الخميس، 04 شوال 1438هـ الموافق 2017/06/29م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

فلسطين: خطبة جمعة "حكامنا أصفارٌ على شِمال السياسة!"

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 14 رمضان المبارك 1438هـ الموافق 09 حزيران/يونيو 2017م

 

 

 

الجمعة 14 رمضان 1438هـ

2017/6/9م

حكامنا أصفارٌ على شِمال السياسة

 

(الخطبة الأولى) أيها الناس: إن الحاكم الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (كلُّكم راعٍ ومَسؤولٌ عن رعيَّتِه، فالإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّتِه...)، قال الفقيه القاضي ابن الأزرق الأندلسي والمتوفى بالقدس عام 896هـ 1491م‏ .قال في كتابه بدائع السَّلْك في طبائع المُلك، نقلا عن رسالة الطرطوش إلى علي بن يوسف بن تاشفين: "يا أبا أيوب، إنك ابتليت بأمر لو حملته السماوات لتفطرن، والنجوم لانكدرت، والجبال والأرض لزلزلت، واعلم يا أبا أيوب أنه لا يُزنى بفرج في ولايتك ومدى سلطانك طول عمرك إلا كنت المسئول عنه والمطالب به والمرتهن بجريرته، ولا يُشرب فيها من نقطة مسكر إلا وأنت المسئول عنها، ولا يهتك فيها عرض مسلم إلا وأنت المطالب به، ولا يتعامل فيها بالربا إلا وأنت المأخوذ به، لأنك أنت القادر على تغييرها". وكان هذا قبل أكثر من خمسمائة عام، وفي ظل الملك الإسلامي العاض، فما بالكم اليوم في ظل الملك الجبري وغياب الحكم الإسلامي؟ ولست اليوم بصدد تحليل الأزمة الخليجية العميقة وأبعادها في ظل إمرة السفهاء وملوك طوائفها الذين بددوا أموال الأمة وطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، ولكني وددت أن ألفت النظر إلى قضية مسؤولية الحاكم عن رعاية الناس، وكيف أن حكام زماننا قد قصروا فيها بشكل فاضح لا يحتمل السكوت عنه بحال من الأحوال. ولماذا نسكت ونحن أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ولماذا نسكت ونحن لم نأت بواحد من أولئك الحكام العبيد الأقنان بل فرضوا علينا فرضا وجبرا؟ ولماذا نسكت وقد عبروا بسفينة أمتنا إلى هاوية بحر السياسة اللجي، وغشينا في عهودهم النحسة ما غشينا من اليم والطوفانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية وغيرها، ما جعلنا في ذيل الأمم، ومضربا لمثل السوء، وبقرة حلوبا نسقي طغاة الأرض نفطنا كالماء الزلال، ويقتلنا الظمأ كالعيس في البيداء؟ ولماذا نسكت وتصرفات الحكام كلها ضدنا، إن اتفقوا فللكيد بنا، وإن اختلفوا فالويل لنا، وهم عاكفون على تنفيذ مخططات أعدائنا ضدنا؟ ولماذا نسكت ونحن نرى المغالطات منهم تترى، وسيلها لا يتوقف، وكسرها لا يجبر، وسوء صنيعها لا يغفر؟ أليسوا هم من منعنونا من تطبيق الإسلام في بلادنا وحمله إلى الناس كافة؟ أليسوا هم من أنفقوا أموالنا بسفاهة منقطعة النظير، وأودعوها في حسابات مصرفية سرية وعلنية لدى المصارف الغربية الربوية، وتطاولوا في البنيان أبراجا، واتخذوا الطوابق العليا منها مراقص وحانات لشرب الخمر والعهر والفساد، ومنعوا كل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من الصعود إليها؟ أليسوا هم من يشعلون النيران والمصابيح احتفالا بأعياد الكفار، ولا يبدونها بل ويخفون كثيرا منها في أعياد المسلمين؟ أليسوا هم من يمولون الانقلابات المشبوهة والثورات المضادة ويتآمرون على قتل الرموز الإسلامية وسجنها وغلق حساباتها وإبعادها وتشريدها وتشويه سمعتها والنيل منها ومن دعواتها خدمة لأسيادهم وأربابهم وأولياء نعمتهم؟ هذا ما أظهرته أبواق الإعلام المتناحرة دفاعا عن مواقف هؤلاء الحكام المضطربة واشتباكاتهم الكلامية التي نزلت إلى أدنى من مستوى أبناء الشوارع الفاقدين لأبسط معاني التربية، في ظل غياب الضابطة السلوكية المعتبرة، وما خفي كان أعظم!

