إن أغلب الأبحاث الثقافية والعلمية تقوم على أسس أو قواعد وحقائق تقوم عليها، ليكون التفكير صادراً عن قواعد صلبة وحقائق راسخة لكي يتأتى الوصول إلى الغاية المقصودة من هذا التفكير، ولتكون الثمرة المرجوة من هذا العلم أو الثقافة ثمرة نافعة للإنسان، فتعطي الفكر الصحيح أو الصائب الذي يعالج مشاكل الانسان والأخطار المحدقة به، وإلا فإن هذه العلوم والثقافة تكون وبالاَ على الانسان وسبباً في ضلاله وهلاكه.
وأصول الفقه جزء من الثقافة الإسلامية، وهي من الجزء الأساس لأن عليه يقوم حسن فهم الإسلام وأحكامه، فهو يحدد طريقة الإسلام في فهم الإسلام واستنباط أحكامه، ويرسخ لبنة الشرعية للنصوص الشرعية لكي تكون النظرة عند المسلمين هي النظرة الإسلامية في معالجة الوقائع المتعلقة بالحياة، وبهذا يكون أساس النظرة واحدة عند المسلمين، وإن اختلفوا في فهم بعض النصوص التي تحتمل عدة أفهام، حسب المعارف اللغوية والشرعية.
يعتبر الشافعي أنه الذي حد أصول الاستنباط وضبطه بقواعد عامة كلية، فكان بذلك واضع علم أصول الفقه. وقد كان الفقهاء قبل الشافعي من الصحابة والتابعين ومن بعدهم يجتهدون من غير أن يكون بين أيديهم حدود مرسومة للاستنباط، بل كانوا يعتمدون على فهمهم لمعاني الشريعة، ومرامي احكامها، وغاياتها، وما تومئ إليه نصوصها، وما تشير إليه مقاصدها. إذ أن تمرس هؤلاء الفقهاء بدراسة الشريعة، وتضلعهم في اللغة العربية، جعلهم يتعرفون معانيها، ويدركون أغراضها ومقاصدها. فكانوا يوفقون في إستنباط الأحاكم من النصوص ومفاهيمها ومقاصدها، من غير أن تكون بين أيديهم حدود مدونة مرسومة. نعم إن الفقهاء قبل الشافعي كانوا يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون، كما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه تحدث بالمطلق والمقيد والخاص والعام والناسخ والمنسوخ. إلا أن ذلك لم يكن بشكل حدوداً مرسومة، ولا كان لهؤلاء الفقهاء الذين تكلموا في بعض مسائل أصول الفقه قوعد عامة كلية يرجع إليها في معرفة دلائل الشريعة في كيفية معارضاتها وترجيحاتها. حتى إذا جاء الشافعي استنبط علم اصول الفقه، ووضع للناس قانوناً كلياً يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع.
وعليه فقد كان المسلمون في فجر الإسلام حتى نهاية القرن الثاني، لا يحتاجون إلى قواعد معينة لفهم النصوص الشرعية واستنباط أحكامها، لا من الناحية اللغوية، ولا من الناحية الشرعية، نظراً لقرب عهدهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصرف عنايتهم في الحياة إلى الدين، ونظراً لسلامة سليقتهم اللغوية وبعدهم عن فساد اللسان. ولذلك لم تكن هنالك أي شروط معروفة للاجتهاد وكان الاجتهاد أمراً مألوفاً، ولم تكن الحاجة ماسة لوضع قواعد لاستنباط الأحكام وفهم النصوص. فكان المجتهدون يعدون بالآلاف. فقد كان كافة الصحابة مجتهدين، ويكاد يكون أكثر الحكام والولاة والقضاة من المجتهدين، إلا أنه لما فسد اللسان العربي ووضعت قواعد معينة لضبطه، وشغل الناس بالدنيا، وقلَّ من يفرغ أكثر وقته للدين، وفشا الكذب في الأحاديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعت قواعد للناسخ والمنسوخ، ولأخذ الحديث أو رفضه، ولفهم كيفية استنباط الحكم من الآية أو الحديث، كل ذلك كان سبباً في ضرورة وضع علم أصول الفقه كما وضع علم اللغة العربية وعلم الفقه والحديث، ومن هنا يدرك قيمة أصول الفقه وأهميته في ديمومة سيطرة النظرة الإسلامية على المسلمين في فهم نصوص الشرع ومعالجة الوقائع مهما تجددت حسب أحكام الشرع.
وأصول الفقه هو القواعد التي يبتنى عليه الفقه، اي أن موضوع أصول الفقه هو القواعد التي على أساسها يمكن فهم الفقه الإسلامي أي الأحكام الشرعية المستنبطة من الأدلة الشرعية، فهو يمَكننا من استنباط الأحكام، وفهم أصول الفقه ليصبح المسلم واعياً على أسس الأحكام وكيفية استنباطها، فهو أساس لمن يطمح أن يكون من المجتهدين، كما أنه يرسخ العمق في التفكير ويسهم في بناء المفكرين.
وبحث أصول الفقه بحث في القواعد، وفي الأدلة، أي بحث في الحكم وفي مصادر الحكم، وفي كيفية استنباط الحكم من هذه المصادر. وتشمل أصول الفقه الأدلة الاجمالية (كمطلق الامر، ومطلق النهي، وفعل النبي عليه السلام، وإجماع الصحابة، والقياس) وجهات دلالتها على الاحكام الشرعية، وحال المستدل أي معرفة الإجتهاد وكيفية الاستدلال وهو التعادل والتراجيح في الأدلة. إلا أن الاجتهاد والترجيح بين الأدلة يتوقف على معرفة الأدلة، وجهات دلالتها. ولذلك كان هذان البحثان: الأدلة، وجهة دلالتها، هما أساس أصول الفقه مع بحث الحكم ومتعلقاته.
|