الثلاثاء، 28 ذو الحجة 1438هـ الموافق 2017/09/19م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

فلسطين: خطبة جمعة "يريدون أن يبدلوا كلام الله"


لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس، 26 ذو العدة 1438هـ الموافق 18 آب/أغسطس 2017م

 

 

 

الجمعة، 26 ذو القعدة 1438ه

18/8/2017م

يريدون أن يبدلوا كلام الله

(الخطبة الأولى) أيها الناس: يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا}. قال معظم المفسرين بأنها نزلت في المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية، وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم، وأنهم سألوه صلى الله عليه وسلم أن يصحبوه وأصحابه إلى خيبر ليفتحوها، وليغنموا معهم ما قد وُعدوا، فأمر اللّه تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم. فإن اللّه تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، ويُرِيدُ هؤلاء المتخلفون أَنْ يُغَيِّرُوا وَعْد اللَّه الَّذِي وَعَدَ أَهْل الْحُدَيْبِيَة في قوله تعالى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا، فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ، وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}. وخلاصة القول أن أحدا من الناس لا يستطيع أن يبدل كلام الله، ولا أن يغير حكمه الذي قضاه وأبرمه وأنزله من فوق سبع سماوات، وأن كل من يحاول فعل ذلك وأشباهه، فإن مصيره الخذلان والحرمان في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة.

أيها الناس: كثيرون هم الذين يريدون أن يبدلوا كلام الله في زماننا، وخصوصا من فئة الحكام وأشياعهم العلماء، باعتبارهم الأصناف الأكثر عرضة لفتنة الشيطان واتباع خطواته. فالحكام تغرهم المناصب والأموال وفتنة السيطرة والسلطان، والعلماء يغرهم القرب من السلطان وبريق ذهبه، وتبجيل الناس لهم بسبب علمهم. فبدل أن يتخذ الحكام مناصبهم لتطبيق شرع الله والحكم بين الناس بما أنزل الله، والعدل في الرعية، وقسمة المال بالسوية، نراهم قد حكموا بالقوانين الوضعية، وأكلوا أموال الناس بالباطل وظلموا الرعية، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله. وبدل أن يتخذ العلماء علمهم لبيان الحق والصدع به عند سلاطين الجور، فإنهم قد بدلوا كلام الله الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وأخضعوا أعناق النصوص الشرعية المقدسة من الكتاب والسنة لأهواء الحكام، إرضاءً لأسيادهم في الغرب والشرق، وباعوا دينهم بثمن بخس دراهم معدودة.

