(الخطبة الأولى)
أيها الناس: تناقل وسائل الإعلام خبراً مفاجئاً وغير متوقع عن عودة الرئيس السابق لما يعرف بالمحاكم الإسلامية الصومالية إلى مقاديشو وسط استقبال حافل من الحكومة الصومالية التي نصبها الاحتلال الأثيوبي بدعم أميركي. وقد وصل رئيس تحالف إعادة تحرير الصومال -جناح جيبوتي- شيخ شريف شيخ أحمد الاسبوع الماضي إلى العاصمة مقديشو، وسط إجراءات أمنية صارمة فرضتها القوات الأفريقية وقوات الحكومة الانتقالية إلى جانب المئات من أفراد المحاكم الإسلامية. وقد انتقد الشيخ حسن طاهر أويس -الذي يقود جناح أسمرا من تحالف إعادة تحرير الصومال- عودة شيخ شريف إلى مقديشو، وجدد معارضته لاتفاق جيبوتي الذي اعتبره هزيمة. وقال إن عودته تعني أن العدو راض عنه، ووصف تلك الخطوة بأنها تحالف مع هذا العدو، في إشارة إلى القوات الإثيوبية.
أيها الناس: تُذكرنا عودة شيخ شريف إلى مقاديشو المحتلة إثر اتفاق جيبوتي بعودة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات إلى فلسطين المحتلة إثر اتفاق أوسلو، وعودة نوري المالكي إلى بغداد، وكرزاي إلى كابول، وجابر الصباح إلى الكويت وأمثالهم من الحكام الدمى. فما أشبه اليوم بالبارحة! وما أشبه جيبوتي بأوسلو وقريناتها من عواصم المكر! فلما عاد عرفات وزمرته إلى فلسطين قبل أن تعود فلسطين إلى أحد من أهلها، وقبل أن يرجع لاجيء واحد إليها بعد خمسين عاماً من اقتلاعه منها، وبعد أن بنى هذا اللاجيء الآمال العريضة على عرفات وباقي قادة الثورة الفلسطينية ليعيدوه إلى بيته الذي لا زال يمسك بمفتاحه، لما عادوا تحت حراب الاحتلال إثر أوسلو، قامت الدنيا ولم تقعد، وطالب بعض خصومه بإعدامهم في الساحات العامة! وذلك لأن عودتهم قد نزعت فتيل المقاومة، وأوقفت الانتفاضة، ومهدت السبيل إلى تحول المنظمة إلى ذراع أمني لإسرائيل بحجة حماية الحكم الذاتي الانتقالي وفيما بعد الدولة الفلسطينية العتيدة! وانشقت قيادة منظمة التحرير حيال هذا الاجراء إلى شقين، واحد في الداخل والآخر في الخارج، وباقي المسرحية معروف مكشوف. ثم دخلت حماس على خط السياسة الفلسطينية الواهية الواهنة، ودخلت انتخابات ما يسمى بالمجلس التشريعي، ودارت في دوامة الهدن والمفاوضات المباشرة وغير المباشرة، وقابلتها إسرائيل بدوامة الاجتياحات والاغتيالات والقصف العشوائي والمنظم، والحصار غير المعلن، ثم ما لبثت أن سيطرت حماس على قطاع غزة تماماً كما سيطرت المحاكم يوماً على معظم أجزاء الصومال، والقصة معروفة مشهودة مشهورة، وآخر فصولها تصريحات اليهود حول الترحيل.
أيها الناس: ليس صدفة أن يتشابه سيناريو الأحداث في فلسطين مع نظيره في الصومال وغيره، فإنه التخطيط والتدبير، ومكر الليل والنهار، وتفعيل السياسات المرسومة والمتفق عليها، بغض النظر عن رموز التنفيذ فيها. وإذا أردنا أن نكمل سيناريو الصومال، فإننا نقول بأن المعارضين لعودة شيخ شريف سيقومون بأعمال عسكرية في البر والبحر، وسيكون هذا مبرراً لوقوف الرأي العام العالمي مع شيخ شريف الذي سيندد بها كما فعل عرفات، ويعتبرها إرهاباً في منطقة القرن الإفريقي، ومبرراً لتحرك القوات الأثيوبية والأميركية ضدهم في البر والبحر، حتى يلجئوهم إلى التفاوض، ثم الاتفاق الأمني بخروج القوات الأثيوبية من الصومال خلال فترة زمنية معينة، وتثبيت دعائم الحكومة المؤقته مع تغييرات طفيفة يكون لجناح جيبوتي من المحاكم نصيب فيها على نظام المحاصصة الوزارية، ثم ينضم إليهم جناح أسمرا ليتقاسموا ما تبقى لهم من فتات المائدة السياسية ويتوّجوا حكاماً عملاء على أنقاض الصومال! والرابح الأكبر هم الأميركيون الذين سيسيطرون على القرن الإفريقي وثرواته الكبيرة، ويقطعون الطريق على منافسيهم من الأوروبيين والصينيين وغيرهم، ولتصبح أفريقيا سَلَماً لأميركا. وإذا أردنا أن نكمل سيناريو فلسطين، فإننا نقول بأن الذين عارضوا عودة عرفات قد قاموا بأعمال عسكرية بلغت حد إطلاق الصواريخ والخطف والعمليات الاستشهادية، وحد التخمة الإعلامية، ثم دخلت مرحلة الهدنة، وكثر الحديث عن رأب الصدع ولم الشمل الفتحاوي الحمساوي، ثم برز الخلاف بين حماس الداخل والخارج، وأصبح لكلٍّ داخلُه وخارجه! وتم تشديد الحصار على القطاع علناً، وتقوية السلطة في الضفة علناً، ونشبت حرب إعلامية واعتقالات متبادلة، وتعذيبُ المناضل لأخيه وقتله، والتنازع على المناصب والحصص الوزارية، والتنافس في السيطرة على المساعدات والمنح التي تقدم على شكل رشاوى لتمرير معاملات الصلح والتطبيع والتجزئة والتفتيت. وبعد ذلك سيجتمع الأطراف في واحدة من عواصم المكر، ثم يتعانق “الأعدقاء” والإخوة الألداء في الداخل والخارج أمام الكاميرات، بعد أن يتفقوا على تقاسم فتات المائدة السياسية، ثم يتوجون حكاماً عملاء على أنقاض فلسطين، والرابح الأكبر أميركا وإسرائيل.
