عندما أُعلن عن وفاة الملك “الحسن” يوم 23 يوليو الأخير كانت ردود الفعل في إسرائيل عاجزة عن السيطرة على النفس، وكذلك أدى الإعلان عن وفاة الملك إلى خلل في التوازن أعقبته لحظة تحولت إلى ثغرة تدفقت منها دون تحسب أشياء طال الحرص عليها وتمكن الحذر. وهكذا فإن التعبيرات انفلتت إلى حد الاعتراف على مستوى الحكومة الإسرائيلية وهي مسئولة، وعلى المستوى الإعلامي الإسرائيلي وهو لسوء الحظ أكثر مصداقية من غيره في المنطقة!
وقد يكون من المفيد استعراض بعض النماذج مما انفلت إلى حد الاعتراف:
القدس 24 يوليو 1999
بيان من رئيس الوزراء “إيهود باراك” بمناسبة وفاة الملك “الحسن الثاني” ملك المغرب:
“إن قائداً عظيما لشعبه لم يعد الآن موجوداً. لقد كان رجلاً بعيد النظر وصديقاً لكل حكومات إسرائيل في محاولاتها للتوصل إلى سلام مع الشعب العربي. لقد صُدم الشعب والحكومة في إسرائيل بإعلان وفاة الملك الحسن الثاني ملك المغرب، فطوال حياته أظهر الحسن الثاني شجاعة نادرة وحكمة سياسية جعلت منه رائداً في التقارب مع إسرائيل، وفي بناء جسور سياسية واقتصادية بين البلدين. وقد أصبح صديقاً لشعب إسرائيل كما كان حبيباً ليهود المغرب. إن إسرائيل كلها تحني رأسها أمام ذكراه وتشارك في الحزن العميق للشعب المغربي”.
.....................
المؤتمر اليهودي – الأمريكي ينعى وفاة الملك الحسن صديق السلام وحامي اليهود في مملكته:
نيويورك 26 يوليو 1999
“ بعد شهور قليلة من وفاة الملك حسين ملك الأردن اختفى من الساحة نهائياً وقبل الأوان الملك الحسن ملك المغرب.
إن الملك حسين والملك الحسن كليهما أدرك جنون سياسات العداء مع إسرائيل، وقد لعب كلاهما دوراً رئيسياً في دفع تقدم عملية السلام بما في ذلك اشتراكهما سراً وعلناً في جعل اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ممكنة.
ولقد كان محتماً أن يكون للملك الحسن، لو أنه عاش، أن يأخذ دوراً كبيراً في الجهود السلمية الدائمة الآن بعد انتخاب إيهود باراك رئيساً للوزراء.
إننا في لقاء شخصي أخير مع الملك الحسن أعجبنا بلا حدود بتفانيه الكامل من أجل قضية السلام، ولم يقلل مرور السنين من ولاء الملك لرفاهية اليهود وبخاصة يهود بلده. فقد كان الملك الحسن فخوراً بدوره في حماية الجالية اليهودية. وفي الوقت الذي يخشى فيه العالم على مصير 13 يهودياً متهمين بالتجسس في إيران فإن مما يُشرّف الملك الحسن أن شيئا من هذا النوع لا يمكن أن يلحق بيهود المغرب”.
...........................
القدس 24 يوليو 1999
بيان من وزارة الخارجية الإسرائيلية بمناسبة وفاة الملك الحسن الثاني ملك المغرب:
“ تعرب وزارة الخارجية الإسرائيلية عن أسفها العميق لوفاة الملك الحسن الثاني ملك المغرب وهو واحد من الزعماء العظام لعصرنا والذي ترك بصماته على كل اختراق رئيسي نحو السلام في المنطقة، فطوال حياته كان الملك الحسن معروفاً بانفتاحه وبإسهامه في الحوار بين الأمم والعقائد، وتجلى ذلك بالدرجة الأولى في العلاقات مع الجالية اليهودية. إن شعب إسرائيل وبخاصة هؤلاء المهاجرين من المغرب حزانى لوفاة الملك ولسوف يذكرون بحرارة شخصه وأعماله”.
...............................
إعلان في كل الصحف الأمريكية كان السطر الأول فيه باللغة العربية والثاني باللغة الإنجليزية والثالث باللغة العبرية – يقول:
فلتكن ذكراه مباركة للأبد
بتواضع أمام الله الذي خلقنا جميعاً ننعى مع الشعب المغربي وفاة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني كقائد ممتاز وشجاع ومفتوح وعظيم قام بأعمال جسورة وملهمة في سبيل قضية السلام في الشرق الأوسط. وسوف نحيي ذكراه إلى الأبد بعملنا من أجل الأهداف العظيمة التي سعى لها بعزيمته.
