الخميس، 25 جمادى الثانية 1441هـ الموافق 2020/02/20م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

الأرض المباركة: خطبة الجمعة "سيداو تحت الأقدام!"


خطبة جمعة لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)
بيت المقدس - الأرض المباركة (فلسطين)


الجمعة، 01 جمادى الأولى 1441هـ الموافق 27 كانون الأول/ديسمبر 2019م

 

 

خطبة بيت صفافا لشهر 12/2019م
إنما يستجيب الذين يسمعون


(الخطبة الأولى)

أيها الناس: إن في القصة لعبرة، ففي إحدى الليالي الشاتية كليلة يوم أمس، كان الجو ماطرا وشديد البرودة، فقام أحد سكان البادية بنحر جمل ليوزعه على المحيطين به لعلمه بقلة الزاد في البيوت المجاورة، فأرسل أحد أعوانه يدعو الناس للعشاء، إلا أن موفده لم يعزم الناس للعشاء كما كلفه صاحب البيت، بل أخذ يصرخ وينادي بأن بيت شعر أبي فلان وقع على عائلته وحلاله فافزعوا لنا لرفعه، فلم يفزع من الناس إلا القليل. وعندما وصلوا البيت وجدوا البيت مرفوعا، والنار مشتعلة، وقدور اللحم على النار. ولكن الذين حضروا قليل جدا، وأكثرهم ليسوا من الوجوه المقربة لصاحب الدعوة. فنادى صاحب البيت الداعي ليسأله عن غياب معظم الناس، فقال له الداع: أنا لم أقم بدعوتهم للعشاء، بل قلت لهم إن بيتك وقع على عائلتك وحلالك وطلبت فزعتهم، فلم يفزع لك إلا الذين تراهم، وأظنهم هم الذين يستحقون التكريم والعشاء وعائلاتهم.


أيها الناس: إن المواقف الصعبة هي التي تظهر القليل الصالح وتسقط الكثير التالف، وإن الناس لا تعرفهم بحق إلا عند حاجتك لهم، فقد يتخلى عنك أقرب المقربين، ويقف إلى جانبك من لا تتوقع منه ذلك، وما أكثر الإخوان حين تعدهم، ولكنهم في النائبات قليل. وقد مدح الله سبحانه المستجيبين في كتابه الكريم في قوله جل وعلا: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}. قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يكبُرنّ عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك، وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربّهم والإقرار بنبوّتك، فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك، إلا الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق، وسهَّل لهم اتباع الرُّشد، دون من ختم الله على سمعه، فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رُعاتها، فهم كما وصفهم به الله تعالى ذكره: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ}. والكفارُ يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتًا، ولا يعقلون دعاء، ولا يفقهون قولا، إذ كانوا لا يتدبرون حُجج الله، ولا يعتبرون آياته، ولا يتذكرون فينـزجرون عما هم عليه من تكذيب رُسل الله وخلافهم. قال قتادة: هذا مَثَل المؤمن، سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله. والذين كذَّبوا بآياتنا صم وبكم، وهذا مثل الكافر أصم أبكم، لا يبصر هدًى ولا ينتفع به.


أيها الناس: أخرج البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَثَلِي ومَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أتَى قَوْمًا فقالَ: رَأَيْتُ الجَيْشَ بعَيْنَيَّ، وإنِّي أنا النَّذِيرُ العُرْيانُ، فالنَّجا النَّجاءَ، فأطاعَتْهُ طائِفَةٌ فأدْلَجُوا علَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فاجْتاحَهُمْ. ونحن اليوم أيها المسلمون أمام استحقاقات شرعية كثيرة، وقلة في الاستجابة غير معهودة ولا مستبوقة. ألا ترون أن داعيَ الله ينادي المسلمين أن يحكموا بما أنزل الله، فلم يستجب إلا القليل لتلبية هذا النداء، ويستصرخهم لإقامة الدين فلم يستجب إلا القليل، ويطالبهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يستجب إلا القليل، ويحثهم على مجاهدة الكفار والغلظة عليهم، فلم يستجب إلا القليل، ويطلب إعمار المساجد، فلم يستجب إلا القليل، ويوجههم لموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، فلم يستجب إلا القليل، وينادي في النساء أن عليكن باللباس الشرعي في الحياة العامة، فلم يستجب إلا القليل، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فلم يستجب إلا القليل، ولا يختلط الرجال بالنساء إلا لأمر يقره الشرع ويقر الاختلاط من أجله، فلم يستجب إلا القليل، والطلبات كثيرة والاستجابة أقل من القليلة.


