الإثنين، 29 ذو القعدة 1438هـ الموافق 2017/08/21م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "أيها الأدالبة، استنصروا بجيش تركيا"

 

لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 12 ذو العدة 1438هـ الموافق 04 آب/أغسطس 2017م

 

 

 

 

الجمعة، 12 ذو القعدة 1438ه

4/8/2017م

أيها الأدالبة، استنصروا بجيش تركيا

(الخطبة الأولى) أيها الناس: قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وهذا أمر بالجماعة ونهي عن التفرق. شهدت العقود التي تلت هدم الخلافة الإسلامية العثمانية حتى يومنا هذا موجةً من الردَّةِ على جميع الأصعدة السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، نظرا لغياب السلطان الذي يضع الضوابط المانعة من الردة والانفصال والتمرد. ومما زاد من الخطب سعيُ من تولى كِبرَ ذلك من هؤلاء لِجَرِّ مَنْ نصبتهم السلطاتُ علماءَ، وجعلت منهم المفتين والمتكلمين الرسميين باسم الإسلام دون سواهم، لأن يُلقوا جزافًا بالأحكام التي تؤيد مسعى هؤلاء المرتدين، وتمنحهم الحق في ردتهم وانفصالهم باسم حرية الاعتقاد وأنه لا إكراه في الدين، وحرية الانكفاءخلف حدود سايكس/بيكو وأن لكل قوم دولة وسيادة!! ولم يلتفت منهم أحد إلى أن لهذه الردة ولهذا الانفصال سوابق في تاريخ المسلمين، وأنها حصلت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وتولي أبي بكر رضي الله عنه خلافة النبي عليه السلام في حكم المسلمين كأول أمير للمؤمنين. قال عروة بن الزبير: لما بويع أبو بكر رضي الله عنه ارتدت العرب إما عامة (أي بإعلان الخروج من الإسلام)، وإما خاصة (أي بالامتناع عن الزكاة) في كل قبيلة، ونَجَمَ النفاقُ، واشرأبت اليهودُ والنصارى، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم وقلتهم وكثرة عدوهم.

أيها الناس: هذه هي السابقة، وأما حكمها، فعليه إجماع الصحابة رضوان الله عنهم، والذين شاركوا أبا بكر رضي الله عنه في التعاطي مع هذه المسألة. وقد قال لمن حوله لما جاءتهم هذه الأخبار: "لن تبرحوا حتى تجيء رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم وأمرُّ. فلم يلبثوا أن قدمت كتبُ أمراء النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم قبيل وفاته من كل مكان بانتفاضة عامة أو خاصة، وتبسطهم بأنواع الميل على المسلمين. فماذا فعل أبو بكر رضي الله عنه؟ هل فاوض أحدا من زعماء الردة أو قايضه على أرض أو مال أو سلطان جزئي؟ كلا، والله، فلقد اتخذ قرارا في القمة صان به وحدة الأمة، عندما حارب المرتدين حربا لا هوادة فيها، وأعادهم إلى حضن الدولة الإسلامية، ومنعهم من الانفصال عنها، في كيانات كرتونية متمردة ضعيفة مضعفة. ولم يفرق في قتاله للمرتدين بين من أعلنوا الحرب عليه أو من اكتفوا بردتهم؛ ولم يفرق بين من خرج على الدولة أو خرج على الإسلام، ولم نسمع أنه رضي الله عنه قبِل من أحد منهم غيرَ الإسلام، وكانت رسالتُه في ذلك لأمرائه صريحة، والْكُتُبُ إِلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ الْمُرْتَدَّةِ كِتَابًا وَاحِدًا:بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا مِنْ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ، أَقَامَ عَلَى إِسْلامِهِ أَوْ رَجَعَ عَنْهُ سَلامٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، وَلَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ الْهُدَى إِلَى الضَّلالَةِ وَالْعَمَى... وَقَدْ بَلَغَنِي رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِالإِسْلامِ وَعَمِلَ بِهِ، اغْتِرَارًا بِاللَّهِ، وَجَهَالَةً بِأَمْرِهِ، وَإِجَابَةً لِلشَّيْطَانِ... وَإِنِّي بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ فُلانًا فِي جَيْشٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، وَأَمَرْتُه أَلا يُقَاتِلَ أَحَدًا وَلا يَقْتُلَهَ حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى دَاعِيَةِ اللَّهِ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لَهُ وَأَقَرَّ وَكَفَّ وَعَمِلَ صَالِحًا قَبِلَ مِنْهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَبَى أَمَرْتُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ لا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَدِرَ عَلَيْهِ... وَقَدْ أَمَرْتُ رَسُولِي أَنْ يَقْرَأَ كِتَابِي فِي كُلِّ مَجْمَعٍ لَكُمْ، وَالدَّاعِيَةُ الأَذَانُ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُسْلِمُونَ فَأَذَّنُوا كُفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنُوا عَاجَلُوهُمْ، وَإِنْ أَذَّنُوا اسْأَلُوهُمْ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا عَاجِلُوهُمْ، وَإِنْ أَقَرُّوا قُبِلَ مِنْهُمْ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى مَا يَنْبَغِي لَهُمْ.

