(الخطبة الأولى)
أيها المسلمون: إننا اليوم نعاني حصاراً من نوع عجيب غريب، تأخذ أشكالُه لُبَّ اللبيب، لم يُثِرْ حفيظة أخ بعيد أو قريب، ولم تتحرك له حميةُ شهم أريب. ونعاني من عار تاريخي غير مسبوق، وقد رمانا الكفر عن قوس واحدة، وتخلى عنا الأهل والأحباب، وتنكر لنا القريب والبعيد، وجفانا الصديق الحميم، وتآمر علينا قوم يزعمون أنهم منا وما هم منا، بل إنهم يوالون أعداء الله وأعداءنا، ويعادون أولياء الله وأولياءنا، فنحن حقاً في زمن الحصار والعار معا. جاء في لسان العرب: حصَرهُ يحصِرهُ ويحصُرهُ حَصْرًا ضيَّق عليهِ وأحاط بهِ ومنع عنه الإمداد. وحصر فلانًا: حبسهُ عن السفر وغيرهِ. وحَصِرَ الرجلُ يحصَر حَصَرًا ضاق صدرهُ. ويُقال حَصِر صدرهُ. ومنهُ في سورة النساءِ {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَت صُدُورُهم}. قال أبو عمرٍو كل من امتنع من شيءِ لم يقدر عليهِ فقد حَصِر عنهُ. ولهذا قيل حَصِر في القراءة وحَصِر عن أهلهِ. وفي سورة آل عمران {أنَّ اللهَ يُبَشِّرُك بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا}. قيل أي مبالغًا في حبس النفس عن الشهوات والملاهي. والحصير أيضًا السجن. وفي سورة بني اسرائيل {وَجَعَلْنَا جَهنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا}، أي محبسًا لا يقدرون على الخروج منهُ أبد الآباد، وقيل بساطًا كما يُبسَط الحصير. أما العَارُ فهو العيب، أو كل ما يشين الإنسانَ من قول أو فعل، قال تعالى {فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ}، والمعرة: العيب، وهي مفعلة من العر وهو الجرب، وقال الشاعر:
لا تَنْه عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه
عار عليك إذا فعلتَ عظيمُ
أيها الناس: لقد عرف الناس منذ القدم معاني الحصار كافة، ومارسوا أشكاله بكل ما استطاعوا لتحقيق أغراضهم في السيطرة على الحصون وفتحها، وإرغام أنف العدو وكسر شوكته، وعرفوا كذلك معاني العار، وكانت دوماً من مساوئ الأخلاق ومذمومها. وبغض النظر عن الأسباب والدوافع التي تجعل الناس يحاصر بعضهم بعضاً، إلا أن الحصار يعتبر من الوسائل الضاغطة والمؤثرة لتحقيق الأهداف. وليس زماننا بدعاً من الأزمنة في مجال الحصر والحصار، ولكنه يتميز عن باقي الأزمنة بأنه زمن العار فوق الحصار. فما من قوم أصابهم العار لمّا حوصروا، بل ربما زادهم الحصار عزة ورفعة، وأضاف الحصار إلى رصيدهم الدنيوي والأخروي ما لم يكونوا ليصيبوه لو لم يحاصروا. فالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لما حاصرتهم قريش في شعب أبي طالب حصاراً شديداً محكماً، فإن ذلك الحصار قد أثرى تجربتهم الدعوية، وقوى قدرتهم على الصمود في وجه الطواغيت، وكذلك فإن الحصار قد حرك النخوة في نفوس النظيفين من الكفار ليكسروه، كما حصل في قصة نقض الصحيفة المشهورة. وخرج المحاصَرون من حصارهم أفضلَ حالاً وأقوى شكيمة، وأكثر إصراراً على مواصلة السير في طريق الخير، وإقامة الدولة الإسلامية الأولى، وحمل الدعوة الإسلامية عن طريق الجهاد في سبيل الله لإنقاذ البشرية جمعاء من ظلمات الكفر والشرك. وبعد قيام الدولة، حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة وبني النضير والطائف وخيبر وبني قينقاع، وفتح مكة، وحاصر المسلمون من بعده الحصون الكثيرة، ومنها بيت المقدس، وأخرجوها من أيدي الكفار إلى سلطان الإسلام.
أيها الناس: لو أردنا تعداد الحصارات التي سجلها التاريخ قديماً وحديثاً لما وسعنا مقامنا هذا من كثرة ما سجّل، فلسنا مؤرخين ولا مراقبين أو متفرجين، ولكننا نبحث في قضية الحصار اليوم، كي نبين للمسلمين في كل مكان من المعمورة أننا في حصار شامل أولاً، وأن العار الذي لم يلحق بأسلافنا قد لحق بنا وأخزانا، وجعلنا نطأطئ الرأس أمام المحاصَرين الأوائل. ولما حوصرت المدينة في غزوة الأحزاب، وجاءتها الجنود من فوقها ومن أسفل منها، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، قام المحاصَرون بحفر خندق حول المدينة، وجمعوا قواهم، واستعانوا بربهم وسألوه النصر لأوليائه والهزيمة لأعدائه، أجيبت دعوتهم، وأرسل الله ريحاً وجنوداً لم يروها، ورد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال.
