والكتاب والسنة كلام عربي فلا بد من معرفة اللغة العربية ومعرفة أقسامها، كالمنطوق والمفهوم، والحقيقة والمجاز، والإشتراك والترادف والإنفراد، ومعاني الحروف، والنحو والصرف، ونحو ذلك من الابحاث المتعلقة باللغة العربية.
وألفاظ الكتاب والسنة نصوص تشريعية، ولمعرفة كيفية الإستدلال بها على الأحكام الشرعية لا يكفي فيها معرفة اللغة العربية ومعرفة أقسامها، بل لا بد أيضاً من معرفة أقسام الكتاب والسنة من حيث الأمر والنهي، العام والخاص، المطلق والمقيد، والمجمل والبيان والمبين، والناسخ والمنسوخ.
وعليه فإن التفكير في النصوص الشرعية والوقوف على ما تحتويه هذه النصوص من أفكار، والوصول إلى إستنباط الأفكار، لا يكفي فيه أن يفهم الألفاظ والتراكيب وما تدل عليه، ولا يحتاج إلى معلومات سابقة أية معلومات، وإنما يحتاج إلى أمرين إثنين معاً:
يحتاج أولاً إلى معرفة دلالة الألفاظ والتراكيب، ثم المعاني التي تدل عليها هذه الألفاظ والتراكيب، ثم إستعمال معلومات معينة للوقوف على الفكر أو استنباط الفكر.
أما معرفة معاني الألفاظ والتراكيب، فإنه يحتاج إلى معرفة باللغة ألفاظاً وتراكيب، ويحتاج إلى معرفة إصطلاحات معينة ثم بعد ذلك يأتي الوقوف على الأفكار والأحكام.
وعليه فالتفكير بالنصوص الشرعية يحتاج إلى وجود معلومات كافية عن اللغة العربية، والأمور الشرعية، ومعرفة حقيقة الواقع، وانطباق الحكم الشرعي على ذلك الواقع، وإنه وإن كان الانطباق ليس من المعارف اللازمة للاستنباط ولكنه نتيجة لصحة المعرفة للأمور الثلاثة.
ومن هنا كان للإسلام طريقة واحدة في الإجتهاد أي معالجة المشاكل، فهو يدعو المجتهد لأن يدرس المشكلة الحادثة حتى يفهمها، ثم يدرس النصوص الشرعية المتعلقة بهذه المشكلة، ثم يستنبط حل هذه المشكلة وطريقة حلها من النصوص، أي يستنبط الحكم الشرعي لهذه المسألة من الأدلة الشرعية، ولا يسلك طريقة غيرها مطلقاً. على أنه حين يدرس هذه المشكلة، يدرسها باعتبارها مشكلة إنسانية ليس غير، لا باعتبارها مشكلة اقتصادية أو اجتماعية أو مشكلة حكم أو غير ذلك، بل باعتبارها مسألة تحتاج إلى حكم شرعي حتى يعرف حكم الله فيها.
والنصوص الشرعية سواء أكانت من الكتاب أم من السنة هي أصلح النصوص التشريعية ميداناً للتفكير، وأفسحها مجالاً للتعميم، وأخصبها تربة لإنبات القواعد العامة، وهي وحدها التي تصلح لأن تكون نصوصاً تشريعية لجميع الشعوب والأمم.
أما كونها أصلح النصوص ميداناً للتفكير فإنه بارز في إحاطتها بجميع أنواع العلاقات بين الناس جميعاً. ذلك أن جميع أنواع العلاقات سواء أكانت علاقات بين الأفراد بعضهم مع بعض، أم علاقات بين الدولة والرعية، أم علاقات بين الدول والشعوب والأمم، فإنها مهما تجددت وتعددت وتنوعت يمكن للفكر أن يستنبط أحكامها من هذه النصوص الشرعية، فهي أصلح النصوص ميداناً للتفكير بين جميع النصوص التشريعية.
وأما كونها أصلح النصوص مجالاً للتعميم، فإنه واضح في جملها وألفاظها وأسلوب سبكها من حيث شمولها للمنطوق والمفهوم وللدلالة وللتعليل ولقياس العلة، مما يجعل الإستنباط متيسراً ودائمياً وشاملاً لكل عمل، مما يجعلها غير قاصرة عن شمول أي شيء بل كاملة عامة.
وأما كونها أخصب النصوص لانبات القواعد العامة، فإنه ظاهر في غزارة المعاني العامة التي تحتويها هذه النصوص. وظاهر في طبيعة هذه المعاني العامة. ذلك أن القرآن والحديث قد جاءا خطوطاً عريضة حتى عند التعرض للتفصيلات. وطبيعة الخطوط العريضة يجعلها معاني عامة تندرج تحتها التفصيلات، ومن هنا جاءت غزارة المعاني العامة.
وفوق ذلك فإن مدلولات هذه المعاني العامة أمور واقعية محسوسة، وليست من الأمور الفرضية نظرياً أو منطقياً. وهي في نفس الوقت لعلاج الإنسان وليست لعلاج أفراد معينين، أي لبيان حكم فعل الإنسان مهما كان مظهر الغريزة الدافع لهذا الفعل، ولذلك جاءت منطبقة على معان متعددة وأحكام كثيرة. وبهذا كله كانت النصوص الشرعية أخصب النصوص تربة لانبات القواعد العامة.
هذه هي حقيقة النصوص الشرعية من الناحية التشريعية. وإذا أضيف إلى ذلك أنها جاءت لبني الإنسان من حيث هو إنسان، وكانت تشريعا لجميع الأمم والشعوب، يتبين أنه لا بد من وجود مجتهدين لفهمها فهماً تشريعياً وتطبيقها في كل وقت لأخذ الحكم الشرعي منها لكل حادثة.
والحوادث تتجدد كل يوم ولا تدخل تحت حصر، فلا بد من مجتهد يستنبط حكم الله لكل حادثة تحدث وإلا لبقيت الحوادث دون معرفة حكم الله فيها، وهذا لا يجوز، ومن هنا كان لزاماً على الأمة الإسلامية الإهتمام بأصول الفقه لكي ينبت فبها الحشد الهائل من المجتهدين.
وتجدر الإشارة هنا إلا أنه لا يحق لنا أن نبحث إلا في التشريع الإسلامي لأن الأمر الجازم الذي تحتمه عقيدتنا، يحصر تفكيرنا بالتشريع الإسلامي وحده. وأما غير التشريع الإسلامي فلا يحق لنا أن نبحثه، حتى ولا أن نقرأه. فإن التشريع حين يقرأ إنما يقرأ من أجل الأخذ بما جاء فيه، وليس قراءة متعه ولذة. وحين يبحث ويجري التفكير فيه إنما يفعل ذلك من أجل أخذه، ويحرم علينا أخذ شيء من غير الإسلام، ويحرم علينا أن نأخذ غير الحكم الشرعي بغض النظر عن كون هذا التشريع الآخر يوافق الإسلام أو يعارضة لأنه شرع طاغوت، والقرآن نهانا عنه بشكل صريح.
انتهى
|