(الخطبة الأولى)
أيها الناس: هناك في وكر التآمر الدولي حيث يشد الخونة والمتآمرون على ديننا وأمتنا رحالَ خيانتهم وتآمرهم ليحطوا بها في نيويورك ظانين أن حصونها ستمنعهم من الله إذ يبيتون ما لا يرضى من القول لحضور مؤتمر لحوار الأديان الذي دعا له ملك السعودية، هناك يتعاقب كبراؤهم على منصة الخطابة فيما يسمى بالجمعية العامة للأمم المتحدة، ينفثون سمومهم الفكرية عبر خطابات تحمل كلمات الكفر والضلال مغلفة بغلاف التسامح الديني وحوار الأديان وما شاكل ذلك من ألفاظ ما أنزل الله بها من سلطان! هناك يحلون الحرام ويحرمون الحلال، يريدون أن يبدلوا كلام الله ويلغوا الجهاد في سبيل الله! هناك يبغون ديناً غير دين الله مناسباً للقرن الواحد والعشرين الميلادي، يبغون ديناً ترضى عنه اليهود والنصارى. فمن هؤلاء القوم؟ وماذا يصنعون في نيويورك؟ ومع من يجتمعون؟ وما هي أهدافهم من السفر إلى ذلك المكان البعيد في قلب دار الكفر؟ وأسئلة أخرى كثيرة تدور في أذهاننا حول هذه المسألة الخطيرة.
أيها الناس: إن مؤتمر حوار الأديان هذا يشكل سابقة خطيرة، خلافاً لما سبقه من مؤتمرات، فالمؤتمر الحالي قد تم برعاية الأمم المتحدة، وحضره سياسيون بارزون من الكفار صناع القرار في العالم وأبرز أذنابهم من حكامنا، يريدون من وراء عقده أن تكون الأديان مسخرة لأهواء الإنسان، خلافاً لما أرادها الله عز وجل الذي أرسل الرسل عليهم السلام بالأديان لإخراج الناس من ظلمات الكفر والأهواء إلى نورالإيمان والالتزام، فالأديان حاكمة على الإنسان وليس الإنسان حاكماً عليها. وقد أثنى الرئيس الأميركي على صاحب المبادرة، ودافع عن حق أي شخص في تغيير دينه وقال: إن حماية الحرية الدينية كانت الدافع وراء الحروب التي خاضتها بلاده في كوسوفو وأفغانستان والعراق، وأنها وفرت حماية للمسلمين هناك!! وأعلن أن واشنطن تعمل من أجل وضع الحرية الدينية في صلب سياستها الخارجية. وقال: أنشأنا لجنة لمراقبة الحريات الدينية حول العالم...ضد الساعين إلى جر الناس نحو الشر. هذا بعض ما قاله الرئيس الأميركي، وأما باقي رؤساء الكفر فقد أثنوا على المبادرة أيضاً، بمن فيهم الرئيس الإسرائيلي!!
أيها الناس: نأتي الآن لما قاله رؤساء دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي الذين حضروا المؤتمر، وهم يزعمون أنهم مسلمون، فهذا الرئيس الباكستاني يشدد في كلمته أمام المؤتمر على أن ما وصفه بخطاب الكراهية الموجه ضد الإسلام أعطى مبررا لارتكاب الكثير من الجرائم بحق المسلمين، وقال: “إن هناك تصاعداً في موجة التخوف غير المبرر من الإسلام، وهذا ما يأمل الإرهابيون حدوثه”. وأما ملك السعودية - صاحب المبادرة - فقد اعتبر في كلمته أن الإرهاب عدوّ كل الأديان، ودعا إلى قيام جبهة موحدة لمحاربته، وتعزيز التسامح، وإيجاد ثقافة الحوار بين الشعوب، وتجاوز نقاط الخلاف بين أتباع الأديان والثقافات، معتبرا أن التركيز على الخلاف أدى إلى التعصب، وإلى حروب مدمرة لم يكن لها مبرر. وإن هذا المؤتمر يعتبر إعلانا تاريخيا لنهاية الحروب الدينية وصراع الحضارات، يقوم مكانها تعاون بين الناس بغض النظر عن معتقداتهم. وقال إن هذا الحوار بين الأديان - إن تم بطريقة حضارية - كفيل بإحياء القيم السامية وترسيخها في نفوس الشعوب والأمم، مشيرا إلى أن الأديان التي أراد بها الله عز وجل إسعاد البشر لا ينبغي أن تكون من أسباب شقائهم. {قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. أما أمير دولة الكويت فقد دعا المؤتمرين إلى إصدار تعهد عالمي باحترام الأديان وعدم المساس برموزها ومعاقبة من يتجرؤون على ذلك، والالتزام بمنع الحملات التي تسعى لتعميق الخلاف بين الأديان.
