الأحد، 19 ذو الحجة 1441هـ الموافق 2020/08/09م
الساعة الان بتوقيت بيت المقدس

 

 

الأرض المباركة: خطبة الجمعة "قانون ’’حماية الأسرة‘‘ هتك للأسرة وللعرض!"


خطبة جمعة لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله)
بيت المقدس - الأرض المباركة (فلسطين)


الجمعة، 05 ذو القعدة 1441هـ الموافق 26 حزيران/يونيو 2020م

 

 

 

 

خطبة بيت صفافا لشهر 6/2020م
قانون حماية الأسرة: دياثة بامتياز


(الخطبة الأولى) أيها الناس: أخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) واللفظ له، وأبو نعيم في (معرفة الصحابة) بسند صحيح عن عمار بن ياسر رضي الله عن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثةٌ لا يدخلون الجنَّةَ أبدًا: الدَّيُّوثُ، والرَّجِلَةُ من النساءِ، ومُدمنُ الخمرِ قالوا: يا رسولَ اللهِ! أما مُدمنُ الخمرِ فقد عرَفْناه، فما الدُّيُّوثُ؟ فقال: الذي لا يُبالي من دخل على أهلِه قُلنا: فما الرَّجِلَةُ من النساءِ؟ قال: التي تشبَّه بالرِّجالِ. قال العلماء في شرح كلمة الديوث: هو الَّذي يَرضَى السُّوءَ ويُقِرُّ بالفاحشةِ في أهلِه! وقالت العرب: تديَّث الرَّجلُ: فقد الغيرة والخجل فصار ديُّوثًا. وهذا عين ما يريده حكام الجور والجبر في زماننا، وخصوصا في فلسطين، حيث تتسارع الخطى لدى السلطة الفلسطينية لإقرار ما يسمى بقانون حماية الأسرة من العنف، تحت ضغط وإلحاح من جمعيات نسوية مشبوهة وممولة من الخارج، تنفيذا لاتفاقية سيداو ومخرجاتها.


أيها الناس: لئن مر هذا القانون العائب فستشتعل بيوتنا بالنار من جهتين، الأولى جهة نار القانون ورجاله الأشرار الذين سيستخدمون القوة لإجبارنا على الدياثة، والجهة الثانية جهة نار الغضب والمقاومة والانتقام ممن سيتجرأ على تنفيذه، فلن نسمح بفقدان رعاية أسرنا، ولن نسمح باستقواء الزوجة والبنت والأخت والأم بهذا القانون علينا، ولن نسمح لأحد أن يحاكمنا كمجرمين إذا حافظنا على أعراضنا، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر. حاكموا المجاهدين كإرهابيين، والخطباء كمحرضين، فقلنا تلك هي مفرداتهم، ولن يتمكنوا من إطفاء جذوة الجهاد، أو منع كلمة الحق. وغيروا مناهج التعليم لتغيير ثقافة المسلمين وطمس معالم حضارتهم، فقلنا: الدولة دولتهم، والعمل لتغييرهم يسير بأقصى سرعة، وسيمن الله علينا بالنصر والاستخلاف والتمكين عاجلا أم آجلا. وسرقوا نفطنا وثرواتنا، فقلنا سنستردها يوما، وسيطروا على جيوشنا وعساكرنا وأسلحتنا، فقلنا ستعود بإذن الله، فالحرب سجال والأيام دول، والقائمة تطول، والأمل بتعديل الموازين كبير، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز. أما أن يعتدوا على أعراضنا، ويدخلوا الخنا إلى بيوتنا، من خلال قانون حماية الأسرة من العنف، والذي هو دياثة بامتياز، فالموت يسبق قبل أن يحصل ذلك، وبطن الأرض خير لنا من ظهرها إن حصل، ولن ننتظر قيام دولة الإسلام لتبطله وتقتص من الذين أقروه وظاهروا على إقراره، بل سيأتيهم ردنا فورا وأسرع مما يتوقعون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


أيها الناس: كان حكام الجاهلية الأولى أكثر غيرة على أعراضهم من حكام الجاهلية الثانية اليوم، قيل لأبي جهل (عمرو بن هشام): كيف تترك محمدا يخرج من بين أيديكم ليلة الهجرة، ويلحق بصاحبه أبي بكر فيغادران إلى يثرب؟ لِمَ لم تكسر الباب عليه وتأخذه من سريره؟ فأجاب: "وتقول العرب روّع عمرو بن هشام بناتِ محمد وهتك حرمة بيته"؟ ولسنا نفتخر هنا بأخلاق الجاهلية، وإنما ننبه إلى الفطرة الإنسانية التي تقتضي أن يحافظ الرجل على أهله، ويراعي حرمة عرضه وأعراض الناس، بل إن هذا السلوك فطري في الحيوانات والبهائم عدا الخنزير لحكمة بالغة لا يعلمها إلا الله. ولكنْ ورد عن أهل العلم رحمهم الله كشيخ الإسلام بن تيمية وابن خلدون والفخر الرازي وغيرهم أن أكل لحم الخنزير يذهب الغيرة والنخوة، كونه لا يغار على أنثاه. وقد نقل ابن عثيمين رحمه الله عن أهل العلم في فتواه عن حكم تحريم لحم الخنزير فقال: وقد قيل إن من خُلق هذا الحيوان النجس قلةَ الغيرة، فإذا تغذى الإنسان به فقد تسلب منه الغيرة على محارمه وأهله؛ لأن الإنسان قد يتأثر بما يتغذى به.


