الباب الأول:
فترة رفعة اللُغة العربيّة تأثّراً بقرارات السّياسيّين المسلمين:
وبعد أوّل معركة سياسيّة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جهة، وخصومهم من الكفّار من جهة أخرى، بعد ما يقارب سنة ونصفها على إقامة دولة المسلمين الأولى وكيانهم السياسي، كان قرار النبيّ صلى الله عليه وسلم – رئيس الدّولة – يقضي بأن يعلّم كلّ أسير من الكفار ليس له فداء، أولادَ الأنصار الكتابة. أيُّ كتابة؟ إنها كتابة اللُغة العربيّة، لغة كتاب الله المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى عبد الله بن عباس قال: (كان ناسٌ من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة...)
هذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكَلِم، تبعه القادة والخلفاء من بعده في نفس نهج الاهتمام بلغة اختارها الله عزّ وجلّ لتكون وعاءً لكتابه الكريم. فهذا هو عمر بن الخطاب - الخليفة الثاني رضي الله عنه - بعد أن علم أن أعرابيّاً قال: (وأنا بريء من رسول الله) بعد أن سمع قارئا يقرأ آية: (وأذانٌ من اللهِ ورسولِه إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريءٌ من المشركين ورسولُه)، إذ نطق (رسولِه) بالكسر بدلا من الرفع، فأمر عمر بن الخطاب ألا يُقرئ القرآنَ إلا عالمٌ باللُغة، وأمر أبا الأسود فوضع النحو.
فهذا عمر، ولأنه صاحبُ القرار كونه خليفة، اتخذ قرارين هامّين، وهما عدم السماح لغير العالم باللُغة العربيّة أن يعلّم الناس كتاب الله، أما قراره الثاني، فقد كان سبباً في وضع علم النحو، إذ لو لم يكن عمر صاحبَ قرارٍ في الدّولة فليس باستطاعته أن يأمر بهكذا أمر، إذ إن الكثيرين من علماء اللُغة الّذين كانوا يسمعون اللحن كانوا يكتفون بتصويبه، وليس اتخاذ القرارات بأيديهم، فهذا يدلّ دلالة واضحة أن التأثير كلّ التأثير في الحفاظ على اللُغة هو لصاحب القرار في الدّولة.
ثم إن عمر صاحبَ القرار في الدّولة أمر أحدَ وُلاته بضرب كاتبه؛ لأنه أخطأ في كلمة واحدة في رسالة موجّهة من الوالي إلى الخليفة، فهو صاحب الأمر والنهي، وهو الذي قال: (تعلموا اللُغة العربيّة، فإنها تثبت القلوب، وتزيد في المروءة)، وهذا عمر أيضا يسمع من أخطأ في الرمي يقول لمن أصاب: (لقد أسبت) بدلاً من (أصبت)، وفي رواية أنه سمعهم يقولون: (نحن قوم متعلمين) فقال: (لخطؤك في كلامك أشدُّ علينا من خطأك في الرّمي)، فهذه الغيرة على لغة القرآن موجودة عند كل علماء اللُغة، ولكنّها لا تدخل حيّز التنفيذ إلا إذا وُجدت عند صاحب القرار.
وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: “ تعلّموا العربيّة فإنها تُثَبِّتُ العقل وتزيد المروءة “ وقال أيضاً: “ تعلّموا النحو كما تتعلمون السنن والفرائض وقال: “إيّاكم ورطانة الأعاجم”. وهو روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: “ رحم الله امرأ أصلح من لسانه “.
كما جاء عن عمر بن الخطاب الفاروق الملهم رضي الله عنه أنه قال: «ما تَكَلَّم الرجلُ الفَارِسِيَّةَ إلا خَبُثَ، ولا خَبُث إلا نَقَصَتْ مُروءته».
وصاحب القرار يقدَّم على علماء اللُغة أنفسهم حتى ولو كان أبا الأسود الدؤلي نفسه، فقد روى سعيد بن سالم الباهلي عن أبيه عن جدّه عن أبي الأسود الدؤلي قال: (دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فرأيتُه مطرقاً متفكراً، فقلت: فيمَ تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال:إني سمعت ببلدكم هذا لحناً فأردت أن أصنع كتابا في أصول العربيّة، فقلت: إن فعلتَ هذا أحييتنا، وبقيَت فينا هذه اللُغة، ثم أتيتُه بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها : “ بسم الله
الرحمن الرحيم، الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثم قال لي: تتبّعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما تتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر”. قال أبو الأسود: “ فجمعت منه أشياء وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها (إن وأن وليت ولعل وكأن) ولم أذكر(لكن) فقال لي: لِمَ تركتَها؟ فقلت: لم أحسبها منها، فقال: بل هي منها فزدها فيها”.
