(الخطبة الأولى)
أيها الناس: انقضى شهر رمضان، فهنيئاً لمن صامه وقامه، وانقضى شهر الصيام ولا زال الخلافات بين القوم مستعرة حول هلال شوال ويوم الفطر، وأما أميركا فقد أهدتنا مع أول هذا الشهر هدية تنسجم مع قوتها وضعفنا، إذ أعلنت رسمياً عن تفعيل عمل أول قيادة عسكرية لها خصصت للقارة الافريقية، يطلق عليها “أفريكوم” وذلك على الرغم من رفض معظم الدول الافريقية حتى الآن الوجود العسكري الامريكي الصريح على أراضيها، كون تلك الدول تتبع تقليدياً لفرنسا وبريطانيا. والقيادة الجديدة التي عين لرئاستها جنرال أمريكي من أصول إفريقية وهو وليام ورلد، ستمارس أعمالها في الوقت الحالي من القاعدة الامريكية الكائنة في شتوتغارت/المانيا، وستتبعها ثلاث قيادات اقليمية تغطي 53 دولة افريقية، أي جميع دول القارة الإفريقية ما عدا مصر، كما ضُم إليها خبراء أحدهم بدرجة سفير كممثل لوزارة الخارجية الامريكية وبمخصصات وميزانية وإمكانيات عسكرية ضخمة، تعكس أهمية هدف السيطرة الامريكية على القارة السمراء بمقدراتها الاستراتيجية والاقتصادية، لاسيما أن الولايات المتحدة باتت تعتمد على النفط الآتي من غرب إفريقيا وبشكل متصاعد. وأما الذريعة لوجود وإنشاء هذه القيادة الجديدة فتأتي في اطار المحافظة على أمن الولايات المتحدة ومكافحة “الارهاب”، وما يسمونه “بالخطر الأكبر” وهو “الارهاب الديني”، في اشارة يقصدون بها الاسلام، خصوصاً بعد سحل الصوماليين لأفراد من القوات الأميركية في شوارع الصومال، وضرب المدمرة كول قرب سواحل اليمن، وأيضاً عمليات القرصنة البحرية في شرق القارة. وقد بدأت افريكوم عملياً أولى مهامها بمحاصرة عملية القرصنة الأخيرة على إحدى السفن الأوكرانية. وقد قسمت القيادة الجديدة القارة الإفريقية إلى ثلاثة أقسام: دول الشمال (عربية إسلامية) وفيها قاعدة أميركية في جنوب شرق الجزائر بالقرب من المناطق المنتجة للغاز الطبيعي، ودول الحزام الصحراوي (إسلامية) وفيها ثروات معدنية هائلة، وباقي الدول الإفريقية.
أيها الناس: يذكر التاريخ شيئاً مشابهاً حصل مع المسلمين مع الفارق الكبير، وذلك في خلافة أبي بكر رضي الله عنه لما عقد الألوية لأمراء الجيوش التي بعثها لفتح الشام – وأحب أن أُطلق عليها “شامكوم”. وكان الصحابي الجليل خالد بن سعيد بن العاص أول قائد عقد له أبو بكر الصديق رضي الله عنه لواء فتح الشام، وأمره أن يعسكر بجيشه في تيماء شمالي الحجاز، وألا يقاتل إلا إذا قوتل، وكان الخليفة رضي الله عنه يقصد من وراء ذلك أن يكون جيش خالد بن سعيد رضي الله عنه عوناً ومدداً عند الضرورة، وأن تكون عينه على تحركات الروم، لكن خالداً رضي الله عنه اشتبك مع الروم التي استنفرت بعض القبائل العربية لقتال المسلمين، فهُزم هزيمة مروعة في مرج الصفر، واستشهد ابنه في المعركة، ورجع بمن بقي معه إلى ذي مروة ينتظر قرار الخليفة. ولما وصلت أنباء هذه الهزيمة إلى المدينة، فزع الصديق رضي الله عنه وأهمه الأمر، فجهز أربعة جيوش إلى الشام بعد أن استشار أهل الرأي والخبرة من الصحابة، واختار لها أكفأ قادته وأكثرهم معرفة بأمور الحرب وخبرة بميادين القتال، وحدد لكل جيش وجهته ومهمته التي سيقوم بها، وكان الجيش الأول تحت قيادة يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه، ووجهته البلقاء من أرض الأردن، وكان الجيش الثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه، ووجهته منطقة بصرى من أرض الشام. وجعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه قيادة الجيش الثالث لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، ووجهته منطقة الجابية في سهل حوران، وجعل له القيادة العامة عند اجتماع الجيوش الأربعة. أما الجيش الرابع فكان بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه، ووجهته فلسطين. وكان يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه أول أمراء الشام خروجاً، فغادر المدينة وخرج أبو بكر رضي الله عنه يمشي معه، ويزيد راكب في جنده، فقال له رضي الله عنه: يا خليفة رسول الله إما أن تركب، وإما أن تأذن لي فأمشي معك، فإني أكره أن أركب وأنت تمشي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما أنا براكب وما أنت بنازل، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، ثم أوصاه بوصية جامعة، تبين سلوك الفاتحين المسلمين وأخلاقهم في التعامل مع أهالي البلاد التي سيفتحونها، جاء فيها: يا يزيد، إني أوصيك بتقوى الله وطاعته، والإيثار له والخوف منه، وإذا لقيت العدو فأظفَركم الله بهم، فلا تغل، ولا تمثل، ولا تغدر، ولا تجبن، ولا تقتلوا وليداً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تحرقوا نخلاً، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة، ولا تعقروا بهيمةً إلا لمأكلة، وستمرون بقوم في الصوامع يزعمون أنهم حبسوا أنفسهم لله، فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له. وتمام الخبر في كتب التاريخ الموثقة.
