(الخطبة الأولى)
أيها الناس: هناك مؤتمرات قمة دولية وإقليمية يلتقي خلالها رؤساء الدول المعنية، وهناك مؤتمرات تعقد على مستوى الوزراء وأخرى على مستويات أدنى، وهناك مؤتمرات حزبية تعقدها الأحزاب السياسية لمناقشة برامجها، وهناك مؤتمرات مهنية يعقدها أصحاب المهن المختلفة ليتداولوا شؤون مهنتهم. قال في الغني: مؤتمر الحزب هو مُجْتَمَعُ أَعْضَائِهِ لِلْحِوَارِ وَالتَّشَاوُرِ وَالبَحْثِ فِي مُجْمَلِ القَضَايَا الَّتِي تَهِمُّهُ. ولكل من هذه المؤتمرات جهات تنظمها، وتدعو إليها، وتحدد أماكنها والمدعويين لها، وتنظم برامجها. ولكننا اليوم بصدد الحديث عن مؤتمر عظيم في حجمه، فريد في نوعه، مختلف في مزاياه، متنوع في أهدافه، ألا وهو مؤتمر الحج. ولو فطنت أمة الإسلام لهذا المؤتمر، وأعطته حقه كما يجب لكان حالها خيراً وأفضل مما هي عليه.
أيها الناس: إن مصدر الدعوة لهذا المؤتمر العظيم هو أمر الله تعالى لنبيه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }، وقد أصبح هذا المؤتمر فرضاً من فروض الإسلام، وركناً من أركانه، قال تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. وروى البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة”. وأما مكان انعقاد هذا المؤتمر الدائم فهو بيت الله الحرام وأكنافه المقدسة التي جمعت بين المباركة الإلهية، والعراقة التاريخية، والحرمة الدينية، وأما جدول أعمال مؤتمر الحج بما فيه من الأقوال والأفعال فقد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: “وخُذُوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ"، وأما المدعوون لهذا المؤتمر فهم كل المسلمين، حاكماً أو محكوماً، غنياً أو فقيراً، رجلاً أو امرأة، فلا شرط ولا مزية غير الإسلام، مسلمٌ وكفى. وعليه فإن هذا المؤتمر ينعقد بصورة دورية منذ قرون عديدة، على نفس الهيئة، وفي نفس الأماكن المقدسة، وترى فيه كلَّ فئات الأمة من حكامها وعلمائها وعوامها وقوادها وجندها ورجالها ونسائها وشيبها وشبابها، في تطبيق عملي للوحدة الإسلامية، تذوب الفوارق بينهم، وتتجلى فيهم وحدة الوجهة والنية، ووحدة الأقوال والأعمال، ووحدة الزي والهيئة، ووحدة الوقوف والحركة، إضافة إلى أنه يحمل في طياته ما يؤدي إلى التقاء النفوس وائتلافها، وتقوية الروابط ومن أهمها ارتباطُ الأمة بخالقها، واتباعُها لشرعه، وإعلاؤها للموازين والمقاييس الإسلامية، وإلغاؤها لمثيلاتها الأرضية. فهل يمكن أن يكون هذا المؤتمر بهذه الصفة الربانية الواسعة بلا نفع ولا أثر؟ إنه تساؤل ينبغي أن يشغل ذهن كل مسلم وكل حاج ليتأمل ويتدبر، ثم لينتفع ويعمل. يأتي الحجاج من كل فج عميق يقطعون مسافات شاسعة، ويجتاوزون حدوداً كثيرة، ويأتي بعضهم من بلاد الكفر، أو من بلاد اضطهاد وقهر، والجميع يبذل ويعاني لكي يصل ويشارك، وهو يعلن من خلال قفزه لكل هذه الحواجز، وتغلبه على كل المصاعب، أن استعلاء الإيمان أعظم، وأن داعي الله ألزم، وأن نهج الإسلام أقوم، وأن أخوة الإيمان أكرم. في هذا المؤتمر زي موحد لا يشترط في غيره، وطواف مخصوص يذكر الأمة بأن تلغي جميع المحاور التي مزقتها، وأن تتخذ المحور الذي يوحدها، وهو العبودية الخاشعة لله، والصلة الدائمة بالله. في هذا المؤتمر مجال لرسم السياسات العامة للأمة، ومناقشة المشكلات المستعصية، وقياس الرأي العام، والإرشاد والتوجيه بالخطب التي تلقى في عرفات، كما كانت الخطبة النبوية الجامعة في حجة الوداع.
أيها الناس: هل تدرك الأمة الإسلامية اليوم هذه المعاني وغيرها؟ وهل يعرف المسلمون هذه المعالم؟ وأن عليهم أن يعملوا ليحققوا - مع الفريضة - المنافع الكبرى للأمة التي تعاني الويلات والهزائم والتفرق، قال سبحانه: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}. وأكرر السؤال عليكم أيها الناس: هل تدرك الأمة الإسلامية اليوم مقاصد الحج ومعانيه؟ وهل يعود الحجاج بعد مشاركتهم في هذا المؤتمر بشيء مختلف عما كانوا عليه قبل حضوره؟ ولربما وضع السؤال بصيغة أخرى: هل يتمكن الحجاج من المشاركة في هذا المؤتمر العظيم كما ينبغي لهم أن يفعلوا؟ أم أن هناك قيوداً ومحددات وموانع من قبل الحكام تقيد الحجاج، وتحد من حركتهم القولية والعملية، وتمنعهم من المشاركة الصحيحة النافعة والجادة في هذا المؤتمر؟ والجواب على هذه التساؤلات وغيرها شيءٌ فظيعٌ يجعل الولدان شيباً! وإليكم البيان:
أولاً: إن نظام الحصص الجائر يحرم كثيراً من المسلمين من أداء فريضة الحج والمشاركة في هذا المؤتمر.
