(الخطبة الأولى)
أيها الناس: يقول أحد العمال الذي انضمّ منذ ستة أشهر مع ثلاثة من أشقائه إلى العاملين في مهنة حفر الأنفاق بين العريش الواقعة فيما يسمى بجمهورية مصر العربية ورفح الواقعة فيما يسمى بحكومة غزة المقالة برئاسة هنية، يقول هذا العامل: حسبنا الله ونعم الوكيل! لماذا يحاربوننا بهذا الشكل؟ مشيراً إلى سقوط ضحايا من زملائه العاملين بسبب التفجيرات أو الغازات المصرية. ما الذي دفعنا إلى هذا العمل أصلاً؟! فليفتحوا المعابر لنعمل بشكل طبيعي ونرتاح، هل نحن نهوى المعاناة ونريد المخاطر، لكن إذا لم يكن هناك بديل، فالموت في الأنفاق أكثر كرامة من الموت جوعاً أو بسبب عدم توفر الدواء! ويقول آخر: إن الأنفاق هي شريان الحياة لدى المحاصرين في غزة، ولكنها أضحت لهم قبوراً، في إشارة إلى تزايد أعداد الضحايا بسبب صعوبة العمل فيها، وقصف المصريين وغيرهم لها وتفجيرها فوق رؤوس العاملين فيها والمسافرين!
أيها الناس: أنفاق عديدة على امتداد الحدود التي تصل إلى نحو 13 كيلومتراً، وتتحدث التقديرات عن وجود 180 نفقاً، والبعض يقول إنها لا تقل عن 800 نفق، يعمل فيها آلاف الفلسطينيين لكسب الرزق عبر تجارة التهريب، مما حدا بما يسمى “الحكومة المقالة” إلى إصدار تعليمات لتنظيم وضبط هذه التجارة، وأخذ نسبة من الارباح الناتجة عن عمليات التهريب، على ألا يتعامل المهربون بتهريب الاسلحة والمخدرات الى القطاع. وكان عشرات المهربين والعاملين الفلسطينيين والمصريين قد لقوا حتفهم بسبب انهيار هذه الانفاق عليهم خلال وجودهم داخلها، وقيام قوات الامن المصرية بتدميرها وقصفها بالمدافع والغازات السامة، مستعينين بخبرات أميركية وتوجيهات إسرائيلية.
أيها الناس: في الوقت الذي يموت الناس في الأنفاق الحدودية في المنطقة الجنوبية، فإننا نجد أقواماً في المنطقة الشمالية وعلى بعد أميال معدودة منهم لا يعتبرون بما يحدث لإخوانهم في الجنوب، ويفخرون بأنهم قد اتفقوا على تبادل السفراء وترسيم الحدود بينهم بعد أكثر من ستين عاماً على استقلالهم المزعوم طبقاً لاتفاقية سايكس بيكو! في خطوة تعتبر طعنة أخرى تضاف إلى الطعنات التي تلقاها جسد الأمة الإسلامية من قبل وجعلته سبعةً وخمسين جزءاً. تلكم الطعنة هي اعتراف سوريا بلبنان كدولة مستقلة وعاصمتها بيروت! فهذا يشبه إلى حد بعيد وعد بلفور المشؤوم الذي أعطى فيه من لا يملك، وطناً قومياً لمن لا يستحق. وحكام سوريا ولبنان لا يملكون استقلالهم ولا قرارهم السيادي، كونهم غاصبين للحكم ومتسلطين على الشعوب في البلدين، ولا يحكمون بما أنزل الله أولاً، وعملاء للأميركيين والفرنسيين والإنجليز ثانياً، وثالثة الأثافي أنهم قد أجرموا بحق شعبيهم إجراماً تاريخياً يستحقون بسببه التعليق على أعواد المشانق، وقتلاً كقتل عاد وإرم.
أيها الناس: على الرغم من تباين آراء الناس داخل لبنان وخارجه تجاه هذه الخطوة السياسية فإننا نعتبرها بدعة سياسية منكرة، وجريمة جديدة تضاف إلى سلسلة الجرائم التي ارتكبها الكفار وأعوانهم من الحكام ضد المسلمين، وأن هذه الخطوة ستفتح الباب واسعاً لأعمال التهريب بين البلدين، وسيضطر الناس إلى حفر الأنفاق للتنقل وطلب الرزق، وسنسمع عن تفجيرات لتلك الأنفاق، وقتل الحافرين لها والمتسللين خلالها، كما سمعنا عن وقوع مثُلاتها التي خلت بين غزة ومصر، وبين سوريا والعراق، وبين ضفتي نهر الأردن، وبين الصومال واليمن، وبين باقي بلاد المسلمين التي تفصلها الحدود وما يترتب عليها من قطع للسبل عند نقاط التفتيش فيها والمراقبة، وما يعانيه الناس ويكابدونه من مشاق وصعاب ومذلة عند عبورها.
