزب أكثر وضوحا من حيث الرؤية العالمية وأكثر ثباتا على تحقيقها مثل حزب التحرير. ثم تصفه بعض وسائل الإعلام بأنه حزب ديني، والبعض الآخر –عن قصد أو غير قصد- يضيف كلمة الإسلامي فيسمّيه حزب التحرير الإسلامي، مع أن حزب التحرير لا يجعل من صفته الإسلامية جزءا من اسمه، ولا من طبيعة عمله كحزب سياسي جزء من الإسم، فلا يقول أيضا “حزب التحرير السياسي"، وإنما حزب التحرير وفقط كحزب عالمي مبدؤه الإسلام ويسعى لاستئناف الحياة الإسلامية من خلال إقامة دولة الخلافة ملتزما الطريقة الكفاحية الشريعة التي انتهجها الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية.
وهذا الأسلوب في تغيير الحقائق أو إعادة تشكيلها هي ومسمّياتها وأسماؤها، لا مبرر له في إعلام يدّعي الموضوعية ويسعى لتحقيق المصداقية، وهذا التشكيل من خلال تدخل قلم الإعلامي يناسب الإعلام المحسوب على الأنظمة، ولكن هل هنالك مبرر للإعلام المهني الذي يرفع شعار الحيادية والموضوعية أن لا يضع الأمور في سياقاتها الصحيحة: فيلصق بالإسم ما ليس منه لأي سبب كان، أو يحرف صورة حزب التحرير عن حقيقتها الحقة. ولذلك ارتأيت أن اكتب هذه المقالة لتجد طريقها إلى الصحافة التي تريد أن تكون مهنية موضوعية دون انحياز لتعليمات سلطوية أو إرادات ملكية.
قد يقول البعض ما المشكلة في الإسم، طالما أن الجوهر لا يختلف ؟ من هنا يعود التغابي من جديد، فهنالك فرق واضح في أن نتحدث عن الخمرة باسمها المنفّر في شريعة المسلمين وعن المشروبات الروحية باسمها الذي يحمل معاني الروح التي تتلقاها النفوس بالقبول، ومن هنا –مثلا- هنالك فرق بين أن يتم عرض حزب التحرير كحزب عالمي يسعى لتغيير حياة المسلمين في العالم كله، وبين أن يتم عرضه كحزب محلي يتحرك مع المتحركين ضمن برامج سياسية تقوم على تقسيمات قررتها اتفاقية سايكس بيكو، والتي قسمت أراضي دولة الخلافة بقلم الأجنبي ومسطرته، والتي من أجل استعادتها نهض حزب التحرير، أو لحزب وطني يجسد قضية تراب وسلطة بدل قضية أمة وحكم إسلامي.
وقد علت نبرة تحليل جديدة في بعض التحليلات السياسية والدراسات الإستراتيجية، بعد أن فرض حزب التحرير في فلسطين نفسه على الإعلام من خلال نجاحات سياسية متتالية، فتعرضه وكأنّه يأتي في سياق تراجع شعبية حماس في الضفة الغربية –حسب ما تكتب تلك الدراسات والتقارير- أو إثر ما حدث في غزة من طرد سلطة عباس منها. ولكن المنصف المتبصر يدرك أن حزب التحرير قد حرّك الألوف المؤلفة قبل أن تجرى الإنتخابات التشريعية الأخيرة في أكثر من مناسبة، وهنا أود أن أذكر مثاليين من المدينة التي أعيش فيها لشدة وضوحهما: فقد عقد حزب التحرير مؤتمر الخلافة الأول في مدينة الخليل في آذار من العام 2004 ضم الألوف –بل وقدّرت بعض الصحف المحلية ذلك الحشد بما يزيد عن خمسة عشر ألفا، وكان ذلك قبل الانتخابات التشريعية وقبل ما أسفرت عنه من الصراع الدموي بين فتح وحماس، وكذلك حرّك مسيرة جماهيرية ضخمة في آب من العام 2006 قبل انفلات عقد السلطة إلى حبات في غزة وأخرى في الضفة الغربية. إذن كيف يمكن أن ينسب هذا الاكتساح الشعبي والتأييد العارم، الذي حظي به ويحظي به هذا الحزب الذي يعبّر عن مكنون الأمة، إلى حالة التنافس بين الفصائل الفلسطينية ؟
لعلّ نفي الحزب صفة المحلية أو الوطنية عن نفسه وعن اسمه تكون عند البعض السبب الذي يجعل بعض قادة الفصائل لا يذكرون حزب التحرير ضمن سياقات تجاذباتهم أو تنافراتهم ! فلا نسمع رئيس حكومة أو سلطة ولا قائد فصيل إسلامي أو غير إسلامي يذكر اسم الحزب عندما يعدد المواقف: يؤيدها أو يعارضها فيما يتعلق بالشأن السياسي الفلسطيني.
