الثلاثاء، 13 جمادى الثانية 1440هـ الموافق 2019/02/19م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

الأرض المباركة: خطبة الجمعة "يوم ندعو كل أناس بإمامهم!"


خطبة جمعة لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)


بيت المقدس - الأرض المباركة (فلسطين)


الجمعة، 21 ر19 جمادى الأولى 1440هـ الموافق 25 كانون الثاني/يناير 2019م

 

خطبة بيت صفافا لشهر 1/2019م


يوم ندعو كل أناس بإمامهم


(الخطبة الأولى) أيها الناس: إذا ركب أحدنا مركبا فإنه يضع مصيره بيد قائد المركب سواء في البر أو البحر أو الجو، فإذا نجح القائد في إيصال المركب إلى مبتغاه بسلام، فإن جميع الركاب يسلمون، وإن فشل القائد وانقلب المركب أو غرق أو تحطم فإن الجميع يهلكون لا لذنب ارتكبوه، بل لأنهم سلموا قيادتهم لربان فاشل أرعن، والنتيجة كارثية عليهم وعليه. وهذا عين ما حصل مع فرعون عندما استلم زمام القيادة في قومه، وزعم أنه إله لهم من دون الله، وأوهمهم بأنه يهديهم إلى سبيل الرشاد، وأنه هو الحكيم المتفرد بالرأي السديد، كما قص علينا القرآن الكريم عنه في قوله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}. ثم لما ظهر الحق بعد المبارزة يوم الزينة، كشر فرعون عن أنيابه وقتل السحرة وصلّبهم في جذوع النخل، واستنفر قومه وقرر البطش بهم. ولما هربوا منه، تبعهم هو وجنوده في غطرسة فرعونية شيطانية بالغة الوحشية. فلما شق الله البحر لموسى ومن معه لينجيهم من بطش فرعون وقومه، أوهم فرعون قومه بأن البحر قد انفلق هيبة له وإجلالا لقدره، وكان ذلك استدراجا لهم كي يسلكوا الطريق اليبس فيقعوا في الفخ، ويتم الله أمره بإغراقهم أجمعين. قال تعالى: {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا}.


أيها الناس: هكذا تبدو الأمور واضحة، وتظهر سنة الله عاملة، ولن تجد لسنة الله تبديلا أو تحويلا، ويبقى القرار بيدك أيها الإنسان، لتنظر أتتبع من؟ وتركب مع من، وتعطي قيادتك لمن؟ وقد تكرر ما حصل مع فرعون ومن اتبعه مع جميع الفراعنة وأتباعهم السابقين واللاحقين، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا كذلك مع الذين اتبعوا الأنبياء ودعاة الحق أجمعين. فبمجرد انتهاء فترة الابتلاء والتمحيص يأتي القرار الرباني الحاسم، فيهلك الله الفراعنة وأتباعهم غير مأسوف عليهم، ويعلي بفضله كلمة الحق وأصحابها، ويجعلهم ظاهرين بعد أن كانوا مغمورين، وقاهرين بعد أن كانوا مقهورين، وطالبين بعد أن كانوا مطلوبين، وهذا نهاية الأمن والعز. قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}.


أيها الناس: تتجلى هذه السنة الإلهية اليوم في أبهى صورها، ونحن نرى الفراعنة من حكام دويلات الضرار في العالم الإسلامي يعتقلون حملة الدعوة والمجاهدين في سبيل الله، ويعذبونهم ويحكمونهم لفترات طويلة أو يقتلونهم. ونراهم يأكلون أموال الناس بالباطل، ويتصرفون في المال العام بسفه منقطع النظير. ونرى حولهم منافقين يهتفون بحياتهم، ويسبحون بحمدهم، ويصرون على ركوب مراكبهم، ولا يكلف أحدهم نفسه التفكر والسؤال عمن صنع هذه المراكب الفرعونية، ومن أين انطلقت؟ وما هو الوقود الذي يسيرها؟ وما هو خط سيرها؟ ومن هم ربابنتها؟ وأين مستقرها ومستودعها؟ وهل هناك ضمانات لوصولها سالمة إلى محطتها النهائية؟ والذي نفسي بيده لو سألوا تلك الأسئلة ما ركبوها، ولقرروا من فورهم أن يتخلوا عنها ويتركوها، لا بل لينتقلوا فورا إلى مراكب أخرى آمنة، طريقها مستقيم، ووقودها نظيف، وقيادتها حكيمة، عرفت من أين انطلقت وإلى إين المصير.