إنَّ هذه الحادثة لتدلُّ بلا أدنى شك أن أبا الأسود وهو العالم بلغة العرب، قرّر له صاحب القرار أن يكتب كتاباً في أصول العربيّة، ويؤكد هذا، قولُ أبي الأسود نفسه: “إن فعلت هذا أحييتنا وبقِيَت فينا هذه اللُغة” فهو يُرجع الأمر إلى صاحب الأمر، إذ إن أبا الأسود مع غزارة علمه في اللُغة إلا أنَّ القرار ليس عند العالم وإنما عند صاحب السلطان، ووجهه السلطان رضي الله عنه في تأليف ذلك الكتاب.
وفي عهد الأمويين استمرّ الحفاظ على اللُغة من أصحاب السلطان، فهذا عبد الملك بن مروان كان عصره عصرَ التعريب، للدواوين والنقود. وشرع في بناء دولة تشكل اللُغة ُ العربيّة ُ أهمَّ ركائزها، فاعتمد على الشعراء، وكان وزراء إعلامه في الدّولة وصوته إلى جميع أنحاء المسلمين، كجرير، والأخطل مع أنه كان نصرانياً.
وهو قال:«اللحن في الكلام أقبح من الجُدريّ في الوجْه» وقال: «شيبني ارتقاءُ المنابر مخافةَ اللحْن».
وقد ذكر أبو داوود السجستاني أن عبيد الله بن زياد والي البصرة كلّف كاتبه يزيد الفارسي بإعجام المصحف بالنقاط والشكل. ولما وَلِيَ الحَجّاجُ العراقَ طلب من عاصم بن أبي النّجود وضع النقط المميزة للحروف المتشابهة في القرآن؛ لييسر على قارئيه، وبخاصة من غير العرب، فوضع بذلك أسس الإعجام في العربيّة.
فهذان القراران ما كان لهما أن يصدرا لولا أنّ صاحبيهما واليان، أي صاحبا قرارٍ وسلطان.
وبفضل قادة بني أمية - أصحاب السلطان وقتئذ - استَعملت جميع البلاد المفتوحة اللُغة العربيّة كلغة رسمية، وتمت ترجمة كتب الطب والعلم وكتب سريانية ويونانية إلى لغة العرب، فصارت لغة العلوم والفنون في ذلك الزمـان، فهذا خالد بن يزيد بن معاوية، وهو صـاحب القرار كان أولَ من عُنيَ بنقل الطب والكيمياء إلى اللُغة العربيّة، فقد أمر بإحضار جماعة من اليونانيين ممن درسوا بمدرسة الإسكندرية في مصر، وتفصّحوا العربيّة، فطلب منهم نقل كثير من الكتب من اللسان اليوناني والقبطي إلى لسان العرب، وطلب منهم ترجمة كتاب جالينوس في الطّبّ، وتُرجمت له كتبُ النّجوم والطب والكيمياء والحروب والآلات والصناعات. وهو الذي أنشأ أول دار للكتب في العالم العربيّ في دمشق، جُمعت له فيها الكتب.
وخالد بن يزيد لو لم يكن صاحب سلطان وقرار، لما استطاع أن يأمر بأيٍّ من هذه الأوامر، ولَمَا تُرجم شيء من هذه الكتب، ولم يخالفهم هشام بن عبد الملك، فقد أمر هو الآخر بترجمة كتب عن تاريخ كسرى.
وبهذا، فُتحَ بابٌ واسعٌ للغةِ العرب للانتشار والثراء.
وفي العهد العباسي- حيث كان اهتمام الخلفاء بلغة القرآن - إذ نهضت اللُغة العربيّة وارتقت، وازدهرت، وبدأت هذه المرحلة بالترجمة، من اليونانية والفارسية، ثم التأليف، ونقل العلوم، أدّى إلى تعريب مصطلحات غير عربية، وتوليد صيغ لمصطلحات، وتحميل صيغ عربية دلالات جديدة لتؤدي معاني أرادوا التعبير عنها. وبقيت هذه اللُغة لغةَ العلم والآداب، ونمت الحركة الثقافية والعلمية في حواضر العالم الإسلامي بازدهار هذه اللُغة.
كلُّ هذا كان بسبب اهتمام أصحاب القرار بهذه اللُغة. فالخليفة أبو جعفر المنصور، عني بترجمة الكتب الفارسية واليونانية إلى العربيّة، وهارون الرشيد أنشأ للعلماء دارَ حكمة، كأكاديمية علمية، يجتمع فيها المعلمون والمتعلمون، وزوّدها بالكتب التي نقلت من القسطنطينية وآسيا الصغرى، وها هو المأمون قد ازداد اهتمامه ببيت الحكمة، فوسّع نشاطها وزاد العطاء للمترجمين، وأرسل بعوثا إلى القسطنطينية، لاستحضار ما يمكن الحصول عليه من مؤلفات يونانية في شتى أنواع المعرفة، وذكر ابن النديم أنه كان بين المأمون وإمبراطور القسطنطينية مراسلات بهذا الشأن.