أيها الناس: إن من المؤسف حقاً أن لا يستجيب القوم للنصائح المخلصة التي توجه إليهم، مع أن الإسلام جعل النصيحة كالدين كله! أخرج البخاري ومسلم عن تميم الداري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم). وسئل ابن المبارك أي الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله. فمنذ تأسيس المنظمة الفلسطينية وهي تتلقى النصائح من المخلصين الذين لا يريدون لها أن تتردى في مهالك السياسة الخاطئة الكاذبة وأوديتها السحيقة، وكم عانى الناصحون من سوء أدب رجال المنظمة، وصبروا على أذاهم! ولم يسمعوا للنصيحة، ولم يلقوا لها بالاً، فانقسموا وتنازعوا وفشلوا وذهبت ريحهم. ومنذ تأسيس حماس والنصائح تترى على قادتها وأتباعها، وصبر الناصحون على أذاهم! فأصابهم ما أصابهم، ولا يزالون يعانون من نتائج الإعراض عن النصيحة، والتكبر عليها. وكم تجشم الناصحون من المصاعب والمتاعب في الوصول إلى قادة المحاكم في الصومال لتقديم النصيحة المخلصة لهم وإعطائهم الرأي السديد في جهادهم ومفاوضاتهم، وحربهم وسلمهم، وحكمهم للبلاد وقضائهم بين العباد، ولكنهم أعرضوا واتبعوا أمراً غير رشيد أدى إلى انقسامهم وتباين مواقفهم وتنازعهم وفشلهم وذهاب ريحهم.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: قد يسأل سائل، وما هذه النصائح القيمة التي أسديتموها للقوم، ثم أصابهم ما أصابهم بعد أن لم يستمعوا لها ويأخذوا بأحسنها؟ فنقول قبل أن نجيب على هذا السؤال الطيب: إن المريض ينشد النصيحة من طبيب متخصص ليصف له الدواء المناسب، وإن صاحبَ البيت ينشد النصيحة المعمارية من معماري بارع ليقوم بالعمل الهندسي اللازم لبناء بيته، وصاحبَ القضية ينشد النصيحة القانونية من محام قوي ليترافع عنه أمام المحاكم، وصاحبَ المسألة ينشد فقيهاً عالماً نحريراً ليستفتيه في مسألته، وهكذا دواليك، فالسياسي الذي تحاصره السياسة بألاعيبها، وتوقعه في حبائلها، ينشد سياسياً مخضرماً ليشير عليه بالرأي حتى يخرج من مأزقه، ويقود سفينته إلى بر الأمان، فما بالكم عندما يكون السياسي مسلماً يسعى لرفعة أمته أو تحرير أرضه ومقدساته وطرد المحتل من أرضه، وحمل دعوة الخير إلى العالم أجمع، أليس حرياً به أن يلجأ إلى من كانت السياسة الإسلامية حرفتَه، والكتابُ والسنةُ منهجَه، والإخلاصُ ديدنَه، ليأخذ منه النصيحة التي تعينه على تحقيق مأربه ونيل رضا ربه؟ فكيف بالله عليكم بالذي تأتيه هذه النصيحة على طبق من ذهب؟ أيكون راشداً إذا ردها ولم يأخذ منها شيئاً؟؟!!
أيها الناس: إن الإجابة على السؤال الطيب آنف الذكر تكمن في قول الله عز وجل: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}، قال الإمام القرطبي: (حقيقة الركون الاستناد والاعتماد على الذين ظلموا، ولا ينبغي لأحد أن يُصحب على الكفر، وفعل ذلك كفر، ولا على المعصية، وفعل ذلك معصية). ولا زالت النصيحة قائمة، فالناصح لا يملّ منها، يا معشر القوم في الصومال، لا تصحبوا حكومة عبد الله يوسف ولا سادتها الأثيوبيين والأميركيين، ويا معشر القوم في فلسطين، لا تصحبوا حكومة عباس ولا سادتها اليهود والأميركيين، ويا معشر القوم في العراق، لا تصحبوا حكومة المالكي ولا سادتها الإيرانيين والأميركيين، ويا معشر القوم في أفغانستان، لا تصحبوا حكومة كرزاي وسادتها، ولا تركنوا إليهم. فنحن قوم لا نصحب إلا المؤمنين الأخيار، ولا نُطعم طعامنا إلا لتقي بارّ، وإنا لنبيت على الطوى ونظله حتى ننال به كريم المأكل. والحكومة الوحيدة التي أمرنا بصحبتها هي الخلافةُ التي صحبها المسلمون الأوائل وأدوا الذي عليهم فيها، وهي الحكومة التي طبقت الإسلام اثني عشر قرناً، وهي الحكومة التي وعدنا الله بإقامتها، وبشرنا رسوله بعودتها، وهي الحكومة التي نعمل لإيجادها منذ عقود طويلة، وقد لاحت تباشير إقامتها في الأفق كما يلوح الشفق مؤذناً بفلق الصبح، إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً.