الأحد، 19 ذو الحجة 1441هـ الموافق 2020/08/09م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

الأرض المباركة: خطبة الجمعة "كورونا وجريمة أعظم الظلم!"


خطبة جمعة لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)
بيت المقدس - الأرض المباركة (فلسطين)


الجمعة، 07 شوال 1441هـ الموافق 29 أيار/مايو 2020م

 

 

خطبة بيت صفافا لشهر 5/2020م
الله لطيف بعباده

 

(الخطبة الأولى)

 

أيها الناس: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ. مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}. قال أهل التفسير: يخبر تعالى بلطفه بعباده ليعرفوه ويحبوه، ويتعرضوا للطفه وكرمه، فمن لطفه عز وجل بعبده المؤمن أن هداه إلى الخير، وحبب إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين بفضله ونعمته وعلمه وحكمته، وتركه رسوله صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك. الله لطيف بعباده، عليم بسرائرهم، يرزقهم وينعم عليهم، ويخص المؤمنين المتقين بنعم وفضائل يرزقونها من حيث لا يحتسبون. الله تعالى وحده هو صاحب الأمر ووحده يملك لعباده الخير فمن جعل الله تلقاء وجهه في كل أفعاله رزقه الله من حيث لا يحتسب، وأجزل له العطاء في الجنة، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. أما من جعل الله آخر الناظرين إليه ولم يلتفت لعمل الآخرة، ولم يراع مرضاة الله، فله دنياه العاجلة التي عمل لها ومن أجلها، وما له في الآخرة إلا العذاب المقيم. وانظروا يا رعاكم الله إلى لطف الله جل في علاه بنا في هذه الجائحة الفيروسية، كيف أن الإصابات بيننا لا تكاد تذكر إذا ما قيست بإصابات غيرنا، ولكننا أُصبنا فيما هو أعظم من البلاء الجسدي، ألا وهو البلاء الروحي بإغلاق مساجدنا، ومنعنا من إقامة شعائرنا في بيوت الله! وقد طال إغلاقها في الوقت الذي فتحت فيه البنوك والأسواق وباقي مرافق حياة أهل هذا الزمان! وقد أضاف الحكام الظالمون بهذا العمل الشنيع إلى جرائمهم، جريمةَ أعظم الظلم، بمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعوا في خرابها واعتدوا على من تسلل إليها جسديا وماليا؟ أكثر من ثلاثة ملايين وستمائة ألف مسجد حول العالم أغلقت، ومنع المصلون من دخولها طيلة أربعة أشهر عجافا، لم يشهد التاريخ الإسلامي عبر قرونه الطويلة لهذا الحدث مثيلا. ولم يكن يخطر ببال أحد من المسلمين أن يخلو المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى من المصلين بلا قتال ولا قعقعة سلاح! ولا ندري أيعقد موسم للحج هذا العام أم لا؟ فالقرار بيد ترامب وغراب آل سعود ، قاتلهم الله أنى يؤفكون! ولكن الله لطيف بعباده، فقد فتحت المساجد صلحا أو عنوة، وعادت للمنابر هيبتُها، ورُد للمحاريب اعتبارها، ورجع المسلمون إلى بيوت الله يصلون ويستغفرون، وقد ازدادوا سخطا على من حرمهم منها بضعة أشهر، يدعون عليهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويجأرون إلى الله أن يرفع بلاءهم عن المسلمين، ويزيح سطوتهم وجبروتهم عن بيوت الله فلا يجعل لهم عليها سبيلا.


أيها الناس: لا تحسبوا الكرونا شرا لك، بل هي خير لكم، فما أنزل الله من محنة في المسلمين إلا وجعل لهم فيها منحة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. وأمر المؤمن كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له. ومن لطف الله بعباده أنه لا يؤاخذهم باللغو في أيمانهم، ولا بما أخطأوا أو استكرهوا عليه، قال تعالى: {لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. وأخرج ابن حجر في فتح الباري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رفَعَ اللَّهُ عن أمَّتيَ الخطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهوا عليهِ. فلا يؤاخذنا الله بما نسينا أو أخطأنا، ولا يؤاخذنا باللغو في أيماننا، ولا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا الذين تولوا كبرهم فينا، فلا نحمل وزر المفتين الذين يفسدون علينا صومنا وفطرنا تبعا لأهواء أولياء أمورهم، ولا نحمل وزر تبذير أموالنا وسفه الحكام في إدارتها، ولا نحمل وزر قتال جيوشنا في الجبهات الخاطئة وإراقة دماء أبنائنا وإخواننا، ولا نحمل وزر الحرب الماحقة علينا من الله ورسوله بسبب تفشي الربا وباقي المنكرات وعلى رأسها الحكم بغير ما أنزل الله. ولا نحمل وزر إغلاق بيوت الله ومنعنا من ذكر اسمه فيها، ولكننا بكل تأكيد نحمل وزر عدم إنكار هذه المنكرات، ووزر السكوت عليها، ووزر عدم العمل على تغييرها وفق الاستطاعة، فهذا مما كسبت قلوبنا. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم. ويحمل الوزر الأكبر من يزين للناس منكرات الحكام ليروها حسنات، فمثلهم كمثل الشيطان الذي زين للإنسان سوء عمله فرآه حسنا.

 


(الخطبة الثانية)

 

أيها الناس: إننا نقف اليوم على مفترق طرق كبير، فمن انعطف يمينا نحو العمل الجاد لتغيير هذه المنكرات بالعمل مع العاملين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، والتي ستنهي حِقبة الملك الجبرية المقيتة، فقد سلك الجدد وأمن العثار، وسار بأمته إلى طريق سلامة المنهج فنجا ونجوا جميعا، ورضي الله عنه وعنهم، وأسعدهم في الدارين، ذلك لأنه أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن، فكان سعيه مشكورا. ومن انعطف إلى اليسار، واصطحب الحال الذي كان عليه من الركون إلى الظالمين فقد دخل في النفق المظلم الذي لا يُرى النور في آخره، ولا تؤمن عواقبه، وسخط الله عليه وعلى من تبعه، ذلك لأنه أراد الْعَاجِلَةَ فعجل الله لَهُ فِيهَا مَا شَاءُ لِمَن أراد، ثُمَّ جَعَل لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا، والعياذ بالله. ومن بقي واقفا متحيرا متهوكا مترددا ومذبذبا بين ذلك، لا إلى هؤلاء وهؤلاء، فسيصدق فيه قول الحق تبارك وتعالى: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلً}. واليوم هو يوم اتخاذ القرار المصيري، فلا ترجعوا بعد كرونا كما كنتم قبلها، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، ولا تقبلوا بأقل من إقامة الدين والحكم بما أنزل رب العالمين على رسوله الأمين. فقد كشر الكفر عن أنيابه، ولبس لكم جلد النمر، ورماكم عن قوس واحدة، وليس بعد العبث في دينكم وعباداتكم ومقدساتكم ومساجدكم من عذر لقاعد يعتذر به، فلا تنشغلوا بعد اليوم بغير العمل الجاد لإقامة دولة الخلافة التي تقيكم بأس الكافرين والمنافقين، بعد أن تطبق شرع الله في أرض الله. وبعدها يصبح المسلمون في ذمة الله وجواره، ومن كان في ذمة الله وجواره فليس له غالب. قال سبحانه: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.