أيها الناس: حوصر العراق فلم يحفر له خندق ولم تجمع له قوة - بل تجمعت عليه القوى - ولم يستعن بربه، فأصابه ما أصابه، وحوصرت أفغانستان فلم يحفر لها خندق ولم تجمع لها قوة - بل تجمعت عليها القوى - ولم يستعن أهلها بربهم، فأصابهم ما أصابهم، وحوصر السوادان وقوطع، وحوصرت إيران وقوطعت، وحوصرت بيروت ودكت دكاً دكاً، وحوصرت سيربرنتسا في البوسنة والهرسك، وذبح الألاف من أهلها المسلمين، وحوصرت مدن إقليم كوسوفا، وحوصرت المدن والقرى الفلسطينية ودمرت فوق رؤوس ساكنيها وهُجِّر أهلُها، وأخيراً، ونرجو أن يكون آخراً، حوصرت غزة ولا تزال محاصرة، فلم يحفر لها خندق، ولم تجمع لها قوة - بل تجمعت عليها القوى - ولم تسأل ربها أن يهلك حكام دويلات الضرار الذين يشاركون اليهود في الحصار. ومن هنا فقد لحقنا العار والشنار، وسخر منا الكفار الأشرار، وألقمونا الثدي الكاذب الذي يتلهّى به الأطفال الصغار، أو ما يسمى بسفن كسر الحصار!
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إننا معشر المسلمين اليوم محاصرون حصاراً اقتصادياً، وحصاراً اجتماعياً، وحصاراً نفسياً، وحصاراً عسكرياً، وحصاراً ثقافياً، وحصاراً سياسياً، وحصاراً إعلامياً، وحصاراً جغرافياً، وحصاراً إدارياً، وحصاراً تعليمياً، وحصاراً دينياً في عباداتنا ومعاملاتنا، وحصاراً أُسرياً، فمقدساتنا محاصرة، والأقصى محاصر، والقدس محاصرة والضفة الغربية محاصرة وغزة محاصرة وكذلك باقي بلاد المسلمين على اختلاف في حصارها، ولست أبالغ إن قلت إننا في حصار لم يشهد له التاريخ مثيلاً! ومع ذلك فإننا لا نعمل ما يكفي، ولا نقوم بما يلزم لكسر الحصار المضروب علينا. فكيف بالله عليكم سيُرفع عنا هذا الحصار الشامل والمتوحش؟
أيها الناس: يلزمنا تفعيل معاني الإيمان والصبر والتقوى، قال تعالى {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}، وقال جل شأنه {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}. فكيف نأمل كسر الحصار في زمن الغثائية وحكم الرويبضات، وحين يلف الصمتُ، ويخيّم الذل، ويسود الهوان قِطاعاً عريضاً من المسلمين، ويقعد القادرون عن العمل لإقامة الخلافة الإسلامية التي تجيش الجيوش لفك الحصار، وتلقن المحاصِرين درساً لا ينسونه أبداً؟ ماذا ستجيبون ربكم عز وجل ورسوله عليه السلام وأنتم لا تنصرون المحاصرين من إخوانكم في هذه المواطن التي يحبون فيها النصرة وكسر الحصار؟ ألم تسمعوا قول الرسول عليه الصلاة والسلام “ما من امرئ مسلم ينصر امرأً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصره، وما من امرئ خذل مسلماً في موطن ينتهك فيه حرمته إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته"؟ يا أهل القوة والمنعة في المسلمين، يا رجال الجيوش المسلحة، ألم تسمعوا الصبية والنساء المحاصرات في غزة والخليل يستصرخنكم ويستنصرنكم بكلمات تُقطع أنياط القلب، وصرخات تعقد الألسنة، وتتفطر لها الأكباد، ويتفتت لها الصم الصلاب! ألم تسمعوا نداءات الشيوخ المحاصرين الذين تبلل دموعُهم الثرى وهم يستصرخون إخوانهم في مد يد العون لهم، وهم مُلقَوْن على قارعة الطريق إلى البيت العتيق، ضحايا للخلافات الحزبية والفصائلية المقيتة، والاستكبار النفطي المنتن؟ ألم يأتكم نبأ بيوت الخليل المحاصرة الآن من قبل الإرهابيين الحقيقيين الذين أضرموا النيران فيها، وقتلوا أهلها، ومنعوا سيارات الإطفاء والإسعاف من الوصول إليها؟ إنها جريمة بكل المقاييس، وأكبر منها الضعفُ المصاحب لها، والصمت الرهيب حيالها، وتلكم لعمري كارثة فوق الكارثة، وعار فوق الحصار.
أيها الناس: إن هذه المآسي توجب إيقاظ الهمم، وتستدعي رصيدَ الأخوة، والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وترمي بعيداً دعاوى الحرية والديمقراطية ومحكمة العدل ومجلس الأمن وسواها إلى مزبلة التاريخ؟ إن هذه المصائب والمحن تستدعي وحدة الصف المسلم، واجتماع الكلمة، والبحث عن قيادة رشيدة لهذه الأمة المسلمة المنكوبة بقادتها وأغنيائها وأجهزة إعلامها وهيآتها ومنظماتها العاجزة عن صُنع أي شيء إزاء هذا الحصارِ الظالم وأمثاله. إنها تستدعي العمل للخلافة، فالخلافة فقط هي التي تجعل المحاصَر محاصِراً، والمقهورَ قاهراً. اللهم إني قد بلّغت، اللهم فاشهد!