وأيُّ عالمٍ؟ مهما كان علمه يستطيع أن يراسل إمبراطوراً لو لم يكن صاحب سلطان؟
فالمأمون هو الذي قرّر أن يراسل الإمبراطور بهذا الشأن، وقد كان بإمكانه أن يراسله بأمور سياحية أو رياضية كما يفعل أصحاب القرار المسلَّطين على رقاب المسلمين اليوم.
وللباحث أن يُدرك دورَ صاحب السلطان والقرار في ازدهار اللُغة، حيث يعلم أن خليفتنا المأمون كان يعطي العالم الذي يترجم كتاباً علمياً من لغة أجنبية إلى اللُغة العربيّة وزنَ هذا الكتاب من الذهب الخالص، لذلك للباحث أن يتخيل حجم إقبال العلماء على الترجمة آنذاك، الذي جعل كل التراث العلمي العظيم الذي خلفته البشرية على مدى أجيال عديدة، يُقرأ باللُغة العربيّة، فأصبحت لغة العلم في بلاد المسلمين.
وفي فترة الزنكيّين والأيوبيين كان الاهتمام واضحاً بالعلم، ورصد القادة السّياسيّون مكافآت مغرية، وكرموا العلماء، وووفروا مناخاً طيباً للإنتاج الأدبي. ولم يغفلوا عن بناء المدارس. وكانت المساجد في ظلهم أماكن علم إلى جانب كونها للعبادة.
وعرف الملك نور الدين محمود بن زنكي بحبــه إنشاء المدارس، وقد استأجر من سنجار المهندساً ماهراً ليبني له المدارس في حلب وحماة وحمص وبعلبك وغيرها، ويشرف على صيانتها.
أما صلاح الدين الأيوبي فعرف بإنفاقه على التعليم وإنشاء المدارس في مصر والشام، كانت تحمل اسم «المدارس الصلاحية»، واشتهر صلاح الدين بأنه أعظم مشيد لدور العلم في العالم الإسلامي بعد نظام الملك السلجوقي، وأصبحت دمشق في عهده تدعى «مدينة المدارس». وقد وصف ابن جبير في رحلته، هذه المدارس، ووجدها قصوراً أنيقة، ومن أحسن مدارس الدنيا منظراً.
“… وكذلك حمى صلاح الدين الأيوبي هذه البقعة من اندثار العروبة والعرب واللُغة العربيّة وهو كردي لا عربي.. وهو إنما حفظ لها عروبتها ولغتها حين حفظ لها إسلامها من غارة الصليبيين”.
وانتهج من خلفوا صلاح الدين نهجــه، فبنـوا مدارس مثل : الظاهرية والصاحبية والعادلية والأشرفية والناصرية، والشامية والخاتونية.
ولما جاء المماليك، تنافس الحكام في إنشاء المدارس، حتى عجب ابن بطوطة من كثرتها، وذكر أنه لا يقدر على حصرها لكثرتها. وذكر من هذه المدارس: الظاهرية والمنصورية ومدرسة السلطان حسن، والسلطان برقوق، والمؤيد شيخ، وغيرها.
ولقد ازداد عدد الشعراء في هذا العصر بشكل لافت للنظر، وقد روي عن صلاح الدين أنه كان يحفظ «الحماسة» لأبي تمام، ويحب الشعر، ويجيز الشعراء، حتى تقاطروا إلى بلاطه، ونظموا فيه القصائد الكثيرة، واتبع خلفاؤه سنته. وسار المماليك على نفس نهجه.
وفي الأندلس…
“ ما وقع في تاريخ البشر، وصعب حل سره: انتشار اللُغة العربيّة.. حيث بدت فجأة في غاية السلامة والغنى والكمال، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، ولم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم إلى اللُغة العربيّة ليفهمها النصارى “.
يحدث هذا كله إذا أحبَّ اللُغة العربيّة صاحبُ الأمر والنهي والسلطان.
وقد قال الثعالبي: (من أحب َّ الله تعالى أحب رسولَه، ومن أحبّ رسوله العربيّ أحبّ العرب، ومن أحبّ العرب أحبّ العربيّة، ومن أحبّ العربيّة عني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها).
كان يتخلل هذه القرون ضعف باللُغة العربيّة نظرا لعدم اهتمام القادة بها.