لا أريد أن أقرر صحة هذا الرأي ولا أن أنفيه، ففهم وتحليل الفصائل الفلسطينية وأعمالها السياسية ليس الغرض من هذه المقالة، ولكن من المناسب للإعلام أن يستحضر خلال سياقاته الإخبارية هذه الملاحظة: حيث تأتمر الفصائل الفلسطينية في دمشق وتتلاقى الحركات الفلسطينية في غيرها من العواصم العربية وفي فلسطين، وتقاطع فصائل أخرى ذلك المؤتمر وغيره من اللقاءات، ويتكرر المشهد، ويتحدث الإعلام عمّن حضر وعمّن قاطع، ولا أحد يذكر حزب التحرير: لا بين المجتمعين ولا بين المقاطعين. فإذا كان التنافس جزءا من العملية التحليلية فأين هو من هذه المعادلات؟
ولا يتسلم حزب التحرير دعوة لحضور تلك المؤتمرات والاجتماعات، لا من المؤيدين ولا من المعارضين، ومن الأكيد أن العواصم العربية التي ترعى تلك المؤتمرات لن تسمح بذلك، ولن تقبل بأن تكون تلك المنابر مفتوحة لصوت يزلزل أركانها. فهل عدم الدعوة هذه من قبل الفصائل هي لإدراك الجميع أن حزب التحرير ليس فصيلا فلسطينيا يحشر نفسه في زاوية التحرك العربي الرسمي للتعامل مع القضية الفلسطينية أم لأمر آخر ؟ لست هنا لأجيب على هذا التساؤل وإنما لطرحه على الإعلام والقادة ؟
فإذا كان الجواب نعم: فلماذا إذن يقرر البعض فكرة التنافسية ويحاول وضع التفاعل العنقودي الذي يفجّره حزب التحرير في فلسطين في بوتقة التنافس السياسي وفي سياق ملء فراغ حركي بعد أحداث غزة وما تلاها؟
وإذا كان الجواب لا: فلماذا لا نسمع موقف حزب التحرير على ألسنة قادة الفصائل وهو يعددون مواقف الأشباه والمخالفين ولماذا لا نسمعه على منابر الإعلام ؟ في كلا الحالين هنالك إشكالية واضحة لدى الإعلام والحكام في التعامل مع هذا الحزب العصيّ على التطويع حسب شروط اللعبة الدولية أو اللعبة العربية، ولذلك فتضيق به أغلب شاشات التلفاز وفضاءات المحطات على رحابتها لكل من هب ودب في عالم السياسة !
لعل بعض الإعلاميين يرى أن لحزب التحرير معزوفة واحدة لا يسأم من تكرارها، كلماتها في نسق واحد: تحريك الأمة للمطالبة بالخلافة واستنهاض الجيوش للقيام بدورها للتخلص من هؤلاء الحكام الرابضين على صدور الأمة، ومن ثم حرب لا هوادة فيها مع المحتل الغاصب، والإعلام يسأم التكرار. إذا كان الثبات على الموقف السياسي لا يستقطب الإعلام، فلماذا لا يفتأ كل صباح وكل مساء يستضيف أولئك الداعين إلى القبول بدولة المحتل وهم يرددون صلوات ودعوات خلف إمامهم بوش وبحضرة أصدقائهم من المحتلين للقبول بشريعة الأمم المتحدة، ويكررون نفس الكلمات ونفس العبارات والقرارات، ألم يمل أهل فلسطين ترديد تلك الشعارات التي تناقد إسلامهم !
وتتحرك أحيانا مظاهرة يدعو لها فصيل فلسطيني يمكن جمع كل أعضائه في باص سياحي، فتتناوله بعض الفضائيات في تقاريرها الإخبارية بالتفصيل، بل لربما نقلت جزءا من التظاهرة في بث حي ومباشر، حتى ولو كانت لا تعبر عن توجهات الناس، هل يقوم الإعلام بذلك لأن تلك المطالبات تأتي ضمن الدعوات المنسجمة مع الشرعة الدولة ؟ أما عندما يحرك حزب التحرير الألوف المؤلفة من أهل فلسطين يستصرخون جيوس المسلمين للزحف إلى بيت المقدس وأكناف بيت المقدس لتحريرها من احتلال يهود، تتعامى العديد من وسائل الإعلام عن ذلك الخبر، وإذا اضطرت بعضها لنقله، فيأتي في سياق سريع، وربما بصيغة منكرة بنسبته إلى جماعة إسلامية بدون ذكر اسمها ! ثم لا تستضيف أحدا من هذا الحزب للتعليق على الحدث، بل ولربما استضافت من يخاصم هذا الحزب أو من هو مستعد لمخاصمته بأجر وبدون أجر!
