(الخطبة الأولى)
أيها الناس: من يصدق أن ناقة تباع بأكثر من مليون ونصف المليون دولار؟ وهذا الخبر ليس نسج الخيال، وإنما تناقلته وسائل الإعلام التي ما فتئت تتحفنا بأخبار تحار فيها العقول السوية، وتنخلع لها قلوب المخلصين من المؤمنين. فقد بيعت ناقةٌ بكرٌ بالإمارات بمبلغ ستة ملايين درهم (1،633،000 دولار تقريباً) لتصبح بذلك أغلى ناقةٍ بكرٍ في العالم. وأعلنت إدارة معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية يوم أمس الخميس أن الناقة اشتراها الشيخ حمدان بن محمد بن راشد ولي عهد دبي، في مزاد أقيم مساء أمس. وذكرت أن الناقة تسمى (بيت الزعفرانة) ويملكها مركز الأبحاث البيطرية في الإمارات. وبيع خلال المزاد أكثر من 40 ناقة. ويشهد معرض أبوظبي للصيد، الذي انطلق أمس ويستمر حتى السبت، مزادات لأجمل الخيول والهجن بحضور الآف المهتمين والزوار ورواد الرياضات التراثية من الإمارات ودول الخليج. وللعام الثاني على التوالي يقام خلال المعرض مزاد للصقور، ويهدف للترويج لاستخدام الطيور المكاثرة في الأسر لممارسة رياضة الصيد كبديل عن الصقور البرية المهددة بالانقراض.
أيها الناس: ما هذا السفه في إنفاق المال والإسراف والتبذير؟ وأي عقل يحمل هؤلاء القوم في رؤوسهم؟ وأي قلوب تحويها جوانحهم؟ وهل حقاً هؤلاء أمراء على الناس وأئمة؟ وهل يستحق أمثالهم المدح والثناء من علماء الأمة؟ وهل يا ترى سمعوا بأزمة المال العالمية؟ فمن يشتري ناقة بمليون دولار، لا بد وأن رصيده بمئات الملايين من الدولارات أو ملياراتها؟ فمن أين جاءتهم هذه الأموال الطائلة؟ وأين هي هذه الأرصدة؟ ومن الذي منحهم إياها وبارك ملكيتها وأذن لهم بالتصرف فيها؟ وأسئلة كثيرة تعجز أطول القوائم عن استيعابها. ولا أظن أن أحداً قد بقي في المسلمين لا يعرف الإجابة عليها، خصوصاً بعد افتضاح أمر الحكام وحاشياتهم وأتباعهم وأشياعهم، وانكشاف أمر العلماء الذين يأتونهم ويقتاتون على فتات موائدهم. والحمد لله أن الناس قد باتوا يعرفون أنهم لصوص، وكل عالم يأتيهم فهو لص مثلهم، كما قال سعيد بن المسيب رحمه الله: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحذروا منه فإنَّه لصٌّ.
أيها الناس: في الوقت الذي تنقل لنا وسائل الإعلام أخبارَ هذا الأميرِ السفيهِ صاحبِ بيتِ الزعفرانة وأمثالِه من الأمراء السفهاء، وكيف أنهم يتقلبون في نعمة الله بالباطل، تطالعنا نفس وسائل الإعلام في كل يوم، بل في كل ساعة بأخبار الفقراء المسلمين المحرومين من أدنى مقومات العيش الكريم، وتصخُّ آذانَنا أخبارُ انهيارات الصخور الكبيرة تسحق بيوتَهم سحقاً، وتحطم جماجمهم وجماجم أبنائهم وذويهم، وتقذف بمن بقي منهم حياً في العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، لا يجدون قوتاً إلا من محسنين أقل منهم فقراً! ما هذا يا أمة الإسلام؟ أهذه وصية ربكم بإخوانكم وهو القائل: {إنما المؤمنون إخوة}، أم وصيته بفقرائكم وهو الذي جعل السهم الأول من أسهم الزكاة الثمانية للفقراء؟ أم أنها وصية نبيكم في إنفاق المال برشد وعقلانية، وهو القائل لمن سأله وكان معه ثلاثة دنانير: أنفق الأول على نفسك، ثم بالثاني على عيالك، ثم تصدق بالثالث؟!
أيها الناس: أيحصل هذا كلُّه في خير أمة أخرجت للناس؟ هذا السؤال الذي يجب أن يسترعيَ انتباهَ كلِّ واحدٍ فينا، وليس أيُّ أمرٍ غيرُه. وهو السؤال الذي ينبغي على كل واحد فينا أن يجد إجابة وافية شافية له حتى يتدبر أمره، ويحدد خط سيره، فالعمُر قصير، والأمر يحتاج بإلحاح إلى تدبير. وأما الجواب المتاح حتى الساعة على هذا السؤال فهو أن خير أمة أخرجت للناس قد أصابها مكروه، وأيُّ مكروه! لقد أصابها داء الأمم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: سيصيب أمتي داءُ الأمم، قالوا: يا نبي الله وما داء الأمم؟ قال: الأشرُ والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج. والهرج هو القتل. فمتى أصاب أمتَنا هذا الداء القاتل وكيف؟ لقد أصابنا لما أعرضنا! وكيف أعرضنا؟ لما تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! وكيف تركناه؟ لما أصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً! وكيف أصبح ذلك كذلك؟ لما غاض الحكم بما أنزل الله، واتبعنا أمر أميركا وبريطانيا وفرنسا وباقي دول الكفر والاستكبار العالمي، وما أمر أولئك برشيد. عند ذلك أصابنا داءُ الأمم الذي أصاب قومَ سبأ، وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}.