ثانياً: إن التعقيدات الهائلة التي تكتنف المعاملات الورقية لدى الدول التي ينطلق منها الحجاج، وكذلك الدولة المضيفة خادمة الحرمين، قد بلغت حداً لا يطاق، ما جعل الأعداد التي لا تستوفي شروط تلك التعقيدات تفوق الحصر، علاوة على فرض أتاوات ورسوم وغرامات على الناس تحت شعارات الحج المميز وبيع التأشيرات.
ثالثاً: إن نقاط الحدود التي يعبرها الحجاج من بلادهم حتى يصلوا إلى بلاد الحرمين تنغص معيشتهم، وتذيقهم الأمرّين وهم ينتقلون من حد إلى حد، ناهيكم عن البطء الشديد في المسير، والانتظار الطويل المهين، وما بين البطء في السير والانتظار المذل، رشاوى ومنكراتٌ عديدة.
رابعاً: عندما يصل الحجاج إلى المشاعر لأداء الشعائر ومشاركة إخوانهم في هذا المؤتمر الكبير، فإنهم يفاجأون أولاً بالفتاوى الإدارية التي لا تمت إلى الفقه بصلة، ويفاجأون بالفصل شبه التام بين وفود الحجيج، وعدم السماح بالاحتكاك بينهم وتبادل الزيارات لمناقشة بعضهم في الأمور الخاصة والعامة، ويفاجأون بالطبقية المقيتة التي تميز الحجاج النفطيين أو القادمين من دول ذات حظوة عند القوم، عن نظرائهم وإخوانهم من الحجاج القادمين من باقي الدول البائسة والفقيرة، وأما ثالثة الأثافي فالأشقياء من رجال أجهزة المخابرات المحلية والإقليمية والعالمية التي تتجسس على الحجيج وتحصي عليهم أنفاسهم.
خامساً: إن التعليمات المنكرة الواجب على المشاركين في هذا المؤتمر، والتي يلقيها عليهم وزراء الأوقاف وباقي المسؤولين والمرشدون المرافقون، والقائمون على نقاط الحدود وقطع الطريق، وما أصدرته السلطات المشرفة على الحرمين الشريفين، هذه التعليمات وتلك قد جعلت الحاج خائفاً يترقب، ويشارك في هذا المؤتمر العظيم بأقل طاقة، وأقل إمكانية، وأقل اندفاع، وأقل اهتمام، وأقل مناقشة، وأقل أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وقد تواترت الأنباء أن وزير الأوقاف الفلسطيني أمر المرشدين كي يقولوا للحجاج: نوصيكم بامرين ما إن تمسكتم بهما نجوتم وعدتم إلى دياركم سالمين: لا تتحدثوا عن الخلافة، ولا تختلطوا بحجاج جنوب شرق أسيا!!
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن الحج هو مؤتمر سنوي للأمة الإسلامية، رغم كونه فرضاً على الفرد مرة في عمره، وفي هذا إشارة إلى أن المقصود الأعظم من الحج هو اجتماع المسلمين في هذا المؤتمر الكبير ليشهدوا منافع لهم، إضافة إلى المنفعة الفردية التي تتحقق للمسلم بأن يعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه. ولا يخفى على أحد أن وحدة المسلمين تقف على رأس منافع الأمة الإسلامية اليوم، فما أحوجنا للوحدة بعد أن تشرذمنا وتفرقنا أيادي سبأ! ما أحوجنا للوحدة كي نواجه أعداءنا، ونسترد ديارنا المغصوبة، وننقذ مقدساتنا المدنسة، ونصون أعراضنا المنتهكة، ونعيد ثرواتنا المنتهبة، وننتصر لنبينا الكريم عليه الصلاة والسلام! ما أحوجنا للوحدة كي نحوز على رضا ربنا وخالقنا ورازقنا الذي أتاح للحجاج منا فرصة الاجتماع والمشاركة في هذا المؤتمر العظيم لغفران الذنوب والتنقية من الخطايا! وكيف تتحقق الوحدة إذا لم يكن للمسلمين دولةُ خلافةٍ تجمعهم؟ وهل يستقيمُ شرعاً أن يشارك المسلم الفلسطيني في مؤتمر كهذا مع أخيه المسلم الأردني وكل منهم يعيش في كيان منفصل عن الآخر؟ وماذا سيقول الحاج الغزّي لأخيه المصري عندما يلتقيان على جبل عرفات، وحصارُ غزة ينخر في عظام أهلها، وجنودُ فرعونَ مصر يزيدون الطين بلّة؟
أيها الناس، يا أمة محمد، يا حجاج بيت الله الحرام هذا العام والأعوام القادمة: لا تقبلوا أن تشاركوا في مؤتمر الحج الأكبر كما يريد حكامكم الأشرار، ولا تقبلوا بتهميش دوركم وإقصائكم عن ساحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل اعملوا جميعاً في الحج إذا شاركتم، وفي غيره إذا منعتم، واعملوا حيثما وُجدتم مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لتحقيق وحدة المسلمين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي تدك عروش الطغيان، وترد عن المسلمين العدوان، وتحمل دعوة الإسلام لهداية الأنام. فاللهم اجعلنا من جنودها وشهودها، ومن العاملين المخلصين لإقامتها.