عندما أُعلن عن وفاة الملك “الحسن” يوم 23 يوليو الأخير كانت ردود الفعل في إسرائيل عاجزة عن السيطرة على النفس، وكذلك أدى الإعلان عن وفاة الملك إلى خلل في التوازن أعقبته لحظة تحولت إلى ثغرة تدفقت منها دون تحسب أشياء طال الحرص عليها وتمكن الحذر. وهكذا فإن التعبيرات انفلتت إلى حد الاعتراف على مستوى الحكومة الإسرائيلية وهي مسئولة، وعلى المستوى الإعلامي الإسرائيلي وهو لسوء الحظ أكثر مصداقية من غيره في المنطقة!
وقد يكون من المفيد استعراض بعض النماذج مما انفلت إلى حد الاعتراف:
تتمة للجزء الأول:
جريدة : معاريف” الإسرائيلية 26 يوليو 1999:
كشف أمير أورين (مسئول بارز في الموساد) في مقابلة مع هذه الجريدة (معاريف) أن الملك الحسن سمح للموساد بأن تتسمّع على المناقشات التي دارت بين الزعماء السياسيين والقادة العسكريين للعالم العربي وذلك أثناء مؤتمر قمة عربي عُقد في الرباط سنة 1965 وكان موضوع البحث الرئيسي فيه هو خطط القيادة العربية الموحدة في المواجهة مع إسرائيل. ولابد من الاعتراف أن هذا التسمّع كانت له نتائج مخابراتية هامة في الجهد الذي أدى إلى انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة سنة 1967.
وكشف أورين أن العلاقات بين البلدين فترت بعد حرب يوم الغفران سنة 1973، فقد تضايقت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل من إن الملك بعث بقوة رمزية للقتال مع سوريا كبادرة للتضامن العربي. وبرغم أن الملك أوضح لأصدقائه الإسرائيليين أنه كان مضطراً إلى ذلك وأن مشاركة قواته في الحرب كانت رمزية فإن جولدا مائير لم تغفر له ولم تعد الصداقة إلى مكانها إلا عندما أصبح إسحق رابين رئيسا لوزراء إسرائيل بعد استقالة مائير وقام برحلة سرية إلى المغرب حيث قابل الملك الحسن وعادت المياه إلى مجاريها.
وأوضح أورين أن الملك كان بين أكثر المشجعين للرئيس السادات على الاتصال المباشر بإسرائيل وقد رتب بنفسه وفي قصره أول لقاء سري بين البلدين. وقد شجع الرئيس السادات على الذهاب للقدس رغم أنه في العلن اضطر مراعاة للشعور العربي أن يقف في صف ناقدي السادات، وقد برر الملك نقده للسادات لأصدقائه في إسرائيل بأنه فوجئ بإعلان الزيارة دون استشارته في التوقيت، وكان حرياً بالرئيس السادات الذي يعرف دور الملك في اتصالاته بإسرائيل أن يتشاور معه مسبقاً”.
..............................
26 يوليو 1999
نشرت صحيفة “النيويورك تايمز” كبرى الصحف الأمريكية تقريراً لمراسلتها في القدس “ ديبورا سونتاج” جاء فيه:
“ لقد خصص الإعلام الإسرائيلي كل مساحاته أمس لعقود من العلاقات السرية بين إسرائيل والملك الحسن، وقام بتقديم العرفان لزعيم عربي بدأ حياته بتوجيه مربّيه يهودية. وقد روى الإعلام الإسرائيلي تفاصيل واسعة عن اللقاءات السرية التي قام بها ساسة إسرائيليون وقادة سياسيون وعسكريون إلى جانب رؤساء أجهزة أمنية للقاءات لم تنقطع مع الملك الحسن.
والرأي السائد هو أن العلاقات بين إسرائيل والملك كانت ذات فائدة مشتركة للطرفين.
فالملك الحسن أعطى للموساد ولغيرها من أجهزة الأمن الإسرائيلي الإذن بأن تتسمّع على مناقشات ومداولات مؤتمرات عربية وإسلامية على مستوى القمة، وفي نفس الوقت فإن الموساد كانت مسئولة عن حماية الملك من أية محاولة لاغتياله سواء في بلاده أو خارجها وخصوصاً في فرنسا التي كان الملك دائم التردد عليها. وقد قال جوزيف ألفر وهو مسئول كبير سابق في الموساد : “ بالنسبة للملك فإن المخابرات الإسرائيلية كانت درعاً لحماية نظامه، وبالنسبة لإسرائيل فإن الملك الحسن كان نافذة تظل منها إسرائيل على ما يجري داخل العالم العربي وعلى أرفع مستويات صنع القرار فيه”.
.................................
ثم جاء أخيراً تكريم الملك “الحسن” إسرائيلياً على نحو لم يسبق له مثيل، فقد أُعلن رسمياً يوم 30 أغسطس 1999 عن تشكيل لجنة على مستوى عال في إسرائيل للبحث في خطة تكريم “ لا يُنسى” للملك “الحسن”. وكانت اللجنة برئاسة “إيهود باراك” رئيس وزراء إسرائيل، وكان بين أعضائها “شيمون بيريز” رئيس الوزراء السابق ووزير التعاون الإقليمي في الوزارة الإسرائيلية الحالية، و"ديفيد ليفي” وزير الخارجية، و"شلولوبن آمي” وزير المالية الأسبق، وغيرهم.
وكان أول اقتراح تقدمت به اللجنة وجرت الموافقة مبدئياً عليه هو تسمية 70 موقعاً (ميادين وشوارع ومتنزهات وحدائق) باسم الملك “الحسن”. وإلى جانب ذلك فقد طلبت اللجنة أن يحمل طابع البريد التذكاري الأول سنة 2000 صورة للملك “الحسن” !
............................................
وربما الآن فقط يمكن لأي متابع مهتم بالشأن العربي أن يسمح لنفسه بالتساؤل على الأقل – عن أسباب الحرص الزائد للملك “الحسن” على استضافة أكبر عدد من مؤتمرات القمة العربية والإسلامية التي تتعرض مناقشاتها بالضرورة للصراع العربي الإسرائيلي في ذلك الوقت – ثم يُلحق بذلك ما يُقال الآن صراحة وعلى لسان أكبر المسئولين وأكثر المعلقين في إسرائيل أن جهاز الموساد كانت لديه في قاعات اجتماع القمم العربية والإسلامية وسائل تنصّت وتسمّع. أي أن جهاز الموساد كان طرفاً حاضراً في هذه الاجتماعات وإن لم يكن مرئياً – مُشاركاً فيها وإن لم يفتح فمه بكلمة. وهذه مصيبة بأي معيار!
وعلى سبيل الحصر فإن الملك “الحسن” استضاف سبعة مؤتمرات قمة عربية، وهذا عدد قياسي من المؤتمرات لم تستطع دولة عربية أن تتحمل بتكاليفه أو بمسئولياته:
مؤتمر القمة العربية في الدار البيضاء في سبتمبر 1965.
مؤتمر القمة العربية في الرباط في ديسمبر 1969.
مؤتمر القمة العربية في الرباط في أكتوبر 1974.
مؤتمر القمة العربية في فاس في نوفمبر 1981 ( وهي قمة اجتمعت وانفضّت دون جلسات رسمية بسبب خلافات استحال التوفيق بينها حول مشروع قدمته السعودية باسم الملك “فهد").
مؤتمر القمة العربية الطارئة في الدار البيضاء في أغسطس 1985.
مؤتمر القمة العربية الطارئة في الدار البيضاء في مايو 1989.
وعلى سبيل الحصر أيضاً فقد استضاف الملك “الحسن” ثلاث قمم إسلامية كان أولها وأخطرها مؤتمر القمة الإسلامية الذي انعقد في سبتمبر 1969 بعد حريق المسجد الأقصى، والذي كان بين قراراته تشكيل لجنة إسلامية يرأسها الملك “الحسن” واعتبارها مسئولة عن إنقاذ القدس!
ثم تلى ذلك مؤتمران على مستوى القمة الإسلامية: يناير 1982، وديسمبر 1994 في الدار البيضاء.