(الخطبة الأولى)
أيها الناس: الشرعية هي كلمة تطلق ويراد بها الأسس التي تعتمد عليها الهيئة الحاكمة في ممارستها للسلطة، وتقوم على حق الحكومة في ممارسة السلطة، وتقبُّل المحكومين لهذا الحق. كما يمكن تعريف الشرعية بأنها «سيادة القانون»، أي خضوع السلطات العامة للقانون والالتزام بحدوده. وأما عند المسلمين فالشرعية هي أحقية الطاعة الدينية للحاكم أو لجهاز الحكم، بمعنى الطاعة التعبدية التي يعتبرها الفرد المسلم أمراً واجباً شرعاً يؤجر بفعله ويأثم بتركه. ويتبع ذلك الامتناع عن السعي (أو المساهمة في السعي) لأي عمل من شـأنه إزالة هذا الحاكم أو نظامه. وعكس الحكم بالشرعية هو الحكم بعدم الشرعية ومعناها استحقاق النظام أو الحاكم للتغيير ونبذ الطاعة وجواز السعي لذلك. ويستمدّ النظام السياسي الإسلامي شرعيته من الإسلام، {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وهُوَ الّذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً}، ويستمد بقاءه وقوته من تأييد أهل الحل والعقد وعامة الناس له ما استقامت عليه الأئمة.
أيها الناس: كثر الحديث عن شرعية هذا الحاكم أو ذاك، ووصل الأمر إلى حدوث انقلاب أبيض أو أحمر يطيح به وبزمرته ويأتي بحاكم جديد يدعي الشرعية ويزعم أنه أحق بها ومن أهلها! وقد مللنا سماع أخبار الانقلابات تلك منذ خمسة أو ستة عقود مضت، ولم يكن الانقلابيون الجدد في يوم من الأيام أفضل حالاً من الحكام الذين انقلبوا عليهم، وكل ما في الأمر أن الكفار أسيادهم يستبدلون زيداً بزيد وعمراً بعمرو! وكلهم في نظر الإسلام فاقد للشرعية كونهم لا يحكمون بما أنزل الله، وكلهم يعاني من أزمة الشرعية. ولذلك فلا معنى لما قاله منوجهر محمدي مساعد ما يسمى بوزير الخارجية الإيراني لشؤون الأبحاث في كلمة ألقاها في مراسم اختتام الملتقى العاشر لأساتذة الجامعات التعبويين في مشهد الإيرانية من أن الأزمة التالية في الشرق الأوسط، والتي يتوقع أن تشمل القسم الأعظم من الخليج هي أزمة شرعية الأنظمة الملكية والتقليدية، وأن هذه الأنظمة ليست قادرة على الاستمرار في بقائها نظراً للظروف الراهنة.
أيها الناس: لا يهمنا في هذا المقام ردات أفعال دول مجلس التعاون الخليجي على تصريحات محمدي، فما من دولة فيه أو في غيره اليوم تملك صفة الشرعية بالمفهوم الإسلامي لهذا المصطلح، وما من دولة يريد الغرب إيجادها في ربوع العالم الإسلامي إلا وتعاني من أزمة الشرعية، وما من انقلاب حصل وأتى بحاكم جديد، فيبقي الحال على ما هو عليه إلا ويعاني من نفس الأزمة وهي أزمة الشرعية. ومهما تعاقب حكام على عواصم وحواضر العالم الإسلامي فإنهم يبقون فاقدين للشرعية طالما أنهم لا يحكمون بما أنزل الله، ولا يعلنون عاصمتهم أو حاضرتهم دولة خلافة إسلامية على رأسها حاكم مبايع يحكم بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فلا تغرنكم الانقلابات، ولا تغرنكم تصريحات الانقلابيين ووعودهم، ولا تلتفتوا إلى ما يشاع عنهم في الإعلام أو المسيرات المؤيدة بأنهم الحلم الضائع والأمل المفقود. ولنا عبرة في انقلابات البعثيين والقوميين والوطنيين في سوريا والعراق ومصر واليمن والجزائر وباكستان وتركيا وغيرها من بلاد المسلمين، نستطيع الحكم من خلالها على انقلابات الإسلاميين الشكليين والديمقراطيين المزيفين.
أيها الناس: لقد آن الأوان لكي نُفعِّلَ قول الله عز وجل في كتابه الكريم، وهو أصدق القائلين: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. فيكون موقفنا تجاه جميع الحكام موحداً قوياً واضحاً لا لُبس فيه، فكل حاكم لا يحكم بما أنزل الله – منقلِباً كان أم منقَلَباً عليه – فهو فاقد للشرعية ويعاني من أزمتها، كائناً من كان. فلا فرق عندنا من هذا الباب بين محمد ولد عبد العزيز أو محمد ولد الشيخ عبد الله في موريتانيا، ولا فرق عندنا بين فتح وحماس في فلسطين، ولا يهمنا إن كان عباس وفياض يسعيان إلى إيجاد فتح جديدة مكان فتح القديمة، ولا فرق عندنا بين مشرف الباكستاني والذين يسعون لإقالته وتنحيته من حزب نواز أو زرداري، ولا بين شاه إيران والذين انقلبوا عليه باسم الثورة الاسلامية، ولسنا نرى للبعثية السورية أو العراقية فضلاً على الملكية، ولا للثوريين الناصريين ميزة على الملكيين المصريين، ولم تتغير أحوال السودان رغم تعاقب الانقلابيين على الخرطوم، ولسنا نلحظ تحسنا في أنظمة الحكم في تونس وليبيا والجزائر واليمن والصومال وغيرها من بلاد المسلمين، فكلها تعاني من أزمة الشرعية، بل إن الانقلابيين الجدد عادة ما يغرقون البلاد في مزيد من المشاكل والأزمات، حتى نسمع من الناس الدعاء بتنزيل الرحمات على الأولين جرّاء فساد الآخرين!
أيها الناس: إن ما يسري على الانقلابات يسري أيضاً على الأعمال السياسية والعسكرية التي تصاحبها أحياناً عند إرادة الكفار إيجاد نظام جديد بحُلة جديدة وقالب جديد، ولدينا من التجارب ما يكفي لنزع الثقة من الدول قيد الإنشاء قبل إنشائها، كما حصل في تيمور الشرقية، والصومال، ودويلات البوسنة وكوسوفا، ومشروع دويلة جنوب السودان أو دارفور، ومشروع الدويلة الفلسطينية، ودويلة الصحراء الغربية. فكلها كيانات فاقدة للشرعية وتعاني من أزمة الشرعية بالمفهوم الإسلامي. ولذلك فإن من الواجب علينا ألا نخلط بين الشرعية الإسلامية والشرعية الدولية، فالبعد بينهما بُعدُ المشرقين، فلنا شرعيتنا ولهم شرعيتهم، لا تلتقيان حتى يلج الجملُ في سَمِّ الخِياط!
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن قول منوجهر محمدي لا يقصد منه تغيير أنظمة الحكم القائمة في الخليج من ملكية وإماراتية وسلطنية إلى نظام شرعي يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، فهم أنفسهم يعانون من أزمة الشرعية، وإنما هو تهديد أميركي على لسان عميلتها إيران لدويلات الضرار النفطية كي تبقى منحنية أمام العاصفة الأميركية، تحقق مصالحها، وتستجيب لأوامرها، رغم ولاءاتها التقليدية لبريطانيا، فإيران هي الشرطي الأميركي الذي يلوح بالعصا لهؤلاء الرويبضات، ولأميركا في تلك العصا مآرب أخرى!
أيها الناس: إن لكم فيما يحصل في فلسطين عبرة وأي عبرة، ستون عاماً ونيف وأهل فلسطين يدفعون الأثمان الباهظة لعلهم يستظلون بدولة تصنعها لهم الأمم المتحدة أو أميركا أو أوروبا أو يهود أو الجامعة العربية، فما زادوهم جميعاً غير تخسير، ستون عاماً ونيف وهم يركضون وراء سراب خادع، حتى إذا جاؤوه لم يجدوه شيئاً ووجدوا الذبح والقتل والقصف والدمار والاغتيال والاعتقال والاجتياح وما شاكل ذلك من ألوان الذل والهوان والخذلان، ستون عاماً ونيف وهم في حالة تشرد يضرب بها المثل في الضياع والشتات، والنتيجة حتى الساعة، إغلاق لمدنهم من سلطتهم، واعتقال لأبنائهم من أبنائهم وإخوانهم، سلط الله بعضهم على بعض، فقتل الأخ أخاه، واعتقال أمه وأباه، واغتال ولده، وحقق المحقق مع أخيه وعديله وجاره، بعد أن وشى به في التقارير السرية، وعرف عليه عند الحواجز، ثم أسلمه وحجز هويته وضربه وشتمه وهدده وتوعده وشبحه في الزنازين وأقبية العمارات ومطالع الأدراج، وكسر عظامه، ورش الغاز في وجهه، فماذا أبقوا لليهود كي يفعلوه، بل إنهم والله في العداوة للإسلام والمسلمين سواء، وأما في الإغلاق والاعتقال ومنع التعبير بالكلمة، فلا سواء.
أيها الناس: بما أن حكامنا وجلاوزتهم كالأعداء سواء بسواء، فالحق أن نضعهم في سلة واحدة، ونبدأ بهم لنقيم خلافتنا الشرعية على أنقاض أنظمة حكمهم اللاشرعية بالانقلاب الحقيقي الذي يفرح له المؤمنون، ثم نتفرغ بعدها لمقارعة أعدائنا، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فلا ألفين أحداً منكم بعد اليوم يواليهم أو يوالي من يواليهم، ولا أسمعن بعد اليوم عن أحد منكم أنه ساكت عليهم أو ليس منكراً لفعالهم، ولا أتمنى أن يتخلف أحد منكم عن العمل مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، فهي الدولة الشرعية الوحيدة للمسلمين، وما سواها فمولودُ سفاحٍ سياسي غيرُ شرعي، نبرأ إلى الله منه، ونعوذ بالله أن يُنسب إلينا أو ننتسب إليه.
فاللهم امنن علينا بخلافتنا، ورد علينا ضالتنا، واجعلنا من جنودها وشهودها، ومن العاملين المخلصين لإقامتها.