أيها الناس: تعالوا بنا ننتقل من أخلاق الجاهلية ومعالم الفطرة السوية إلى الإجراءات التي كان يتخذها حكام المسلمون من الخلفاء الأفذاذ دفاعا عن الأعراض، ونرى كيف أن أي اعتداء على أعراض المسلمين أو كشف عوراتهم يجب أن يتخذ حياله إجراءات حاسمة قوية رادعة، كي تبقى مسألة الغيرة على الأعراض والمحافظة عليها على رأس سلم اهتمامات الرجال المسلمين الغيورين. نبدأ بإجراء الرسول صلى الله عليه وسلم مع بني قينقاع لما قصدت امرأةً من المسلمين أحد الصاغة اليهود، فاحتال عليها اليهود في السوق لتكشف عن وجهها فأبت ذلك؛ فعقد أحد اليهود ثيابها من ظهرها حتى إذا قامت انكشفت عورتها، فضحك اليهود لذلك، وانتصر لها أحد المسلمين الذين كانوا في السوق، وقتل اليهوديّ الذي فعل بها ذلك، فغضبت اليهود لذلك فقتلت المسلم، وحين علم النبي -عليه السلام- بالخبر حاصر اليهود في حصونهم خمسة عشر ليلةً، حتى استسلموا ونزلوا لحُكمه، حيث أجلاهم إلى منطقة أذرعات من أرض الشام، واستولى المسلمون على أموالهم، ولم تكن عندهم أراض؛ لأنّهم كانوا مجرد صاغةٍ في أسواق المدينة. والثانية: استولى قراصنة السند من الديبل بعلم من ملكهم "داهر" في عام 90 هـ على 18 سفينة بكل ما فيها من الهدايا والبحارة والنساء المسلمات، اللائي عمل آباؤهم بالتجارة وماتوا في سرنديب وسيلان، وصرخت مسلمة من بني يربوع "وا حجاج، وا حجاج"، وطار الخبر للحجاج باستغاثتها، فنادى من وراء الجبال والبحار "لبيك لبيك". فأعد الحجاج جيشا تلو الآخر حتى فتح بلاد السند وقتل ملكها وأدخل شعبها في الإسلام على يد القائد المظفر الشاب محمد بن القاسم. وأنشد قاتل ملكها داهر:


الخيل تشهد يوم داهر والقنا        ومحمد بن القاسم بن محمد
إني فرجت الجمع غير معرد        حتى علوت عظيمهم بمهند
فتركته تحت العجاج مجندلًا         متعفر الخدين غير موسد


وأما الثالثة فأشهر من نار على علم، المعتصم، وما أدراك ما المعتصم، فاتح عمورية بسبب صرخة امرأة مسلمة هاشمية: وا معتصماه. فهل فيكم اليوم أيها الجيوش من معتصم؟ وهل فيكم أيها الناس غيور كسعد بن معاذ الذي استمد غيرته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني. فاللهم اجعلنا من الغيورين على أعراضنا وامنن علينا بحاكم يغار على أعراضنا ويدافع عنها.


(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن أعراضنا خط أحمر، هكذا كانت، وهكذا هي اليوم، وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولن نقبل أن نلقى الله بشيء من الدياثة أبدا، وقد فتح المسلمون بلادا لم تكن على خارطتهم الجهادية دفاعا عن الأعراض، واستشهد الآلاف في تلك المعارك دفاعا عن الأعراض، ولا عجب: فعنْ أَبي الأعْوَر سعيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمْرو بنِ نُفَيْلٍ، أَحدِ العشَرةِ المشْهُودِ لَهمْ بالجنَّةِ، قَالَ: سمِعت رسُول اللَّهِ ﷺ يقولُ: منْ قُتِل دُونَ مالِهِ فهُو شَهيدٌ، ومنْ قُتلَ دُونَ دمِهِ فهُو شهيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ دِينِهِ فَهو شهيدٌ، ومنْ قُتِل دُونَ أهْلِهِ فهُو شهيدٌ. رواه أَبو داود، والترمذي وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.


أيها الناس: عرفتم فالزموا، أعراضكم دينكم، أعراضكم حياتكم، أعراضكم كرامتكم، وكل ذلك مستهدف منكم، فاعقدوا العزم على إسقاط قانون الدياثة، ومن يقف خلفه من الحكام والمنحرفين والشاذين، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.