أيها الناس: إننا قوم مسلمون، ولا نبحث عن إجابة عن تلك الأسئلة وغيرها من مواضيع الدين والعقيدة وأنظمة المجتمع إلا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو كره الكافرون، ولو كره المشركون، ولو كره الحكام الداعون لهذا المؤتمر والحاضرون والغائبون المؤيدون. فماذا نجد في كتاب الله؟ إننا نجد قول الله عز وجل: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، ثم نجد قول الله عز وجل: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. ثم نجد في السنة المطهرة ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟” وما رواه ابن كثير في الصحيح أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فغضب وقال: أتتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني. وما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم). فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأَتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة، يقيها الحجارة. ونجد في سيرة ابن هشام ما قاله ابن اسحاق وهو يروي قصة نصارى نجران: فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلما، قالا: قد أسلمنا، قال: إنكما لم تسلما(فأسلما)، قالا: بلى، قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير..صدق الله وصدق رسوله، وكذب حكامُ العرب وأسيادُهم في الغرب والشرق، والويل والثبور لهم ولمن رضي وتابع.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: كانت تلك إجابات ديننا على أسئلتنا، وأما الملك الداعي لمؤتمر حوار الأديان فإنا نعرفه حق المعرفة، فليس هو ذاك المفكر الكبير الذي يطرح على أمم الأرض أفكاراً نيرةً لهدايتهم، وما هو مستخف بالليل وسارب بالنهار عاكفاً على صناعة الأفكار والخروج بالمبادرات السياسية والفكرية، بل إنه لا يحسن القراءة والكتابة، فكيف يدعو لمؤتمر يناقش قضايا عقائدية معقدة تحتاج إلى الراسخين في العلم كي يمخروا عباب بحارها ومحيطاتها؟ ثم إننا نسأل عن علماء الحجاز ونجد، لماذا لم يتقدموا ليقولوا كلمة حق فيما يفعله ولي أمرهم؟ أم أنهم اكتفوا بعدم مرافقته إلى ذلك الماخور السياسي؟ ونسأل عن باقي علماء المسلمين الذين يتسابقون على الإفتاء في أدق الأمور وأصغرها، ما بالهم يغفلون عن عظائمها؟
أيها الناس: {إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، إنهم يريدون منا أن نسير في ركاب الرأسمالية اليهودية والنصرانية، إنهم يريدون أن يضعوا البرامج الواسعة لتدمير ديننا وثقافتنا وحضارتنا وإفساد عقول أبنائنا، إنهم يريدون أن يوقفوا زحف الأمة الأسلامية بقيادة المخلصين من أبنائها لإقامة دولة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة، إنهم يريدون تأليب العالم أجمع والمسلمين من بعدهم ضد كل من يعمل لإعزاز دين الله وظهوره على الدين كله، إنهم يريدون منا أن نترك قول الله عز وجل لقول ملك أخرق، إنهم يلعبون بالنار التي لن تحرق إلا أصابعهم، فستكتب أقوالهم ويسألون، وسينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.