(الخطبة الأولى)
أيها الناس: روى الراوون أن ملكاً في الجاهلية يقال له عمر بن هند، سأل جلاسه قائلا: هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي قالوا: لا نعلم إلا ليلى بنت المهلهل بن ربيعة أم عمرو بن كلثوم سيد قبيلة تغلب، فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره، ويسأله أن يصحب معه أمه، فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة في جماعة من قومه وأمه معه ودخل على الملك في رواقه بين الحيرة والفرات، أما أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة فقد دخلت على أم الملك هند في قبتها، وهي عمة امرئ القيس الشاعر المشهور، ولما حان وقت الطعام قالت هند لليلى: ناوليني ذلك الطبق، فقالت لتقم صاحبة الحاجة إليه، فأعادت عليها وألحت فصاحت ليلى قائلة: وا ذلاه يا لتغلب، فسمعها ابنها عمرو بن كلثوم فاختطف سيفا لعمرو بن هند وضرب به رأسه حتى مات، ونادى قومه فنهبوا جميع ما في ذلك الرواق، وساقوا إبله وعادوا إلى الجزيرة. وعمرو بن كلثوم هذا هو الشاعر صاحب المعلقة المشهورة التي يقول في مطلعها:
أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَـا == وَلاَ تُبْقِي خُمُـوْرَ الأَنْدَرِيْنَـا
مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فِيْهَـا == إِذَا مَا المَاءُ خَالَطَهَا سَخِيْنَـا
ومن أطرف ما ذكر عن المعلقة أن بني تغلب كباراً وصغاراً كانوا يحفظونها ويتغنون بها زمناً طويلاً، وحُقَّ لهم ذلك.
وروى الراوون أن رجلاً من المسلمين يقال له عمرو بن سالم الخزاعي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يستنصره على بني بكر لما نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال:
يا رب إني ناشد محمدا == حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا == ثمة أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا == وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا == إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا == إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا == وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا == وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا == وقتلونا ركعا وسجدا
قال ابن إسحاق: وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نصرت يا عمرو بن سالم”. ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء فقال إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب، ولا زال المسلمون يتغنون بهذا الإنجاز العظيم، وحق لهم ذلك.
أيها الناس: هذان نموذجان جاهلي وإسلامي، انتصر في الأول ولي أمر امرأة تطاولت عليها امرأة أخرى، فقتل وليها من فوره، وانتصر في الثانية ولي أمر المسلمين وحليفُ قبيلة تطاولت عليها قبيلة أخرى من حلف المشركين، فهدم حصن أوليائهم المشركين مكة، واقتلع نفوذ الشرك منها إلى الأبد.
وهكذا نعهد كل حر يداس على طرفه، وينتقص من حقوق أوليائه وحلفائه. أما أن يقتل سبعة أشخاص ويجرح آخرون في عملية عسكرية نفذتها مروحيات أميركية على منطقة البوكمال في محافظة دير الزور السورية القريبة من الحدود العراقية، ولا تغلي الدماء في عروق رجال الحكومة التي تحكم البوكمال وعشرين مليوناً من المسلمين غيرهم، ولم نسمع أو نقرأ عن رد معقول يتناسب مع حجم الدماء التي أهريقت، والجراح التي أثخنت الأبرياء من المواطنين الآمنين. بل قد نقلت وكالات الأنباء عن شهود عيان من المنطقة قولهم إن الهجوم استهدف منزلا وقتل فيه رجل وأبناؤه الأربعة وعاملان كانا قرب المنزل، إضافة إلى جرح عدة أشخاص آخرين. وقالت وكالة الأنباء الألمانية نقلا عن مقيمين بالمنطقة إن أربع مروحيات هاجمت المنطقة، وإن ثمانية جنود نزلوا من اثنتين منها وأطلقوا النار على مجموعة من عمال البناء، ثم أقلعتا وغادرتا مع الأخريين الأجواء السورية. وأكدت مصادر في مستشفى “الباسل” الحكومي السوري في البوكمال للوكالة نفسها استقباله سبع جثث وأربعة جرحى، مضيفة أن الجميع مصابون بطلقات نارية، في حين لم تطلق طلقة واحدة على هذه الطائرات المغيرة! أين هي مضادات الطائرات المنصوبة على الأرض؟ وأين هم نسور الجو حماة الوطن وحراس الحدود؟ وأين هي اتفاقيات الدفاع المشترك بين دول الخسة والنذالة والسقوط والتردي؟
