الثلاثاء 14 ربيع الأول 1433 هـ الموافق 07/شباط/2012 مـ ...............

فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين قسمات فرعونية لطاغية الشام ثورة الشعوب لا تكتمل إلا بثورة الجيوش فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا آجُرّةُ سِنِمّار اللهم أنصارا كأنصار الأمس
 

 

الرأسمالية دمار شامل والإسلام دين كامل _فيديو من الأقصى نصرة لأهل الشام_فيديو زعماء ما يُسمى بالإسلام المعتدل يتبرؤون من الالتزام بالأحكام الشرعية وينغمسون في مستنقع الديمقراطية ا الدرس السادس والعشرون_عبادة الصبر لله_فيديو قسمات فرعونية لطاغية الشام_فيديو الذكرى الأولى للثورة المصرية مسيرة الإنسان بين الإيمان والفتنة_فيديو الدرس الخامس والعشرون_آية “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"الإخلاص لله في عبادته_فيديو مسجد ضرار ومنظمة الضرار الفلسطيني_فيديو فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا_فيديو
 

 

مفاوضات أم مراودات؟

(الخطبة الأولى)
أيها الناس: لقد حاول كفار قريش ثني النبي صلى الله عليه وسلم عن دعوته، وبذلوا ما وسعهم لمراودته عن مواقفه الثابتة في تبليغ رسالته التي أوحى الله إليه بها، وكلفه أن يحملها ويصبر على الأذى في سبيلها. قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً. إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً. إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً. رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً. وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً. وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً. إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً. وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً}. ومن محاولتهم تلك أنهم عرضوا عليه مُلكاً ومالاً ونساءاً ودواءاً. جاء في كتاب الروض الأنف: (اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فأْتِهم فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا له - فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا - فربما كان ذلك، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.

أيها الناس: وهكذا، عملت سنة المراودة مع الرسول العظيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وظهرت جلياً عداوة الحق والباطل، فأهل الباطل لم يقفوا مكتوفي الأيدي لمواجهة الرسول عليه السلام ودينه الجديد الذي جاء به، بل حاربوه أشد الحرب وأشد الأذى، واتهموه بأشنع التهم، وحاصروه في الشعب هو وأصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، بل أرادو قتله. ولم يتخلوا عن وسيلة يستطيعون أن يؤثروا بها عليه إلا استخدموها لكبت هذا الدين ولغمط هذا الحق بالترغيب تارةً والترهيب تارةً أخرى. وكانت المروادة من كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم من موقعهم القوي بزعمهم، تجاه رجل في موقف ضعيف حسب ظنهم. ولكنها تختلف تماماً عن المفاوضة التي يتحاور فيها طرفان متساويان، فيطرح كل منهم وجهة نظره ثم يتفاوضان إلى أن يصلا إلى نتيجة ترضيهما أو يتفرقا دون التوصل إلى شيء، وقد تقع الحرب بينهما بعد ذلك مباشرة، وتتحرك الجيوش المجحفلة لحسم الموقف السياسي، كما حصل في صلح الحديبية ومن بعده فتح مكة.

أيها الناس: لا بد لنا أن ندرك الفرق بين المراودة والمفاوضة حتى نكون على بينة من أمرنا فيما يجري في العراق وأفغانستان وفلسطين وغيرها من بلاد المسلمين التي يجتهد حكامها في الحديث مع الكفار المحتلين لبلادهم، ويوهمون الناس أنهم يفاوضون وهم في الحقيقة يراوَدون! جاء في لسان العرب: فاوَضَهُ مفاوضةً ساواهُ وجاراهُ في الأمر، وفي المال شاركهُ فيهِ، وتفاوض الشريكان في المال تفاوضًا اشتركا فيهِ أجمع وتساويا. وتفاوض القوم في الأمر فاوض فيهِ بعضهم بعضًا، وقومٌ فَوْضَى متساوون لا رئِيس لهم أو متفرّقون أو مختلط بعضهم ببعض. قال الأَفوَهُ الأَوَديُّ:

لا يصلح الناس فَوْضَى لا سَراةَ لهم
ولا سَراةَ إذا جُهَّالهم سادوا

وجاء في تاج العروس: راوَدْتُه على كذا مُرَاودَةً ورِوَاداً، أي أَرَدْته، قال ثعلب: الإِرادَةُ تكون محبةً وغير محبة، وأَرادَه على الشَّيءِ كأَداره. وأَرَدْتُه بكلِّ رِيدة، وهو اسمٌ يُوضع مَوضِع الارتيادِ والإرادة، أَي بكل نوع من أَنواع الإِرادَةِ. وراوَدَ جارِيَتَه عن نفسها، وراودَتْه هي عن نَفْسِه، إذا حاولَ كلُّ واحد من صاحِبه الوَطءَ والجِماعَ، ومنه قوله تعالى: “تُراوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ” فجعَلَ الفِعْلَ لها، والمُرَاوَدة: المُرَاجَعَةُ والمُرَادَدَةُ.