أيها الناس: ما لكم إذا قيل لكم استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم اثاقلتم إلى الأرض؟ ما لكم إذا ناداكم النذير العريان محذرا من خطر داهم جعلتم أصابعكم في آذانكم واستغشيتم ثيابكم؟ والله لقد دخلت النار إلى بيوتكم، وتسلل الخبث إلى مواطن طهركم، وجاءتكم النجاسة تسعى. إنها سيداو العاهرة، تطل برأسها عليكم بعد توقيع زعمائكم وقادتكم السفهاء عليها دون تحفظ. تقول لكم سيداو: لا سلطان لكم على نسائكم ومحارمكم ولا ولاية، وتقول لكم سيداو، لا نريد شرفكم الذي تزعمون، فأجساد نسائكم وبناتكم وأخواتكم ملك لهن يفعلن بهن ما يشأن، وإياكم ثم إياكم أن تتعرضوا لامرأة منهن إذا فرطت في عرضها، وإياكم ثم إياكم أن تتدخلوا في لباسهن أو أصدقائهن أو أسفارهن أو سفاحهن أو إجهاضهن أو ما ملكت أيمانهن! فلا حصون لكم بعد اليوم ولا إحصان، فلا هن حصون لكم ولا أنتم حصون لهن، ولا غيرة ولا شرفا، أذعنوا لسيداو ومخرجاتها وقوانينها وإن لم تفعلوا، فأنتم رجعيون متخلفون، وذكوريون متسلطون، وسينتهي بكم المطاف في السجن بضع سنين، أو تموتون كمدا غير مأسوف عليكم.


(الخطبة الثانية)

أيها الناس: إننا نقول لسيداو وللقائمين عليها والمروجين لها: لن تمروا إلا على أجسادنا، ولن تستطيعوا أن تصلوا إلى أرحامنا وعوراتنا وعيباتنا إلا أن تضرجونا بدمائنا ونضرجكم بدمائكم، ووالله الذي لا إله إلا هو سندافع عن أعراضنا وآخر حصوننا بكل ما أوتينا، ولتعلمن نبأه بعد حين. فارعووا خير لكم، ولا تفتحوا عليكم أبواب لا تستطيعون إغلاقها، فإن فينا من لا يرى في الوجود أثمن من عرضه، ولا يغرنكم المفرطون والديوثون الذين لا يغارون على أعراضهم، فهم في الدنيا منبوذون، ومن الجنة محرومون. ولعلكم تقيسون انتهاك المقدسات واحتلال البلاد وسرقة الأموال والخيانات والتنازلات والتفريطات وغير ذلك من التعديات، تقيسونها على الأعراض؟ فورب السماوات والأرض إنكم واهمون، فأعراضنا أقدس من مقدساتنا، وأثمن من أنفسنا وأموالنا، فلا يتصرفن أحد منكم أي تصرف طائش يمس بالأعراض، عندها سينقلب الحمل الوديع إلى أسد من أسد الشرى.


يا عباد الله: والكلمة الأخيرة موجهة إلى بناتنا وأخواتنا وأمهاتنا ونسائنا ومحارمنا وقرة عيوننا: لبيكن لبيكن، نعاهدكن بأن نصون أعراضكن، وأن نبذل المهج والأرواح لرد أي اعتداء عليكن، ولن نعبأ بسيداو وأمثالها ولو وقفت خلفها كل قوى الأرض الغاشمة، فالله معنا، وسيرد بأس الذين كفروا، والله أشد بأسا وأشد تنكيلا. وستنقشع هذه الغمامة الاستضعافية، وستبزغ شمس الحق قريبا بإذن الله، وهي دولة الخلافة الحقيقية الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي ستلقف ما يأفكون، فتصون أعراضكن، وتحمي بيضة الإسلام، وتلقن الكافرين المتربصين بأعراض المسلمين دروسا تنسيهم وساوس الشياطين. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.