اللجنة الأمريكية – اليهودية
..............................
في عددها الصادر يوم الأحد أول أغسطس نشرت جريدة “ الجيروساليم بوست” مقالاً لمحرر القسم السياسي فيها جاء فيه:
“لقد كان سلوك الملك الحسن صاحب الوجه الصخري والعلاقة الوثيقة مع الغرب تجاه اليهود وتجاه إسرائيل سلوكاً يدعو للإعجاب. وفي حين أن معظم النظم العربية ناصبت إسرائيل العداء إلى درجة التهديد بإبادتها فإن الحسن سمح للموساد ( جهاز المخابرات الإسرائيلي ) بأن تقيم مركزاً كبيراً لها في المغرب.
وكذلك فقد كان هو الرجل الذي استضاف الاجتماع الأول بين موشى ديان وبين حسن التهامي مبعوث الرئيس السادات وكان هذا اللقاء (سنة 1977) هو الذي مهّد فيما بعد لاتفاقية كامب ديفيد”.
......................................
جيروسالم بوست يوم الثلاثاء 27 يوليو 1999:
“ في ظرف شهور قليلة فقدت إسرائيل اثنين من أغلى أصدقائها في المنطقة وهما الملك حسين والملك الحسن، فكلاهما كان لديه الإلهام والشجاعة لدفع العالم العربي إلى التصالح مع إسرائيل. وبالنسبة لنا في هذا البلد (إسرائيل) فإن هذين الرجلين لعبا دوراً حيوياً في النشاط الخفي الذي مكن إسرائيل من اختراق الطوق الفولاذي للسلبية التي أجمع عليها العالم العربي في تعامله مع ما سموه بـ : “الكيان الصهيوني”. كان الرئيس السادات هو أول زعيم عربي خطا في العلن خارج هذا الطوق، ولكن الحقيقة أن الملكين سبقاه في إحداث شروخ وفجوات مؤثرة في هذا الطوق”.
................................
الثلاثاء 27 يوليو 1999
كتب إريك سيلفر وهو واحد من أشهر الصحفيين الإسرائيليين مقالاً في جريدة “ الإندبندنت” البريطانية جاء فيه:
“ إن وفاة الملك الحسن يوم الجمعة الماضي لابد لها أن تذكرنا بالعلاقات الخاصة بينه وبين إسرائيل وهي علاقات استفاد منها الملك كما استفادت إسرائيل، فقد كانت المخابرات الإسرائيلية هي التي أشرفت على تنظيم المخابرات المغربية وتدريب عملائها. ولمدة أربعين سنة فإن العلاقات بين الجانبين كانت علاقات غير عادية وبخاصة في مجال المخابرات وضد أعداء مشتركين في الشرق الأوسط.
وإلى جانب تنظيم المخابرات المغربية وتدريب عملائها فإن إسرائيل أمدت الملك بأسلحة كثيرة بينها الدبابات، كما لعبت أدواراً مهمة في مطاردة وتصفية أعدائه والمعارضين له.
إن العلاقات السرية بين الطرفين بدأت في عهد الملك محمد الخامس الذي سمح لعشرات ألوف من اليهود المغاربة بالهجرة إلى إسرائيل، ولكن الملك الحسن بعد جلوسه على العرش طوّر العلاقات المغربية الإسرائيلية وأرساها على قواعد مؤسسية، وكان ذلك بعد لقاءات مطولة بينه وبين مائير آميت رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي الذي وصل إلى مدينة مراكش في شهر مايو سنة 1964 للقاءاته مع الملك.
وكما يكشف يوسى ميلمان في دراسته الهامة عن المخابرات الإسرائيلية فإن الموساد كانت تتولى بطريقة منظمة إمداد الملك الحسن بمعلومات وتقارير عن النوايا العدائية لزعيم مصر الثوري جمال عبد الناصر. وطبقاً لتقارير مؤكدة فإن الموساد تولت إمداد المغرب بمائة دبابة لتقوية موقف الحسن إزاء الجزائر أثناء التوتر الذي حدث بين المغرب والجزائر في الستينات.
وكانت الموساد هي التي تولت متابعة تحركات المعارض الشهير للملك المهدي بن بركة والإبلاغ عنها تمهيداً لخطفه وقتله بواسطة رجال الملك لكن الموساد نفسها لم تشترك في عمليه القتل”.
يتبع