لقد انكشفت هذه الفضيحة سنة 1986 وأحرج الرئيس الأميركي وقتها “رونالد ريغان” واضطر إلى تشكيل لجنة تحقيق رئاسية خاصة برئاستها إلى السناتور “جون تاور"، واشترك في عضويتها، وفي التوقيع مع “تاور” على تقريرها النهائي الذي قدم للرئيس يوم 16 فبراير 1987 – كل من السناتور “ادموند ماسكي” المرشح السابق للرئاسة، و “برنت سكوكروفت”.
لقد احتوى تقرير هذه اللجنة الرئاسية الخاصة – والذي يزيد من أهميته أن أحد أعضائها، وهو “برنت سكوكروفت” يوصف بأنه المهندس الحقيقي لحرب الخليج بوصفه مستشار الأمن القومي الحالي مع الرئيس “ جورج بوش” – على حقائق بالغة الأهمية. تتوالى ابتداء من الصفحة الثالثة من الجزء الثالث من تقرير اللجنة الذي تصل صفحاته إلى قرابة مائتين وخمسين صفحة.
يروي التقرير أنه في سنة 1983 عقد مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض عدة اجتماعات برئاسة “روبرت ماكفرلين” مستشار الأمن القومي للرئيس “ريجان” – لبحث السياسة الأمريكية تجاه إيران. وكانت هناك خشية من أن هذا البلد الهام يمكن أن يضيع نهائياً بالنسبة للولايات المتحدة. وكان أهم عوامل القلق المستجد على الأحوال في إيران هو مسار الحرب مع العراق، وهو في غير صالح إيران، ثم الإحساس بأن صحة “الخميني” تتدهور، وأن صراعاً داخلياً على السلطة يمكن أن ينشأ في إيران ويقودها لحالة من الفوضى تنتهي بإطلاق يد العراق في منطقة الخليج. وخلصت الدراسات إلى أن الولايات المتحدة في الأوقات الراهنة لا تملك خطة سياسية كاملة للتصرف حيال التطورات في إيران، وكذلك فإنها لا تحتفظ بصلات لها قيمة مع أية عناصر مؤثرة داخل إيران يمكن أن تساعد على تنفيذ هذه السياسة.
ثم عرضت على لجنة مجلس الأمن القومي مذكرة كتبها أحد خبرائه، وهو “ جراهام فولير” مسئول المجلس عن شئون الشرق الأدنى وجنوب آسيا، وجاء فيها أن الصراع الداخلي في إيران يمكن أن ينفجر حتى في حياة “الخميني"، وأن الاتحاد السوفيتي، وليس فقط العراق، قد يستفيد من هذا الانفجار.
وفي 11 يونيو 1985 كانت الدراسات في مجلس الأمن القومي الأمريكي قد توصلت إلى نتيجة مؤداها أن ترك إيران تحصل على احتياجاتها من السلاح بطريقة عشوائية يجب أن يتغير. وظهر في توصيات اللجنة الخاصة فقرة لافتة للنظر تقول : “ إن الولايات المتحدة يتعين عليها أن تشجع حلفاءها الغربيين وأصدقاءها على مساعدة إيران في الحصول على طلباتها واحتياجاتها، بما في ذلك المعدات الحربية التي تحتاج إليها.”.
ثم يشير تقرير لجنة “ تاور” إلى أن إسرائيل ظهرت في الأفق بعلاقات ومصالح خاصة مع إيران. ويستطرد ليقول في فقرة منه بالنص:” إن إسرائيل لها مصالح وعلاقات طويلة المدى مع إيران، كما أن هذه العلاقات تهم أيضاً صناعة السلاح الإسرائيلي. فبيع السلاح إلى إيران يمكن أن يحقق الهدفين في نفس الوقت : تقوية إيران في حربها ضد العراق وهو عدو قديم لإسرائيل، كما أنه يساعد صناعة السلاح في إسرائيل. (4) ولما كان معظم السلاح الإيراني سلاح جرى شراؤه من الولايات المتحدة (في وقت الشاه) فإن إسرائيل طلبت موافقة الولايات المتحدة لأسباب قانونية وعملية. ثم إن بعض العناصر في إسرائيل تريد بلا شك إشراك الولايات المتحدة في هذه السياسة لأسباب كثيرة متعلقة بها، أهمها أن تباعد بين الولايات المتحدة والعالم العربي مما يحقق دور إسرائيل كشريك استراتيجي وحيد للولايات المتحدة الأمريكية.”
...
وبدأت صفقات السلاح تصل إلى إيران. والغريب أن مستشار الرئيس للأمن القومي ومعه أحد مساعديه وهو الكولونيل “ أوليفر نورث” – ذهبا في زيارة سرية لإيران.
----------
(4) يقدر الكولونيل “أوليفر نورث” – من مساعدي مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، وهو المسئول الأول في ترتيب التعاون العسكري بين إسرائيل وإيران- أن حجم مبيعات السلاح الإسرائيلي لإيران وصل إلى “عدة بلايين من الدولارات”. وقد ذكر ذلك في مذكراته التي نشرها أواخر سنة 1991 بعنوان “ تحت النار”.