 

أيها الناس: إن هؤلاء الحكام أبعد ما يكونوا عن مستويات المسئولية والرعاية التي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشدد على الأمراء أن يلتزموها ولا ينزلوا عنها، وهم - إضافة لسفههم وقلة رشدهم – غارقون في التبعية والعمالة والخنوع لأساطين السياسة في الدول الغربية وخصوصا أميركا وبريطانيا، حتى صاروا أصفارا على شمال السياسة، لا يؤبه بهم إذا حضروا، ولا يفتقدوا إذا غابوا، بل إن قد ركعوا تحت أقدام الكفار من غير حياء من الله ورسوله والمؤمنين، وغير آبهين بالشعوب التي جثموا على صدورها ردحا طويلا من الزمن، وكأنهم قد أمنوا مكر الله، {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}، وحقا إنهم قوم خاسرون! قال الحسن البصري رحمه اللّه: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن. قال ابن عاشور في تفسير هذه الآية: وقد ذكرنا غير مرة أن ما يأتي في القرآن من الوعيد لأهل الكفر على أعمال لهم، مرادٌ منه أيضاً تحذير المسلمين مما يشبه تلك الأعمال بقدر اقتراب شبهه. {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}.

 

(الخطبة الثانية) أيها الناس: كم فرج زني به في بلاد المسلمين منذ هدم الخلافة، وتولي هؤلاء الرويبضات أمر المسلمين؟ وكم زجاجة خمر شربت في بلاد المسلمين منذئذ؟ وكم عرض مسلم أو مسلمة هتك في عهودهم؟ وكم معاملة ربوية تمت تحت سمعهم وأبصارهم؟ وكم برميل نفط سرق من باطن أرض المسلمين مما أودعه الله فيها من ثروات ملك لهم عامة، واستأثر الحكام بها دون وجه حق؟ وكم فقير تضور جوعا وهلك وهم ينظرون؟ وكم لاجئ قلع من بيته وأرضه وهام على وجهه وهم يعلمون؟ وكم بريء يقبع في سجونهم دون محاكمة عادلة، وإن حوكم فبقوانينهم الجائرة يُحكمون؟ وكم شخص قتل بسبب تآمرهم وحقدهم وطائفيتهم ووطنيتهم وأهوائهم؟ وكم وكم وكم، والمقام لا يتسع لتعداد مآسي الناس في عهودهم، أو تعداد جرائمهم ومخالفاتهم، وهم لا يشعرون بها لغفلتهم، والله سائلهم عن ذلك كله، يوم تنصب ألوية الغادرين، تغرز في أستاههم، وترفع بقدر غدراتهم، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة.

 

أيها الناس: لا حل يرجى لهؤلاء الحكام إلا خلعهم، ومبايعة إمام واحد للمسلمين يحكمهم بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن يلتمس صلاحهم بعد هذا الفساد العظيم الذي أحدثوه فإنه بحاجة إلى مراجعة نفسه، ومن يراهن على إصلاح ذات بينهم سواء في مجلس التعاون الخليجي أو في الجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي فإنه يكون كمن يلتمس شفاء المشلول حركيا ودماغيا وعودته سالما إلى ساحات الوغى! وقد آن الأوان لخلعهم بالعمل مع العاملين الجادين في هذا الأمر بالطريقة الشرعية لبناء دولة الإسلام على أنقاض ممالكهم، ومن أبى فليرفع عقيرته وليحشد ما يستطيع من دعم أمة المليارين، ولتنزل الجماهير الشعبية الهادرة إلى الشوارع، وتعقد العزم على ألا ترجع إلى بعد الإطاحة بهم، وإقامة دولة الإسلام ومبايعة الإمام الذي شكل في الماضي وسيشكل رقما صعبا في عالم السياسة، تخر له بنود الجبابرة، وتهابه دهاقنة السياسة، ويخطب وده أساطين الكفر. وليكن هذا الصيف صيفا إسلاميا مثمرا، بعد أن انقضى الربيع العربي دون نتائج تذكر. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.