(الخطبة الأولى)
أيها الناس: ساعات قليلة تفصلنا عن ظهور هلالِ شهر رمضانَ المباركِ لهذا العام الهجري الجديد في حياة المسلمين، حيث مر على المسلمين قبل ظهور هذا الهلال الرمضاني منذ فجر الإسلام ونزول القرآن ألفُ هلالٍ وأربعُمائةٍ وواحدٌ وأربعون هلالاً بالتمام والكمال، منها ثلاثةَ عشرَ هلالاً قبل الهجرة. وقد مر قبل هذه الأهلة الإسلامية المباركة آلاف كثيرة رمضانية وغير رمضانية لا يعلم عددها إلا الله جلت قدرته، ولكن أهلَّتَنا الرمضانيةَ متميزةٌ عن نظيراتها قبل ظهور الإسلام. وكان أولُ هلال من هذه الأهلة المتميزة قد أهل على الناس وهم يعبدون الأصنام، ويقدمون لها القرابين، ويستقسمون بالأزلام، ويطففون في الكيل والميزان. وقد أهل عليهم هلالُ رمضان الأول وهم قبائلُ متناحرون يغزو بعضهم بعضاً، ويتفاخرون بالآباء والأجداد، ولم يكونوا على شيء يُذكر في أمور السياسة والاقتصاد والعلم، بل كانوا في ذيل الأمم في مجالات الحياة كافة، أعراباً أجلافاً لا يقيمون وزناً لعقيدة التوحيد وملة إبراهيم عليه السلام، ولم يكن لديهم إلا أخلاق بها يتحاجزون في الحياة الدنيا. في حين أهلَّ هذا الهلالُ الأولُ على سيد الخلق والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وهو يتحنث في غار حراء، رافضاً حياةَ الجاهلية. في هذه الأثناء، وبعد انقضاء نصفِ شهر رمضان تقريباً - كما ذهب جمهور العلماء - كان أول ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر آيات سورة العلق، قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وقد كان هذا في السابع عشر من رمضان، قاله ابن كثير في البداية والنهاية.
أيها الناس: هذه أول بركة حلت على البشرية في شهر رمضان، وفيها يقول الله عز وجل: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}. وبعده تعاقبت الأهلة على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين في مكة المكرمة، وهم يحملون دعوة الإسلام، ويعملون جاهدين لإقامة دولة الإسلام الأولى. ثلاثة عشر هلالاً في مكة تعاقبت، وكل هلال يحمل معه أخباراً جديدةً عن تطورات الدعوة في مكة وما حولها، فمع هلال القراءة قرأوا وتفقهوا وتثقفوا، ومع هلال التوحيد وحدوا الله وعظموه وخضعوا له، ومع هلال الصلاة صلوا وأنابوا إلى ربهم وأخبتوا له طمعاً في جنته وخوفاً من ناره، ومع هلال الصدع بالدعوة صدعوا وأعلنوا وتحدوا وصبروا على أذى الطواغيت، حتى يعلم الناس ملامح القيادة الجديدة للمجتمع المحلي والإقليمي والعالمي. ومع هلال كل تكليف دعوي شاق طوّعوا أنفسهم لاستقباله والقيام بتبعاته، فسافروا إلى الأقطار المجاورة والبعيدة، وهاجروا الهجرة تتلوها الهجرة، حتى كانت الهجرة إلى المدينة، دُعوا إليها فلبوا، وتركوا الأهل والمال والديار. وبعد الهجرة أهلّ هلالُ رمضان الجهادي فكانوا فرسانَ معركةِ بدرٍ الكبرى، وقاتلت معهم ملائكة السماء، ثم أهلّ هلال الصوم فصاموا! وهكذا مع كل هلال كانت تنزل التكاليف الشرعية، ليقوم بها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام خير قيام. وقبل أن يهل هلال رمضان العاشر بعد الهجرة انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، تاركاً الأهلةَ تتعاقبُ بعده على رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فحكموا بعده بالإسلام، وحملو دعوة الحق إلى العالمين، وفتحوا البلاد وهدوا العباد، ودانت لهم رقاب الجبابرة. وما كان يهل هلال جديد إلا وفي ركابه النصر والعزة والسؤدد والتمكين، وكلما تجدد هلال تجدد النصر وتجددت العزة وازدادت مساحة السؤدد والتمكين.