ويعتقل عضو في حركة وطنية أو إسلامية فلسطينية، فيتكرر الخبر مرارا وتكرارا في نشرات الأخبار وعلى الشريط الإخباري لدى بعض الفاضائيات بينما تم اعتقال العشرات وقبلها المئات من شباب الحزب في فلسطين على أيدي رجالات السلطة الفلسطينية ولا تجد فضائية عربية تعلّق على الخبر: لا في سياق إخباري ولا تحليلي. وعندما استشهد أحد شباب حزب التحرير – هشام البرادعي- في مسيره مناهضة لمؤتمر أنابوليس الخياني في الخليل تحت قمع سلطة أوسلو تذكر بعض وسائل الإعلام أن المسيرات قامت بها جماعة إسلامية صغيرة، حتى أن إحدى الفضائيات قد استضافت أحد أقرباء الشهيد وشرّطت عليه أن لا يتلفظ باسم ذلك الحزب لأن دولتها تفرض ذلك، واستجاب لنفس ذلك الشرط إعلامي فلسطيني معروف استضافته تلك الفضائية فذكر الحدث بصيغة النكرة ! وعرضت بعض وسائل الإعلام تلك الهبة ضد مؤمر التطبيع الرسمي في أنابوليس وكأنه يأتي في سياق الصراع بين فتح وحماس، مع أن حزب التحرير لم يجعل نفسه يوما مع أي حركة أو ضدها، فكفاحه السياسي هو ضد الأنظمة لا الحركات، ومواقفه الفكرية تكون مع الأفكار أو ضدها، ولا يتناول الحركات التي تحمل تلك الأفكار. وهو ينظر دائما إلى الأفراد في الحركات على أنهم جزء من أبناء الأمة الإسلامية، حتى عند تقرير المخالفة الفكرية والشرعية في برامج تلك الحركات، بل إن حزب التحرير لم ينظر لمن يصوب الرصاص لصدور أبنائه على اساس تكفيري ولا يمكن أن يفعل ذلك، لأن اثبات العقيدة أو نفيها للناس أو عنهم لا تكون بحسب الموقف السياسي (الذي حسابه على الله)، بل فقط على أساس موافقة قطيعات هذا الدين جميعا أو إنكار واحدة منها. صحيح أن حزب التحرير ذم التناحر الدموي الذي حصل بين فتح وحماس، وصحيح أنه وجه نصيحة علنية لحماس في عدم الانجرار إلى مسارات تحركها الأنظمة العربية لتمهيد مواقف القبول بدولة المحتل، إلا أن ذلك لا يحوّل التناصح إلى حالة التموضع ضد أو مع تلك الحركات، وإنما هو حشد سياسي ضد المواقف، وحزب التحرير لا يتواني عن الحث على الثبات على المواقف الشرعية التي تكون متوافقة مع الاحكام الشرعية عندما تكون من قبل الآخرين.
ببساطة الكلمات: حزب التحرير هو امتداد لحزب عالمي يمتد حضورة في عشرات الدول، هو حاضر بوضوح للإعلام في أندونيسيا وباكستان وتركيا وبنغلاديش، وفي لبنان وفلسطين، وخطر وجوده في وسط آسيا ووادي فرغانة محسوس ومحل تنبّه من قبل مراكز الدراست والاستراتيجيات الغربية، فليعد الإعلامييون إلى مواقع تلك المراكز على الإنترنت ليطلعوا على التحليلات والتوصيات حول التعامل مع خطر الحزب، من أمثال مؤسسة جميس تاون، وراند، ومركز نيكسون، وغيرها الكثير. ومعروفة قضايا شبابه أمام محاكم وفي معتقلات الأردن وسوريا والمغرب وتونس والجزائر والكويت. ومشهود توتر ساسة الغرب تجاه نشاط شبابه بين ظهرانيهم كما ينقله الإعلام الغربي، منهم من حظر نشاطه كألمانيا، ومنهم من يسعى لذلك، إلا أن تمسكه بديمقراطيته، لا زالت تحول دون ذلك مثل بريطانيا. فكيف والحالة هذه، يمكن حشر هذا الحزب، الذي لا يوجد على الأرض حزب مثله من حيث الامتداد العالمي، في حارات وأزقة تتنافس فيها فصائل تسعى ضمن شروط اللعبة السياسية الرسمية؟
هل يمكن للإعلام أن يدرك هذه الحقيقة وينقلها كما هي دون إعادة تشكيل ؟ سؤال يصلح فقط لإعلام يتحرى الحقيقة ولا يعمل ضمن أجندات الأنظمة والدول الغربية.