أيها الناس: هذا والله هو خزي الدنيا والآخرة، ولم نعهد مثل هذا في سيرة حكام المسلمين الأولين أو الآخرين، ولكنه سمة من سمات حكام الجاهلية الثانية الذين أسقطوا براقع الحياء كافة، وهتكوا أستار الكرامة فما أبقوا منها ستراً واحداً يغطي نذالتهم وخستهم. ووالله إن الجاهلية الأولى لتستحيي من هذه الجاهلية الجبانة، وتخجل من عارها الذي تأباه النفوس الكريمة، وتعافه الطباع السليمة. فمن جملة ما قاله عمرو بن كلثوم في معلقته مفاخراً بقدرته الحربية، وسطوته في ميادين القتال:
وَقَـدْ عَلِمَ القَبَـائِلُ مِنْ مَعَـدٍّ == إِذَا قُبَـبٌ بِأَبطَحِـهَا بُنِيْنَــا
بِأَنَّـا المُطْعِمُـوْنَ إِذَا قَدَرْنَــا == وَأَنَّـا المُهْلِكُـوْنَ إِذَا ابْتُلِيْنَــا
وَأَنَّـا المَانِعُـوْنَ لِمَـا أَرَدْنَـا == وَأَنَّـا النَّـازِلُوْنَ بِحَيْثُ شِيْنَـا
وَأَنَّـا التَـارِكُوْنَ إِذَا سَخِطْنَـا == وَأَنَّـا الآخِـذُوْنَ إِذَا رَضِيْنَـا
وَأَنَّـا العَاصِمُـوْنَ إِذَا أُطِعْنَـا == وَأَنَّـا العَازِمُـوْنَ إِذَا عُصِيْنَـا
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً == وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا
أَلاَ أَبْلِـغْ بَنِي الطَّمَّـاحِ عَنَّـا == وَدُعْمِيَّـا فَكَيْفَ وَجَدْتُمُوْنَـا
إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفـاً == أَبَيْنَـا أَنْ نُقِـرَّ الـذُّلَّ فِيْنَـا
مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّـا == وَظَهرَ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِيْنَـا
إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ == تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا
يا لها من نفسية عظيمة! يتمنى العربي اليوم لو يملك عشر معشارها في نفسه أو نفوس حكامه.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: بعيداً عن العرب والعروبة قديماً وحديثاً، فنحن قوم مسلمون، وقد أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. ولنا في رسول الله عليه السلام أسوة حسنة، ولا نقبل التأسي بغيره، وقد رأيتم ماذا فعل عليه الصلاة والسلام بقريش وأحلافها لما نقضت بنو بكر عهدها، وكيف أنه عليه السلام جيش الجيوش حتى أتى عقر دار القوم في مكة، فحاصرها، ودخلها فاتحاً فتحاً ربانياً تاريخياً، مصداقاً لقوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً}.
ونحن نقول رداً على شهداء البوكمال وغيرهم من المسلمين الذين قضوا نحبهم ظلماً في ظل رويبضات زماننا: نقول إنه لا يثأر لهم بشار ولا بشير، ولا ينقذ الأحياء من بعدهم خوان ولا أثيم، فالأمر أكبر من اللاعبين في الحلبة السياسية الإسلامية كافة، وأعظم من أن نمر عليه مرور الكرام، ولا تقنعنا الردود التافهة الباهتة، ولا نقبل بإغلاق مركز ثقافي أميركي أو حتى سفارة، أو إنهاء التعاون الأمني مع الولايات المتحدة والعراق احتجاجا على الغارة، أو خفض عدد القوات على الحدود مع العراق، أو التظاهر المحدود تنديداً بها. ولا نصدق أبداً من يحتفظ بحق الرد في الوقت المناسب، أو يشجب أو يستنكر، فتلك شنشنة نعرفها من أخزم، ولا نريد أن نرى بين أظهرنا من يضبط نفسه حيال هذه الأحداث المؤلمة وأمثالها مما يسيء إلى كبرياء المسلمين وكرامتهم ودينهم وقرآنهم ونبيهم وآل بيته، وتنتقص من سيادة المسلمين وتزهق نفوس أبنائهم وتنتهك أعراضهم.
فقد سئمنا هذه الهرطقات، ومللنا تلك التصريحات. فالأمر جد لا هزل، ووالله لو كان على الناس إمام عادل وخليفة مبايع لما شفا نفسه ونفوس المسلمين غير إعلان حرب لا تبقي ولا تذر، تضرب يمنة ويسرة بكل ما أويتيت الأمة من قوة وطاقات وأسلحة وإمكانيات، حتى يلقن المعتدين درساً لا ينسوه أبداً، أو يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فإلى العمل مع العاملين لإيجاد الخليفة الذي يستحق لقب الحاكم بجدارة أدعوكم أيها المسلمون، فالخلافة هي درع المسلمين الواقي، وحصنهم الحصين، وحبل الله المتين، ترد المعتدين، وتفتح الفتوح أمام المؤمنين لنشر دين الله، ولا نامت أعين الجبناء.