أيها الناس: لما هُدمت الخلافة الإسلامية قبل نيف وثمانين هلالاً، صارت الأهلة تُطل على المسلمين والألم يعتصرها، ولولا أنها مقدرةٌ في منازلَ قدرها العزيزُ العليم لتزلزلت عن منازلها من هول ما ترى، ويا لهول ما ترى! تعطيلٌ لشرع الله في أرضه، واستباحة للدماء الزكية والمقدسات، وتشريد لشعوب خير أمة أخرجت للناس، ونهب لثرواتها، حكام بغير ما أنزل الله يحكمون، وقواعدُ عسكريةٌ للكفار المحاربين في أرض الإسلام والمسلمين، سفور وخمور وإعلام هابط وبرامجه أشدُّ هبوطاً، يستقبلون هلال رمضان بمزيد من المسلسلات الساقطة، أجيال من المسلمين مدمرة تتلوها أجيال أشدُّ من سابقاتها تدميراً، حدود وسدود، وحواجز وجدر يخيل للناظر إليها من الفضاء أو من الأرض أن الناس قد دخلوا السجون والزنازين، وتركوا رحب الأرض وفرشها ومهادها، وضاقت عليهم السماء واتساع بنائها، وغفلوا عن قول الله عز وجل: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ}. والأهلة تنظر إلى هذا التشتت والتشرذم، فتتعجب من عقول عامة أهل الأرض في هذا الزمان، وكيف أنهم قد ذهبت عقولهم، وخلف في الأرض هباءٌ من الناس يحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء.
أيها الناس: إننا على أبواب شهر رمضان المبارك، وأوشك هلاله أن يطل علينا، وشهر رمضان فيه الصيام المفروض وهو من أركان الإسلام الخمسة، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. وشهر رمضان شهرٌ مبارك تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب السعير، وتصفد فيه الشياطين، وينادي منادٍ كلَّ ليلة: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر، وفيه ليلة القدر وهي خير من ألف شهر، وفيه يقول الله عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: لكل عمل كفارة، وكل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. والصوم جنة، وللصائم فيه فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه. فلنحسن استقبال شهر رمضان، ولنجعل أعمالنا متميزة مخصوصة، كما تميز شهر رمضان من بين الشهور، وحصلت فيه أحداث مخصوصة، ولنجعل من شهر رمضان هذا مكاناً ينعطف فيه التاريخ عن مساره الذي حمل مهانة هذه الأمة، إلى مسار يحملُ عزتَها وانتصارها على أعدائها، ولا يتأتى ذلك إلا بإقامة خلافتها. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: أوشك هلال شهر رمضان أن يُطل علينا، وإن لاستقباله فروضاً وسنناً وآداباً وأحكاماً ينبغي لنا مراعاتها، أولها عقد النية على صيام الشهر كله، قال تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، ومنها قيامه والإكثار من الأعمال الصالحة فيه، ومنها سنة قديمة تمثلت في ذهاب الناس بجماعات لترقب هلال رمضان، فلنحيِ هذه السنة الحسنة، لعل الله أن يمن علينا ونشهده بأعيننا، إنه على كل شيء قدير. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استهل هلال شهر رمضان استقبل القبلة بوجهه وقال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والعافية المجللة ودفع الأسقام، والرزق الواسع، والعون على الصلاة والصيام والقيام وتلاوة القرآن. اللهم سلمنا لشهر رمضان، وتسلمه منا وسلمنا فيه، حتى ينقضي عنا شهر رمضان، وقد عفوت عنا وغفرت لنا ورحمتنا. وينبغي على المسلمين أن يصوموا مع أول من يرى الهلال بعينه ويشهد على ذلك، وأن يفطروا مع أول من يرى هلال شوال ويشهد على ذلك. قال صلى الله عليه وسلم: «صوموا – أي جميعاً - لرؤيته وأفطروا – أي جميعاً - لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين يوماً». وينبغي للمسلمين اليوم أن يغتنموا فرصة هلال شهر رمضان هذا ليجعلوه آخر هلال يُطل على الأمة الإسلامية دون خلافة وإمام يحكمهم بما أنزل الله، وأن يبذلوا الوسع في العمل مع العاملين لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، ولا يشغلنهم عن ذلك أي شاغل. فنسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من جنودها وشهودها، ومن العاملين المخلصين لإقامتها، وأن يجعل هلال شهر رمضان هذا هلالَ خير وخلافة راشدة إن شاء الله، وأن يهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، وأن يعيننا على صيام شهره وقيامه. ونسأله جلت قدرته أن يرد عنا كيد الظالمين والكافرين وبأسهم، ويجدد لنا انتصارات الأولين وفتوحاتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.