أيها الناس: ما كان لنا أن نقول ما قلناه عن هاتين الشريحتين من شرائح المسلمين، لولا ما تواتر من الأخبار عنهم بأنهم يريدون أن يبدلوا كلام الله، أجل، يريدون أن يبدلوا كلام الله! فمحمد سياد بري رئيس الصومال الأسبق ألغى المحاكم الشرعية، وأعلن أن القرآن لا يصلح في هذا القرن، وأنه حط من شأن المرأة، وأنه أتى ليخلص الصومال من ظلمات هذا المنهج، كما أحرق العلماء الأحرار والدعاة الذين واجهوه علناً وفي أكبر شوارع العاصمة، واعترضوا على شطبه لكلمة الأنثيين في قوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} ووضع مكانها بالخط الحمر كلمة الأنثى، ليعلن الحرب على الله، ويتولى كبره بتبديل كلام الله. وقام بإحراق قرى كاملة في الصومال، وأهلك الحرث والنسل، فأهلكه الله في المنفى وحيدا طريدا! وعندما طُلب من جمال عبد الناصر طاغية مصر الأول بعد العهد الملكي أن يطبق الشريعة الإسلامية، قال: لن أُرجع عجلة الزمان إلى الوراء! ثم أمر بضرب الشخصين الذين دعواه لتطبيق الشريعة على رأسيهما، ليسلمهما لذويهما مبتلين بفقد العقل! وأمر بإعدام سيد قطب وغيره من الدعاة إلى الله، وهو أول من فتح الباب للإعتراف بكيان يهود على أرض فلسطين بقبوله لمبادرة روجرز في العام الذي هلك فيه مذموما مدحورا! ومن قبله مصطفى كمال طاغية تركيا الأول بعد هدم الخلافة العثمانية، والذي ألغى الحكم بالإسلام، وأمر بتتريك اللغة والقرآن والأذان، ثم أوقف الأذان رغم اعتراض العلماء والناس على ذلك، حيث قام باعتقالهم وإعدام الكثير منهم، فأعدمه الله عافيته ثم أزاله! وقام صدام حسين طاغية العراق بسجن كثير من حملة الدعوة الإسلامية ودعاة الخلافة وإعدام بعضهم، إضافة إلى جرائمه الكبيرة بحق الأكراد والشيعة، وهو أول زعيم يقتل الناس بالكيماوي، فأخرجه الله من جحره كالجرذ ليعدمه أبناء وأحفاد من قتلهم! وأما أكثرهم قتلا لشعبه وتشريدا وتدميرا فبشار بن حافظ، وقد سمعنا بعض جلاوزته يجبر الأسرى والمعتقلين على اعتباره إلها من دون الله، وسيأخذه الله قريبا إن شاء الله! وقد نقل عن الملك الطاغية فهد بن عبد العزيز قوله في إحدى سهراته في أميركا لمجلة تايمز الأميركية: «لقد أخطأ أتاتورك لأنه سعى لهدم الإسلام من الرأس، أما أنا فسأهدمه من الجذور». فهدمه الله بعد أن أذاقه الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخر أشق! وقد أنكر معمر القذافي طاغية ليبيا حجية السنة النبوية كمصدر ثان للتشريع، فأنكر الله وجوده على الأرض، وأخرجه من جحره الأنبوبي ليقتله شباب في عمر أحفاده وأحفاد من قتلهم بالآلاف في مجزرة سجن أبو سليم وغيرها. وهذا غيض من فيض مما حصل مع الذين يريدون أن يبدلوا كلام الله.

(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد حظيت تونس الخضراء بنصيب وافر من أمثال أولئكم الحكام الذين يريدون أن يبدلوا كلام الله، فالحبيب بورقيبة، الطاغية الأول في تلك السلسلسة الخبيثة، أجبر النساء على خلع الحجاب، وأجبر العمال على الإفطار في نهار رمضان، وكفى بذلك تهمة تكب صاحبها على منخره في النار. ثم تبعه بن علي الهارب وما أدراك ما بن علي، حيث قام بتوحيد الأذان عن طريق المسجّل، وتوحيد خطبة الجمعة.وكان شديد الاستهتار بشعائر الدين علنًا، وترك الساحة لكل من يريد سب الإسلام والمسلمين، وألغى إجازة الجمعة، معتبرًا أنه يوم عمل، والصلاة لا تكون إلا بعد نهاية الدوام قبل صلاة العصر بقليل، ومنع صلاة الفجر للشباب إلا ببطاقة ممغنطة وتصريح من الحكومة.ومن الطرائف أن "بن علي" شنَّ حربًا تستهدف دميةً محجبةً تشتهر باسم "فلة"، ودهمت قوات الأمن عددًا كبيرًا من المحالِّ، وصادرت كل الأدوات المدرسية التي تحمل صورها، بزعم أنها تحمل "دعوة للباس الطائفي".

أيها الناس: لا يتسع المجال لذكر المزيد مع وفرته، ولكن لا بد من التنويه بأن الدافع الأساس وراء اختيار هذا الموضوع اليوم هو قول طاغية تونس في خطاب له قبل أيام قليلة بضرروة المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى، مخالفا بذلك قول القرآن القطعي الثبوت والقطعي الدلالة، وكذلك دعا وزارة العدل لإعادة النظر في القانون الذي يمنع المرأة المسلمة من الزواج بالرجل الكافر. ومن الغريب أن ديوان الإفتاء قد أيد هذا الطاغية في سعيه لتبديل كلام الله، رغم وجود من أنكر ذلك من علماء أفاضل، لا يعطون الدنية في دينهم، ولو حمّلوا على الخشب ونشروا بالمناشير. وهم من يستحقون الشكر والاحترام لقيامهم بواجبهم تجاه دينهم، وننتظر منهم المزيد، بالمطالبة بإسقاط الطاغية السبسي ومبايعة خليفة للمسلمين على أنقاض حكمه الكافر المبدل لكلام الله.