أيها الناس: إن مراكب الحكام معطوبة، وصناعتَها رديئة، وهي معرضة للإنقلاب والتحطم في كل آونة وحين، فقد أسس بنيانها على شفا جرف هار، وليس على تقوى من الله ورضوان، ولن تنفعها رعايةُ الكفار لها وصيانتها، فكله سراب خادع، ورماد ستشتد به الريح في يوم عاصف قريب بإذن الله، تجعل تلك المراكب أثرا بعد عين، وسيجتاح طوفان الخلافة عروش الفراعنة، وستلقف ما يأفكون، وما ذلك على الله بعزيز. فأين فرعون مصر الأول وجنوده؟ غرقوا عن بكرة أبيهم، وقطع دابرهم وكانوا ألف ألف وستمائة ألف. وأين الفراعنة الذين جاءوا من بعده؟ أين الملك والخديوي والرئيس؟ وأين جنودهم وجلاوزتهم وأشياعهم؟ هلكوا جميعا غير مأسوف عليهم، وسيهلك فرعونهم اليوم وزبانيته كما هلك الذين من قبلهم، وسيجعل الله تدميرهم في تدبيرهم، وعلى الباغي تدور الدوائر. وكما أهلك الله فرعون ليبيا وفرعون تونس وفرعون اليمن وأتباعهم، فإن نفس المصير ينتظر جميع الفراعنة من حكام الأردن وسوريا والعراق وإيران والسعودية والجزائر وباكستان وغيرها، وسنسمع قريبا عن الانهيارات الكبيرة لهذه الأنظمة الفرعوية الطاغوتية الهشة، وسيكون سقوطها مدويا يذهل أعين المراقبين، ويحير عقول المحللين السياسيين، وإن غدا لناظره قريب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


(الخطبة الثانية) أيها الناس: يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}. ونحن نرفع عقائرنا اليوم ونقول للمسلمين في أرجاء المعمورة: وما أمر حكامكم برشيد، فهم لا يحكمون بما أنزل الله، ويظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، وهم الذين يوالون أعداء الله ويعادون أولياءه، وهم الذين استأثروا بثروات الأمة، ويسرقون مدخرات الناس، ويأكلون أموالهم بالباطل. وهم الذين يفتكون بالمخلصين من أبناء المسلمين ويسومونهم سوء العذاب، وهم الذين نصبوا أنفسهم قوامين على دين الناس بالباطل! أجل، قالها السيسي بصراحة إنه مسؤول عن دين الناس، وقالها السبسي بصراحة للذكر مثل حظ الأنثى، وقالها غيرهما وهم يلوون ألسنتهم بالكتاب: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، وقالها آخرون بأن الحفلات الماجنة ستعم ديار الحرمين جميعا شاء من شاء وأبى من أبى. فهل هؤلاء القادة يؤتمنون على دين أو دنيا؟ وهل من الحكمة أن يركب أحد في مراكبهم الهالكة؟ كلا، وألف كلا. وكم سيكون الموقف لهم ولأتباعهم محرجا ومخزيا ومهينا يوم يدع الله كل أناس بإمامهم؟ قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم. فواخزياه، وواحسرتاه عليك أيها المسلم المصري إذا دعيت يوم القيامة للحساب جنبا إلى جنب مع السيسي وأضرابه من حكام مصر! وواخزياه، وواحسرتاه عليك أيها المسلم السوري إذا دعيت يوم القيامة للحساب جنبا إلى جنب مع الأسد وأضرابه من حكام سوريا! وواخزياه وواحسرتاه على كل مسلم يدعى للحساب جنبا إلى جنب مع حاكمه الكافر والظالم والفاسق. وواسعداه لكل مسلم يباعد الله بينه وبين أولئك الأئمة الأشرار، ويدعى يوم القيامة للحساب مع إمام الرحمة الشفيع المشفع محمد صلى الله عليه وسلم، ومع الخلفاء الراشدين المهديين في الزمان الأول أو الزمان الثاني!


أيها الناس: إن الواجب هو التخلي فورا عن اتباع حكامنا الأشرار، والنزول فورا من مراكبهم، وتركهم يهلكون في أودية الله، ولا يليق بنا نحن المسلمين إلا أن نركب مركبا واحدا يوصلنا إلى بر الأمان، ألا وهو مركب الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة، ولمثل ذلك المركب الهانئ والآمن فليعمل العاملون، حتى نسعد في الدارين، ونأتي يوم القيامة وقد أفلحت الوجوه بصحبة الأئمة الصالحين. جاء في الحديث الصحيح عن غير واحد من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المرء مع من أحب. فاللهم احشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.