أيها الناس: إن شوكة المرتدين أشد على المسلمين عشرات المرات من شوكة الكافرين والمشركين، ومن شاء فليراجع تاريخ القرامطة وغيرهم من الفرق الخارجة على الإسلام، وكذلك تاريخ الأسر المرتدة التي أتيحت لها الفرصةُ لتهيمن على بعض ديار الإسلام كالهند وغيرها؛ وإنكم ترون بأعينكم ماذا فعل أمراء الطوائف من حكام المسلمين اليوم، فلا معنى للتفصيل في ذلك، لذا لا ينفع معهم غير سياسة الحزم المبكر كما فعل الصديق رضي الله عنه.وخلال عام واحد عمن الجزيرة العربية السكينة، وصارت أهدأ من حالها قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتلك خطوة غير مسبوقة في التاريخ أن يقاتل رجل في أكثر من عشر جهات متفرقات، وما ذاك إلا لثقته رضي الله عنه في نصر الله، ولأنه كان يسابق الزمن بإجراءات قوية دون أي تأخير.

أيها الناس: كم نحن بحاجة إلى إمام كأبي بكر يتخذ قرارا كقراره، يوحد به بلاد المسلمين، ويقطع دابر الانفصاليين والمرتدين! وكم كنا نتمنى لو كان قرار صدام بضم الكويت عملا توحيديا، وكم كنا نتمنى ألا تنفصل تيمور الشرقية عن إندنيسيا، وكم كنا نتمنى ألا ينفصل جنوب السودان عن شماله، ولا تنفصل سنغافورة عن ماليزيا، ولا أن نرى فلسطين مبتورة من محيطها الإسلامي، ولا نرى أي راية من رايات الكفر والانفصال الوطني مرفوعة فوق أي شبر من بلاد المسلمين. ولكن أمانينا انقلبت، وتطلعاتنا أجهضت، وآمالنا تلاشت في وحدة المسلمين تحت إمرة السفهاء، بل إن الأمر يتجه إلى مزيد من الانقصام والانفصال والردة، وما يحصل في مجلس التعاون الخليجي واليمن وسوريا ليس منكم ببعيد.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد هددت أميركا بشكل صريح بأنه في حال تحققت هيمنة جبهة النصرة على إدلب، سيصبح من الصعب على الولايات المتحدة إقناع الأطراف الدولية بعدم اتخاذ الإجراءات العسكرية المطلوبة. وهذا يعني أن دمار حلب والموصل سيتكرر في إدلب! فما هو الرأي عندكم أيها الأدالبة؟ أتعيدونها إلى حكم بشار في دمشق، وتعتذرون له عن ثورتكم عليه؟ أم تراكم تطلبون الحماية الدولية كما فعل إخوانكم في سيربرنتسا البوسنة؟ أم ستقاتلون روسيا وقوات النظام وميليشيات إيران حتى آخر مقاتل وآخر طلقة وآخر حجر في إدلب، وقد رأيتم ما حصل في عين العرب ووادي بردى وغيرها وصولا إلى جرود عرسال؟ ما هذه الاستراتيجية الفاشلة التي تتبعونها؟ أليس حريا بكم أن تعيدوا النظر في قراراتكم، وتخرجوا من البرقع الوطني الذي يغلف أعينكم، وتنظروا بعين الوحدة الإسلامية؟ وإني أنصحكم ألا تعلنوا دولة لكم في إدلب على منهاج الدواعش، وأهيب بكم ألا تجعلوا المفاوضين في أستانة وجنيف قادة سياسيين لكم، فما تقسيم سوريا إلى أربع مناطق وخفض التوتر العسكري إلا مناورة من أعدائكم، يستريح بها المحاربون، وليتأكدوا من تجميع عناصركم في مكان واحد ثم القتل والدمار.

أيها الأدالبة: أعلنوا انضمام محافظة إدلب لتركيا فورا، واطلبوا الحماية من أردوغان وجيشه بشكل رسمي، واستنصروهم لدينكم وأنفسكم وأعراضكم وأموالكم. وبهذا تضعونه في الزاوية كما وضع المقدسيون أشباه الحكام في الزاوية باعتصاماتهم حول الأقصى، ورفضهم الدخول من البوابات الإلكترونية. فإن قبل أردوغان نصرتكم صار ملزما بالدفاع عنكم وحماية أنفسكم وأعراضكم وأموالكم، واتخذت معارك الشام منحى آخر، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. وإن رفضكم وأصم أذنيه عن نصرتكم فسيسقط آخر أقنعته بأنه إسلامي أو وحدوي، وتكونون قد أبرأتم ذمتكم أمام الله، والله يتولى الصالحين، ولك حادث حديث.