(الخطبة الأولى)
أيها الناس: القضاء في الإسلام هو الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام، وهو يفصل الخصومات بين الناس، أو يمنع ما يضر بحق الجماعة، أو يرفع النزاع الواقع بين الناس وأي شخص مما هو في جهاز الحكم، حكاماً أو موظفين، خليفة كان أو من دونه. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أول قاض في الاسلام، وكان يعتمد في قضائه بما ينزله الله إليه. وعندما توسعت الدولة الاسلامية فوّض النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة ليقضوا بين المسلمين، وأمرهم بالاعتماد على الكتاب والسنة والاجتهاد إذا احتاج الأمر. وفي فترة النبي عليه السلام لم يكن السجن بمعناه المعروف اليوم ولا حتى في فترة أبي بكر رضي الله عنه، وانما كان في فترة عمر رضي الله عنه، وكان السجن في فترة الرسول عليه الصلاة والسلام عبارة عن وضع المذنب في المسجد أو في بيت ومنعه من الاختلاط بالناس. ولما أمر أبو بكر عمر أن يقضي بين الناس، مكث حَوْلًا لم يتحاكم اثنان في شيء. وحدث مرة في فترة حكمه أن عزل قاضياً حكم في منامه بحكم يخالف مقتضى القرآن، روى ابن أبي شيبة قال: حدثنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب قال: حدثني غير واحد أن قاضيا من قضاة أهل الشام أتى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت رؤيا أفظعتني، قال: ما هي؟ قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان والنجوم معهما نصفين، قال: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر على الشمس، قال عمر: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة}، قال: فانطلق، فوالله لا تعمل لي عملاً أبداً. وكان القضاء في أول عهود دولة الخلافة مستقلاً عن السياسة، ولم يكن القضاة يتأثرون بميول الدولة الحاكمة، وكانت كلمتهم نافذة حتى على الولاة وعلى موظفي الدولة كافة. ولما خضع القضاء بعد ذلك إلى أهواء السياسة، امتنع الكثير من الفقهاء من تولي منصب القاضي خشية الضغط السياسي من قِبَل الحاكم. والأصل أن يكون للقضاء الشرعي الصلاحية في فصل النزاع والحكم في كل ما يقع بين اثنين، ونشر العدل بين الناس، وإيصال الحقوق إلى أهلها ورد المظالم. ويستوي أمام العدالة الشرعية الكبير والصغير، والأمير والمأمور، والحاكم والمحكوم. قال الله تعالى: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ. وقال أبو بكر رضي الله عنه: إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق. والذي لا يجوز شرعاً ولا يقبل طبعاً هو التناقض والانفصام الشخصي في مصلحة القضاء، فتكون الصلاحية للقضاء الشرعي في الأحوال الشخصية دون غيرها من مجالات الحياة الأخرى، وتكون الصلاحية للقضاء الوضعي أو القوانين الأجنبية في الحكم في الأموال والدماء، كما هي الحال في جميع ديار المسلمين اليوم. وقد رفض القرآن الكريم هذا النوع من القضاء وحذر من التحاكم إليه. فقال سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}. ونفى الإيمان عمن لم يتحاكم إلى القضاء الشرعي، فقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.
