وهكذا بدا لنا أن أميركا تفهم الأوضاع على حقيقتها بعقلية غير تلك العقلية الاستعمارية، وبدا لنا أيضاً أن لأمريكا سياسة أمريكية على خلاف ما كنا نعرف من أنها تسير في ذيل السياسة البريطانية الاستعمارية.. وخاصة في هذه المنطقة من العالم التي كان يدعو الساسة البريطانيون الاستعماريون أنهم خبراؤها الوحيدون، ولعل هذا يلقي لك ضوءاً يا بنيّ على ما قلته لك سابقاً من أن تصرف الثورة حيال أمريكا كان مناقضاً من أول يوم لتصرفها حيال بريطانيا، وأن صداقة حقيقية انعقدت بيننا وبين السفير الأمريكي المستر كافري. وأن الرجل كان مخلصاً حقاً.
فمن أول يوم لبّينا دعوة المستر كافري التي دعانا فيها إلى العشاء وذهبنا جميعاً إلى منزله.. قبل أن يعلم الناس في مصر والعالم من هم رجال ثورة مصر في الوقت الذي قاطعنا فيه السفارة البريطانية تمام المقاطعة حتى إن المستشار الشرقي بها كان يبحث ويحاول أن يصل إلى معرفة أشخاصنا، ثم بدأ بعد ذلك يتصل ببعض أصدقائنا من الصحفيين لكي يدلوه على طريقة يتصل بها بنا، أو يكونوا واسطة لاجتماعه بأحدنا، وكان هذا في الوقت الذي كان السفير الأمريكي فيه دائم الاتصال بنا.. وفي كل مرة كان يظهر تفهماً وإدراكاً لحقيقة أهدافنا مما جعلنا نحس أن أمريكا عازمة حقاً على التمسك بما تعلن عنه من أنها ضد الاستعمار.. وأنها مع حق تقرير المصير للشعوب الصغيرة التي ابتليت بالسيطرة الأجنبية.