أيها الناس: تشكل أميركا جيشاً لغزو العراق وأفغانستان، وتشكل جيشاً آخر ليعسكر في أوروبا واليابان، وجيشاً ثالثاً للسيطرة على أفريقيا، وجيشاً رابعاً وخامساً وسادساً وربما عاشراً للهيمنة على العالم لا بقصد هدايته إلى الرأسمالية والديموقراطية، ولكن للسيطرة على موارده ونهبها ولو أدى ذلك إلى القتل والدمار وانتهاك الحقوق والقيم الإنسانية. ولكن المسلمين كانوا يشكلون الجيوش الأولى والثانية والثالثة والرابعة وربما العاشرة بقصد هداية الناس إلى الإسلام ورعايتهم وحفظ أموالهم وأعراضهم.
أيها الناس: لم يسجل التاريخ جريمة واحدة قامت بها جيوش المسلمين ضد الانسانية، كالجرائم التي سجلها ولا يزال يسجلها التاريخ مما ارتكبته أميركا ضد الانسانية في العراق وأفغانستان والصومال وباكستان ولبنان وغيرها من مناطق فعاليات جيشها المجرم ومرتزقته الأشرار. ولم يسجل التاريخ هزة اقتصادية واحدة في تاريخ المسلمين الاقتصادي، أودت بمدخرات الناس، وهوت باقتصادهم في واد سحيق من المتاهات الاقتصادية والأوهام المالية، كما سجل ولا يزال يسجل الكوارث المالية والانهيارات في أسواق المال والأعمال، وهبوط العملات، وارتفاع الأسعار الجنوني الذي تسببت به أميركا صاحبة أكثر السياسات الاقتصادية سفهاً في تاريخ البشرية. فأي الفريقين أحق بالتأييد والتوقير والمساندة أفريكوم الأميركية أم شامكوم الإسلامية؟ وليم ورلد وريتشارد مايرز وديفد بتريوس وأضرابهم أم يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص رضي الله عنهم وعن أمثالهم؟ وهل يقول عاقل بأن المستقبل لأميركا وإجرامها، وأوروبا التي تسير في ركابها، وروسيا والصين اللتان تحاكيان رأسماليتها وديمقراطيتها وما شاكل ذلك من آفات العصر. أم ان العقل والمنطق يقضيان، ومن فوقهما الشرع، بأن الإسلام هو النظام العالمي البديل لهذه الأنظمة العفنة التي تتخبط في دياجير الظلمة؟ فاللهم اجعل ذلك اليوم قريباً.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: ليست المقارنة منحصرة في المجالين العسكري والاقتصادي، وإن كانا من ابرز نواحي الحياة، ولكن الرأسمالية الغربية قد أفسدت على الناس معايشهم العقائدية والاجتماعية بكفرها وإباحيتها، وأفسدت على الناس أنماط المعيشة الهادئة المتآلفة بإثارتها للنعرات القومية والوطنية والطائفية والمذهبية والفصائلية، وأفسدت على الناس وئامهم الأسري بدعوتها للفردية والنفعية والمصلحية في سلوك الناس، فقل احترام الصغير للكبير، وعطف الكبير على الصغير ورحمته، وأوشكت طاعة المرأة لزوجها أن تصبح شيئاً من الماضي، وفُقدت معاني الشرف والعفة، وضاعت الكرامة، وأضاع الرجال رجولتهم.
أيها الناس: إن خسائرنا بغياب الإسلام كبيرة وكبيرة جداً، ولن يعوضنا عنها إلا رجوع الإسلام قائداً لنا ومرجعاً ونبراساً وحكماً، وهذا لا يتأتى إلا إذا استؤنفت الحياة الاسلامية التي انقطعت، وعادت دولة الإسلام التي هدمت. فإلى العمل مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة أدعوكم أيها المسلمون. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.