(الخطبة الأولى)
أيها الناس: تتبجح الولايات المتحدة الأميركية بأن ديموقراطيتها قد أوصلت رئيساً عليها ينحدر من أصول إفريقية، وذلك بعد قرون طويلة من التمييز العنصري بين الناس على أساس لون بشرتهم. وليس من حقها أن تتبجح بهذا الإنجاز المتواضع المسبوق، بل هو من أبسط حقوق الإنسان التي طالما تغنوا بها، وزعموا أنهم يرعونها حق رعايتها. وما فعلوا، وهم الذين أبادوا عرقاً عريقاً في بلادهم من الهنود الحمر أصحاب الأرض الأصليين، أبادوهم لمجرد أنهم ملوّنون، وقتلوهم قتل عاد وإرم - لا لذنب اقترفوه - إلا كونهم الأضعف في معادلة الاستعمار الظالمة، ولم يسمحوا لأحد غير ساكسوني يتبوأ منصباً سيادياً إلا بعد أن تأكدوا أن نظامهم السياسي الرأسمالي يمكن له أن يستأجر أي شخصية مهما كان لونها أو عرقها لخدمة أصحاب رؤوس المال الحكام الحقيقيين. فلا يتوهمنّ أحد أن رئيس الولايات المتحدة الأميركية هو صاحب القرار الأول والأخير في بلاده كما هو حال الخليفة في بلاد المسلمين، فالأول منتخب ليحقق مصالح الرأسماليين، والثاني مبايع ليحكم بين الناس بما أنزل الله، والأول موظف والثاني حاكم، وشتان بين مشرّق ومغرّب!
أيها الناس: إن تاريخ الولايات المتحدة الأميركية الإجرامي الأسود منذ نشأتها في أرضها، وفي معظم أرجاء الدنيا التي دخلتها، قد بلغ حداً يفوق الوصف من بشاعته وسوئه، ولا يمحوه من ذاكرة البشرية ماحٍ، مهما بذل من جهود لتخفيف معاناة المستضعفين في الأرض، والذين يئنون تحت وطأة جبروت القوة الأميركية وغطرستها، ولا زالت أفغانستان والعراق تكابدان القتل والدمار، ولا يمكن لأحد أن ينسى فيتنام. فمن عرف الولايات المتحدة الأميركية حق المعرفة، لا تنطلي عليه حيل الرأسماليين وقدرتهم على التلاعب في مشاعر الناس، والعزف على أوتار المساواة والحرية الفارغة من أي محتوى، ومن عرفها حقاً روّى رمحه منه غير راحم. وأخص بكلامي هذا بعض المسلمين الذين ابتهجوا بفوز أوباما رئيساً لأميركا، وكأنهم رأوا الخليفة المبايع، ما أجهلهم بحقائق الأمور! وما أجهلهم بأمور دينهم! أما حقائق الأمور، فالرئيس الأميريكي هو أجير عند الرأسماليين، يؤدي دوره الوظيفي أربع سنوات أو ثمان، ثم يرمى على قارعة الشارع السياسي، ليؤتى بغيره من القادرين على تحقيق مصالحهم وفق المتغيرات والمعطيات الجديدة، لضمان استمرار هذه المصالح، بل وزيادة وتيرتها إلى أعلى حد ممكن. وأما أمور الدين الإسلامي، فلا علاقة لرئيس أميركا بحياة المسلمين، شأنه في ذلك شأن رئيس روسيا والصين وفرنسا وباقي دول الكفر، فرئيسهم يحكمهم بنظامهم الكافر، والمسلمون يحكمهم خليفتهم بما أنزل الله، والفرق بين الأمرين شاسع واسع. فالكفر نقيض الإيمان، والرأسمالية نقيض الإسلام كما الاشتراكية والشيوعية وأي نظام آخر من وضع البشر. ومن ناحية أخرى، فإن هذا الرئيس المنتخب، واسمه باراك حسين أوباما، يدل اسم أبيه على أنه كان مسلماً، فإن ارتد أبوه فباراك ابن مرتد يدفع الجزية إن قُدر عليه، وإن ارتد هو إلى النصرانية فعنقه الطويلة التي أطل بها على العالم مطلوب قطعها، كما روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من بدل دينه فاقتلوه.
أيها الناس: إن الذي تابع الحملة الانتخابية لباراك أوباما يكتشف دون عناء أنه موالٍ لأميركا وسياساتها العدوانية الإجرامية حتى النخاع، وأنه صديق حميم لإسرائيل لا يساوم على أمنها أو وجودها، وأنه عدو لدود للإسلام والمسلمين، وأنه سيرسل المزيد من القوات الباطشة إلى أفغانستان ليقتل المزيد من إخواننا المسلمين المجاهدين المحاربين والمدنيين المسالمين، وأنه سيستمر في قتل إخواننا المسلمين في العراق وسوريا وباقي بلاد المسلمين، وأنه سيشكل رأس حربة للسيطرة على إفريقيا، وتنفيذ سياسة أميركا الاستعمارية تجاهها، وتفعيل قوات الأفريكوم التي ستسيطر عليها، وسيكون وجود رئيس أسود على رأس أميركا سائغاً للشاربين من حكام إفريقيا العملاء لتقبل نفوذ أميركا فيها، وقلع نفوذ الإنجليز والفرنسيين منها.