أيها الناس: عَوْد على بَدء، فلا يصلح أمرُ هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فصلاحها أول مرة كان بالإسلام – وهو معروف – ولن يصلح آخرها إلا به. ولكن كيف كان أوّلُ أمرها؟ كانوا عرباً متفرقين متناحرين يهتمون بالخيل والجمال أكثر من اهتمامهم بأولادهم وأهليهم، تقوم بينهم الحروب الطويلة إذا سبق حصانُ أحدهم حصانَ الآخر، وما داحس والغبراء منكم ببعيد، وهما اسما فرسين لقيس ابن زهير، وحمل ابن بدر، حيث اتفق قيس وحمل على رهان قدره مائة من الإبل لمن يسبق من الفرسين، وكانت المسافة كبيرة تستغرق عدة ايام، تُقطع خلالها شعب صحراوية وغابات، أوعز حمل ابن بدر لنفر من أتباعه بأن يختبئوا في تلك الشعاب قائلا لهم: إذا وجدتم داحساً متقدماً على الغبراء في السباق فردوا وجهه كي تسبقه الغبراء، فلما فعلوا تقدمت الغبراء، وحينما تكشف الأمر بعد ذلك اشتعلت الحرب بين عبس وذبيان، ودامت تلك الحرب أربعين سنة! وهذا بعض من داء الأمم: الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج. وما الخلافات والنزاعات التي تحصل بسبب السباقات والمسابقات والمباريات اليوم إلا صورة مستنسخة من صور الأشر والبطر الجاهلية. فلما جاءهم الإسلام، أذهب عنهم عيبة الجاهلية، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وجعلهم سادة الدنيا هداةً مهديين، مرضياً عنهم في الدارين. ما أحوجنا إلى هذا الدواء في زماننا هذا!
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لقد أصاب داء الأمم في زماننا أهلَ العراق فأشِروا وبطِروا وتنافسوا في الدنيا وتباغضوا وتحاسدوا وبغوا وأعرضوا وقتلوا فأصابهم ما أصابهم، وأصابهم في لبنان فأشروا وبطروا وتنافسوا في الدنيا وتباغضوا وتحاسدوا وبغوا وأعرضوا وقتلوا فأصابهم ما أصابهم، وكذلك أصابهم في الصومال وفلسطين وباقي بلاد المسلمين فأشِروا وبطِروا وتنافسوا في الدنيا وتباغضوا وتحاسدوا وبغوا وأعرضوا وقتلوا فأصابهم ما أصابهم، ولا زالت هذه السنة عاملةً في بلاد المسلمين جميعاً حتى ساعة إعداد هذه الخطبة، فمتى يصحو القوم من غفلتهم، ويتعافوا من داء الأمم الذي أصابهم؟ إن الحل الوحيد لهذه المعضلة، والدواء الوحيد لهذا المرض العضال يكمن في العمل لوقف هذا الأشر والبطر والتنافس في الدنيا والتباغض والتحاسد والبغي والإعراض والقتل، ولا يتأتى ذلك بكثرة الصلوات والتلبيات، ولا بخزعبلات المحافظة على حجارة أو آثار دارسة، ولكنه يتأتى بفك الارتباط نهائياً بأميركا وباقي دول الكفر مصدر هذا الداء وأس هذا البلاء، ولا يتأتى ذلك إلا بتغيير حكامنا الذين ارتبطوا بهم من غير فكاك يرجى، وإزالة أنظمة حكمهم الطاغوتية، إضافة إلى الدعاء عليهم، وهذا يستلزم العمل السياسي والفكري لتغييرهم، كما عمل النبي صلى الله عليه وسلم، ويستلزم استنهاض همم أهل القوة والمنعة من أنصار اليوم لقلعهم واستبدال خليفة واحد للمسلمين بهم جميعاً، كما فعل أنصار الأمس من الخزرج.
أيها الناس: هذا هو الطريق لا طريق غيره، ولا سبيل إلى الخلاص سواه، فالأدلة الشرعية عليه قائمة قوية، يشهد لها تاريخ ناصع مشرف بدأ من عهد النبوة وانتهى بانهيار الخلافة، ويصدقها واقع مرير مصاب بداء عضال اسمه داء الأمم، وليس في صيدليات العالم ومذاخر أدويته غير هذا الدواء الفعال يشفينا منه. فإلى العمل مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة أدعوكم أيها المسلمون، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.