الحمد لله القائل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}التوبة128
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وقدوة للعاملين المخلصين, فتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
بأبي أنت وأمي يا رسول الله وأنت تقول: (يا أيها الناس اسمعوا فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا). نعم _عباد الله_ كان هذا هو الإنذار الأول والإشارة الأولى لحرمان هذه الدنيا التعيسة من تلك الرحمة العظيمة.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}
{وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}.
ثم جاءت الإشارة الثانية: (إن عبداً دعاه الله فأوشك أن يلبي) ففهم الصديق والصاحب الإشارة فبكى وصاح (فداك بأبي أنت وأمي).
ثم توالت الاشارات: شدة المرض, ووداع أصحاب البقيع والصلاة عليهم ووداع ابنته الحبيبة الغالية, وآخرها في حجر الحميراء الصديقة بنت الصديق واختيار الرفيق الأعلى, وفارق ذلك النور الوهاج الدنيا فأظلمت. قال أنس رضي الله عنه: (ما رأيت أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه).
فأي مصيبة أعظم على المؤمن من مصيبته بحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم, فتراه قد نفض يديه من الدنيا وأحس بأنها لو كان فيها خيراً ما فارقها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
أيها الإخوة: الدنيا معلونة ومعلون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه, فكيف بهذه الدنيا وقد رحل عنها الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه, إنها بلا شك لا تستحق منا أدنى اهتمام فالرزق فيها مقسوم والأجل فيها محتوم, وما يصيبنا لم يكن ليخطئنا وما أخطأنا لم يكن لصيبنا, فلا تتعبوا أنفسكم بدنيا لا يدوم نعيمها ولا يبقى فيها حبيبٌ أو قريب, ولو دام أحدٌ لأحد لدام محمدٌ صلى الله عليه وسلم لأصحابه وأمته.
وقد وصف أبو عبيدة رضي الله عنه حالهم مع رسول الله فقال: (لقد كنا والله نقاسي أحوالاً تشيّب النواصي, وأهوالاً تزيل الرواسي, خائضين غمارها, راكبين تيارها, نشرب صابها, ونشرح عبابها, والأنوف تعطس علينا بالكِبر, والصدور تستعر بالغيظ, والشّفار تُشحذ بالمكر, لا نرجوا عند الصباح مساء, ولا عند المساء صباحاً, فادين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمال والأم والخال والعم)
هذا هو حال جيل الخلافة الراشدة الأولى على منهاج النبوة, فماذا عن حال جيل الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القادمة قريباً بإذن الله فهو القائل: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}ومن أصدق من الله حديثاً؟؟؟
اللهم ارزقنا صدق الإيمان بك, وحسن الظن فيك, وجميل التوكل عليك, وأن توفقنا إلى كل ما تحب وترضى, ولا تكلنا إلى أنفسنا فنضلُّ ونخزى.