أيها الناس: نعود إلى تبجح الأميركيين البيض بانتخاب رئيس أسود، وهم يظنون بهذا أنهم يحسنون صنعاً، وأنهم قد أتوا بما لم تأت به الأوائل! نقول لهم: إنكم واهمون، فالإسلام الذي أنزله الله عز وجل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن تُكتشف أميركا وتصبح رقماً صعباً في معادلة الأمم والشعوب اليوم، هذا الإسلام الذي حكم معظم أنحاء العالم القديم ردحاً طويلاً من الزمن يفوق اثني عشر قرناً من الزمان، هذا الإسلام يا قوم قد جعل مقياس التفاضل بين الناس هو التقوى، ولم يجعل للون أو عرق أو ثروة أو جاه أو غير ذلك مما يتفاضل به الناس بينهم، لم يجعل لشيء من ذلك أثراً أو قيمة. فاسمعوا إن لم تكونوا قد سمعتم من قبل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: يا أيها الناس: ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلّغت؟ قالوا: بلّغ رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خلق الإنسان من طين من الأرض، فقدَّر الرحمن سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قدْر كل شخص في الأرض، فكان الناس معادن في طباعهم وفي ألوانهم وفي أصالتهم. فنجد أن الناس فيهم مثل الذهب نفيس جداً، ونجد أن فيهم مثل التراب والحجارة التي لا قيمة لها، ونجد أن فيهم الأبيض والأحمر والأسود، فيخلق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ما يشاء، وهذا من آياته عز وجل في مخلوقاته. قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ}. ولما جعل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هذه المعايير، جعل هنالك ابتلاءاً، فالناس مبتلون، فهناك من يعيَّرون بألوانهم، وهناك أناس يعيرون بنسبهم، ومنهم من يعير بجنسه وعنصره وكذلك بدينه. فالأنبياء والرسل الكرام عُيروا بالإيمان، كما قال تعالى: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ أي نراك في ضلالة، إلى آخر ما عيّر به الأنبياء، فكيف نستغرب أن يعير الإنسان بنسبه أو بلونه أو منزلته الاجتماعية وغير ذلك؟ فتلك من موروثات الجاهلية والحكم بالغريزة البشعة التي لا يوجهها قانون محترم، وامتداد لعصور الإقطاع والعبودية التي أذاقت البشرية كافة الويلات والإهانات.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن الدين الإسلامي هو الدين المختار على باقي الأديان، وهو النظام الذي يصلح لأن يربط الإنسان بأخيه الإنسان حين يسير في طريق النهوض والارتقاء، وهو النظام المؤهل لقيادة البشرية وحكمها جميعاً بما أنزل الله، وقد جعل الإسلام رأس الدولة الإسلامية خليفة واحداً يحكم بشرع الله، ولو أصبحت مساحة الدولة الإسلامية تغطي العالم بأسره، ولم يحدد الإسلام لحاكمها لوناً أو عرقاً معيناً. روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة. فلو كانت زبيبة باراك أوباما فوق رأس مؤمن تقي يسعى لمنصب الخليفة في بلاد المسلمين، لما تردد أحد منا في انتخابه ومبايعته، أما تكون تلك الزبيبة تعلو رأساً كافراً مليئاً بالحقد على الإسلام والمسلمين، موالياً لأعداء الله ورسوله والمؤمنين، فوالله لا تقر لنا عين حتى نطيح به وبزبيبته وبإدارته وبدولته، لنقيم مكانها حكم الله في أرض الله، وتصبح أميركا جزءاً من ولايات دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة والقائمة قريباً بإذن الله.
أيها الناس: هذا هو الاتجاه الذي ينبغي أن يحكم أولوياتنا في زماننا، ولا يجوز لنا أن نتهوك يمنة ويسرة، نتبع كل ناعق، ونرجو من باراك أوباما حلولاً لمشاكلنا! وهل يُجتنى من القتاد إلا الشوك؟ ألا فارتفعوا أيها القوم عن سطحيتكم، وثوبوا إلى رشدكم، وارجعوا إلى ربكم واستغفروه وتوبوا إليه، واعملوا كما عمل أسلافكم الأخيار من الصحابة الأبرار مع نبيكم خير الأنام للمفاصلة بين الكفر والإيمان، وإقامة دولة الإسلام التي تضع الأمور في نصابها، وتعيد المياه إلى مجاريها، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فاللهم اجعلنا من جنودها وشهودها، ومن العاملين المخلصين لإقامتها.