أيها الناس: إن الداعي لتناول موضوع القضاء اليوم هو الوضع المهزلة الذي يعيشه ما يسمى بالقضاء الفلسطيني في الضفة الغربية، حيث لا يوجد تناقض وانفصام في صلاحيات القضاة واختصاصاتهم فحسب، بل يوجد تناقض وانفصام في ذات السلطة، وتناقض وانفصام في صلاحيات أجهزتها القضائية والاستخبارية، إذ حكمت محكمة عسكرية فلسطينية في سلفيت على شاب من بلدة بديا بالسجن لمدة سنة ونصف بعد أن وجهت له تهمة المس بهيبة الدولة! مع العلم أنه يعمل لإقامة الخلافة على أرض غير أرض تلك الدولة! وحدث هذا يوم السبت الماضي بعد أن اعتدى عليه أفراد ما يسمى بجهاز الاستخبارات العسكرية بالضرب مما أدى إلى كسر يده، وهو منذ ذلك الوقت مسجون معذب، وتمنع عنه الزيارة. ولما قام أهله وذووه بإيصال الأمر إلى ما يسمى بمحكمة العدل العليا، نظرت في القضية فلم تجد تهمة، وأمرت بالافراج الفوري عنه، وقالت إن جهاز الاستخبارات العسكرية لا علاقة له بالمدنيين. ولكن الجهاز المذكور أحضر قضاة عسكريين يوم العطلة الرسمية وحكموا على الشاب بالسجن عاماً ونصف، وضربوا بقرار المحكمة العليا عرض الحائط. والذي يثير السخرية فعلاً أن جريدة القدس لهذا اليوم قد صدرت صفحتها الأولى بخبر افتتاح المبنى الجديد لمحكمة بداية أريحا، وتظهر فيها صورة ما يسمى برئيس الوزراء ووزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى، وقول الأول بأننا نولي تطوير السلطة القضائية أهمية قصوى، وتوفير ما يلزمها من إمكانيات! فعن أي سلطة قضائية يتحدث رئيس الوزراء، أهي عين السلطة القضائية التي أصدرت المحكمة العليا فيها أمراً قضائياً بالإفراج عن مواطن، فداس جهاز الاستخبارات العسكرية قرارها بكلتا قدميه؟ ولا يزال المواطن مسجوناً مكسوراً معزولاً! آلا تباً وسحقاً وبعداً لقوم تخالف أفعالهم أقوالهم، ألا كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: ليس الشاب البدياوي وحيداً في مأساته، بل إن ملايين المسلمين في ظل حكم دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي اليوم يعانون من ظروف هي أقسى وأبشع من ظروف صاحبنا. ولقد أصبحت السجون وفنون تعذيب المواطنين في بلاد المسلمين معلماً بارزاً من معالم حكم الطاغوت والجاهلية، وقد بلغت أعداد سجناء الرأي والسجناء السياسيين أرقاماً قياسية، وأخص بالذكر السجناء من الرجال والنساء الذين كل ذنبهم أنهم يقولون ربنا الله، وكل همهم إقامة شرع الله في أرض الله عن طريق تطبيق نظام الإسلام الذي هو نظام الخلافة. فهؤلاء هم الأعداء الحقيقيون لأنظمة الطاغوت والجاهلية، ليس فقط في بلاد المسلمين بل في دول العالم أجمع. وقد سمعنا عن تصريحات من أفواه زعامات الكفر والاستكبار العالمي تفيد بأن الحرب الرئيسة اليوم تتركز بشكل مباشر وشمولي على العاملين لإقامة الخلافة، رغم أنهم لم يحملوا قطعة سلاح واحدة، ولم يطلقوا طلقة واحدة طيلة فترة عملهم التي قاربت على الستة عقود، وليس في نيتهم أن يفعلوا ذلك لا في المستقبل القريب ولا البعيد.
أيها الناس: إن العاملين لإعزاز هذا الدين وإقامة خلافة المسلمين يملكون ما هو أقوى من السلاح الناري وأكثر تأثيراً، إنهم يملكون تأييد الله وقوته كونهم يعملون في سبيله، ويتقربون إليه دون سواه، وتلك قوة لا تقهرها أي قوة مهما عظمت، ويملكون قوة الفكر والحجة والبرهان التي تدك معاقل خصومهم الفكرية فتجعلها قاعاً صفصفاً، وتنهار أمامها جدر المساءة التي فرت في الناس واستشرت، ويملكون العزم والصبر والثبات على الحق ما هو أقوى من الجبال الراسيات، ويملكون فرصة كسب عقول وقلوب المسلمين النظيفة المخلصة دون أن يدفعوا درهماً واحداً لهم، خلافاً للعقول الضعيفة والقلوب المريضة التي تباع وتشترى بالدولارات، ويملكون برنامجاً للحكم مقنعاً مؤصلاً وبديلاً عن برامج الحكام المرتجلة التي أمليت عليهم إملاءاً، ويملكون وعداً من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بتحقيق الوعد والبشرى بإقامة الخلافة بعد أن يميز الخبيث من الطيب، ويملكون ويملكون ويملكون! أما طغاة اليوم فلا يملكون ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة، ولا بعثاً ولا نشوراً، وستدول الأيام قريباً بإذن الله، وتدور الدوائر عليهم، فيصبح السجان سجيناً، والآمر مأموراً، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.