أيها الناس: وأخيرا، وبعد مراودة دموية مضنية، انتهت مسرحية “التضليل والتعديل” للاتفاقية الأمنية، وأقرت الحكومة العراقية مشروعية الانتداب الأمريكي على العراق، تماماً كما أقرت بريطانيا انتدابها على فلسطين عام 1917م بمشاركة ما كان يسمى بالمجلس الإسلامي الأعلى، وتماماً كما أقرت “إسرائيل” اتفاقية أوسلو بمشاركة/بمراودة الفصائل الفلسطينية، وتماماً كما يسعى الأميركيون جاهدين لوضع أفغانستان تحت الانتداب الأميركي بمشاركة/مراودة الطالبان! ومسرحية المراودة معروفة من البداية إلى النهاية، احتلالٌ وقتل وتدمير، ثم اختيار عملاء موالين للمحتل يمثلون دور أهل الوطن وقادته الشرعيين، ثم مسودة دستور، ثم إقرارها بسرعة لتصبح قوانين نافذة، ثم قوات أمن تحميها وتنفذها بقوة السلاح، ثم مراودات سياسية برلمانية بإخراج مسرحي بارع فيه انتخابات نزيهة أو مزورة لإقرار شكل الاحتلال الجديد، ثم تصويت شكلي يخضع بعده صاحب الأقلية لصاحب الأكثرية – وتلك هي الديموقراطية – وبعدها تنفذ بنود الاتفاقية الأمنية، ويُجمع السلاح “غير الشرعي"، ثم يسدل الستار عن وجه الاحتلال القديم، ليعود نفسُه على الناس بقناع جديد. وما النقاش والتعديل والمفاوضات في الحقيقة إلا مراودات ومحاولات تجميل لوجه المحتل القبيح. فالمراودة في حقيقتها إملاءات من القوي على الضعيف، وما يتخللها من تفجيرات واغتيالات وحصارات وإغلاقات واعتقالات وما شابه ذلك، فهو من لزوميات المسرحيات، وما علمنا أن مراودات قد انتهت على غير هذا إلا إذا رفض المراوَد رفضاً قاطعاً عروض المراوِد.

(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لا فرق بين ما يجري في العراق اليوم من مراودات سياسية وبين ما جرى ويجري في فلسطين، وما جرى وسيجري في أفغانستان، وإن اختلفت الوجوه أو الأسماء أو أماكن المراودة السياسية. محتلٌ قوي يفرض إرادته على مفاوض “معتمد” من قبل المحتل، فيملي عليه ما شاء، وإن أعطاه شيئاً – ذراً للرماد في العيون - فالفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. وصدق الله العظيم حين يقول: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً}. وكيف بالله عليكم يستعان بالذئب على رعاية الغنم، ولو ربيت جِروه في بيتك، وأطعمته من طعامك، وأسقيته من لبنك، فإنه سرعان ما يفتك بشاتك! روى البيهقي في شعبه عن الأصمعي، قال: دخلت البادية، فإذا عجوز بين يديها شاة مقتولة، وجرو ذئب مُقعٍ، فنظرتُ إليها فقالت: أتدري ماهذا؟ قلت: لا، قالت، جرو ذئب أخذناه، وأدخلناه بيتنا، فلمّا كبر قتل شاتنا، وقد قلت فيه شعراً، فقلت لها: ماهو؟ فقالت:
بقرت شويهتي وفجعت قلبي
وأنت لِشاتِنا ولدٌ ربيبُ
غُذيت بِدرِّها وربِيت فينا
فمن أنباك أن أباك ذِيبُ
إذا كان الطباعُ طباع سُوءِ
فلا أدب يفيد ولا أديب

والله سبحانه يقول {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}. والرسول صلى الله عليه وسلم يحرم علينا الاستعانة بالدول الكافرة في قوله: «لا تستضيئوا بنار المشركين»، وقوله صلوات الله وسلامه عليه «فإنّا لا نستعين بالمشركين». فكيف يستعان بمن أفسد الأمن ليحفظه؟! وهل يساعد المحتلُّ على تحرير الأرض؟ وكيف يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين؟!

أيها الناس: إن العراق وفلسطين وأفغانستان وباقي بلاد المسلمين الممزقة اليوم ما كانت لتعاني الويلات والانقسامات والمراودات لولا غياب الخلافة الإسلامية التي أظلتها قروناً طويلة، ولن تنعم بالأمن والرخاء وسائر بلاد المسلمين إلا بعودة الخلافة ثانية راشدة على منهاج النبوة. فالواجب على المسلمين أن يقفوا وقفة حق في وجه كل سلطة ينصبها الكفار عليهم، سواء جاءت باحتلال أو انتداب أو انتخاب، وأن يستعصموا أمام المراودات، ويدوسوا الاتفاقيات الباطلة كافة بأقدامكم، لكي لا تبقى سبة الدهر في بلادهم، ولا عار العصر في جنباتهم، وليعلموا أنهم قادرون على ذلك بإذن الله إن هم آمنوا وعملوا الصالحت، ونصروا الله، قال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز}. وأما أولئك الذين نصبهم الكفار حكاماً على أرض العراق الطاهرة وأرض فلسطين المقدسة، وأرض أفغانستان وباقي بلاد المسلمين، فلطَّخوها بالذل والهوان، فإن لهم يوماً لا بد آت بإذن الله، عندما يقيم المسلمون خلافتهم الراشدة الثانية، فتحاسبهم على جرائمهم في الدنيا، حساباً عسيراً كبيراً، ولعذاب الآخرة أكبر. {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.

التاريخ:21/11/2008
الخطيب/المناسبة:الشيخ عصام عميرة/ بيت صفافا - القدس
طباعة حفظ إرسال لصديق إضافة للمفضلة كتابة تعليق

 

 

:الإسم
: عنوان التعليق
:نص التعليق

أدخل الكلمة التي في الصورة


 
 

 

 


image
RSS خدمة
اشترك الآن لتحصل على آخر تحديثات الموقع على متصفحك

 

 

298215

 

بحسب الحكم الشرعي فإن ما يسمى بـ"حقوق النشر" غير محفوظة، ولكن يرجى ذكر المصدر عند الاقتباس أو إعادة النشر مع عدم الزيادة أو الإنقاص