أيها الناس: نظراً لفساد الذوق السياسي عند كل من الحكام في سوريا ولبنان، فقد لاقت هذه الخطوة ترحيباً رسمياً سورياً ولبنانياً، ونظراً لفساد الأنظمة العربية كافة فقد رحب الحكام وأبواقهم بهذه الخطوة، وأما على المستوى الدولي، فإنها جاءت لتنسجم مع نظرة أميركا وأوروبا بضرورة بقاء العالم الإسلامي مفتتاً مجزأً، ويسعون دوماً إلى إحداث المزيد من التفتيت والتجزئة فيه، وما جنوب السودان ودارفوره والصحراء الغربية منكم ببعيد. ومن المفارقات العجيبة أن مسؤولاً فيما يسمى بالخارجية الإسرائيلية قد امتدح الخطوة وقال إن من شأنها المساهمة في استقرار المنطقة! ولماذا العجب؟ فعندما قسمت بلاد المسلمين أول مرة بعد الحرب العالمية الثانية وتم تفعيل اتفاقية سايكس بيكو، ذهب غورو قائد الجيش الفرنسي إلى قبر صلاح الدين وركله بقدمه قائلاً: ها قد عدنا يا صلاح الدين.
أيها الناس: إن من المؤسف حقاً أن يرحّب رئيس المكتب السياسي للجماعة الإسلامية في لبنان بالقرار، ويقول “إنها خطوة إيجابية على طريق تحسين العلاقات بين البلدين”. ويضيف: “نحن كمسلمين ولبنانيين بشكل عام، ينبغي أن نتحمّل مسؤوليتنا تجاه مجتمعنا. وهذا لا يتعارض مع تطلعاتنا إلى الوحدة والتعاون المنفتح إلى أبعد الحدود مع المجتمعات الإسلامية الأخرى”. ويعقّب بقوله: “نسعى إلى الاستقرار وتحصين بلدنا وإبعاده عن شبح الاضطرابات. ويحك يا أخي، كيف تشجع على تقسيم بلاد المسلمين؟ وكيف بالله عليك ستستقر بلادنا إذا قسمت، وباعد الكفار بين أسفارنا؟ ألا ترى أن المسافة التي تقطع بدقائق معدودة بين بلدين متجاورين في العالم الإسلامي قد تحتاج إلى ساعات بل إلى أيام لقطعها عبر نقاط الحدود الآثمة، أو الأنفاق القاتلة؟ بل ربما لا يستطيع قطعَها أبداً من لا يحمل أوراقاً “سليمة"، وأختاماً وتأشيرات “مناسبة"، وإن حملها فلا بد من الرشاوى والوساطات. وأقول لكل من يبتهج بترسيم الحدود بين بلاد المسلمين، ويفرح بفتح السفارات المتبادلة بينهم: إن هذا العمل فوق كونه حراماً لا يقبله الله ورسوله، فهو من صنع الكفار سابقاً، ويلقى قبولهم واستحسانهم لاحقاً، فكيف بالله عليكم تأكلون طعام الأثيم، وتفرحون بلقمة من شجر الزقوم؟
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن عدد السفارات والقنصليات بين بلاد المسلمين قد يصل إلى الآلاف في الوقت الذي يحرم فيه إقامة سفارة واحدة أو فتح قنصلية واحدة بين بلاد المسلمين الواحدة. ولكم أن تتخيلوا حجم الأعمال القبيحة التي تقوم بها السفارات من تجسس وعرقلة لمصالح الناس، ومقدار النفقات الهائل الذي تتكبده ميزانيات دويلات الضرار التي أوجدتها على حساب أقوات الناس. فما هذا السفه السياسي أيها القوم؟ أليس فيكم رجل رشيد؟ لقد كنا نحلم باستغناء الأقطار العربية والإسلامية عن السفارات فيما بينها لتفتح حدودها أمام شعوبها لعبور كافة أراضي أمتهم المترامية الحدود والحضارة والتاريخ والثروات، لا أن نحتفل بإقامة سفارة جديدة بين بلدين كانا بالأمس بلداً واحداً وفرَّقت بينهما اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة. ولكن حلمنا هذا لن يتبدد، بل سيصبح حقيقة واقعة قريباً بإذن الله عندما تقوم دولة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة، فتوحد بلاد المسلمين في دولة واحدة، وتبطل أعمال السفارات كافة، وتحول موظفيها إلى مجالات عمل أخرى، وأبنيتها إلى مجالات استخدام أخرى، يتحقق فيها النفع والفائدة للمسلمين بدل المضرة والفساد الحاليين، ولن تسمعوا بعد ذلك اليوم الموعود أن فلاناً قد قدم أوراق اعتماده كسفير لبلاده في بلد مجاور إلا أن يكون ذلك البلد دار كفر أصلاً، كاليابان أو البرازيل، وذلك بعد أن يكون الخليفة – وليس غيره - قد قرر فتح سفارة لدولة الخلافة في ذلك البلد طبقاً لمتطلبات أعمال حمل الدعوة الإسلامية لنشر الإسلام، وهداية الخلق إلى الدين الحق.
أيها الناس: يلزمنا لتحقيق هذا العمل الجليل أمران: أولهما أن تعملوا مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، وثانيهما أن يأذن الله للعاملين بالنصر والاستخلاف والتمكين والأمن مصداقاً لقوله عز وجل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. فإلى العمل مع العاملين أدعوكم أيها المسلمون، ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون.