(الخطبة الأولى)
أيها الناس: لقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة التي تبلغ مساحتها نحو 300 كم2، وهي مساحة تقل قليلاً عن مساحة قطاع غزة البالغة نحو 360 كم2، وتقل كثيراً جداً عن مساحة أفغانستان أو الصومال التي تزيد في كل منهما عن نصف مليون كلم2. وقد يسأل سائل لماذا غزة وأفغانستان والصومال؟ والجواب إن حركات إسلامية سيطرت على تلك البلاد يوماً ما، وشاع بأنها تريد إقامة إمارات إسلامية فيها، وكلكم يعلم ما حصل في أفغانستان والصومال، وكلكم يعلم ويشاهد الدماء والأشلاء والشهداء والجرحى والدمار الذي حل بأهلنا في غزة.
أيها المسلمون: لما قامت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة، كانت الجغرافيا عاملاً حاسماً في ثبات الدول واستقرارها، فكل من يسيطر على قطعة أرض يستطيع أن يعلنها دولة، ويستطيع الدفاع عنها وعن سيادتها، بالمقاتلين وحفر الخنادق وبناء الأسوار. ولكن الأمر قد اختلف في زماننا اختلافاً كبيراً، فلا يمكنك أن تقيم دولة حقيقية على قطعة أرض إلا إذا كانت كبيرة جداً ومترامية الأطراف، وفيها من تنوع التضاريس الجغرافية ما يمكن أهلها من التنقل والمناورة والاختباء وغير ذلك مما يجعل حصارهم أو إفناءهم عصياً على أعدائهم. ولا بد لك من بناء جيش مقاتل كبير ومجهز بكافة أنواع الأسلحة الحديثة ومدرب على استعمالها، ولا بد لك من الوعي التام على التجاذبات السياسية الإقليمية والعالمية التي تؤثر في الدول الفتية والعريقة على حد سواء، ولا بد لك من إعلام يخدم قضاياك المصيرية، ويبني لك عرفاً عاماً صالحاً متجاوباً مع مطالبك وأهدافك ومنطلقاتك، كما وينبغي أن يكون لك اقتصاد مستقل تستغني به عن أعدائك الذين سيقطعون عنك الميرة، ولا بد لك من قيادة راشدة حكيمة تعمل جاهدة لتحقيق مصالح شعبها. فما بالكم عندما يكون الأمر متعلقاً بإقامة دولة إسلامية تحمل مبدأ الإسلام كي تطبقه في الداخل، وتعلن الحرب على الأحمر والأسود من الناس لتحمله رسالة هدى ونور إلى العالم أجمع عن طريق الجهاد في سبيل الله؟ لا شك أن الحاجة إلى كل ما تقدم تبقى قائمة، بالإضافة إلى جملة من العناصر التي يجب توفرها في دولة الإسلام، وهي الالتزام التام بالأحكام الشرعية من قبل قيادة واثقة بربها ونصره، تأخذ بالأسباب وتتوكل على رب الأرباب، وأن تكون دولة للمسلمين جميعاً.
أيها المسلمون: لم يحصل أي من أفغانستان والصومال وغزة على الشروط الواجبة لإقامة الدولة الإسلامية. فالطالبان أبقوا على علاقتهم مع حاكم باكستان العميل لللأميركان، ولم يكن لهم اقتصاد مستقل، ولم يسحبوا سفراءهم من الأمم المتحدة الكافرة أو من باقي دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي، ولا حتى من دول الكفر المعادية للمسلمين، ولم يطلبوا من الشعوب الإسلامية أن تبايع أميرها وتنضم إلى كيانها، وترسل لها ميرتها! وكذلك فعلت المحاكم في الصومال. فكان أن جاءتهم الضربات القاضية من قوة الشر والإجرام، ومساعدة أقرب المقربين، وتآمر وتخاذل الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب، فانهار نظاماهما، وانكفأوا جميعاً إلى الخنادق والجبال يقاومون، فاللهم سدد رميهم، وانصرهم على من عاداهم. وأما حماس في غزة، فقد قبلت أن تقيم سلطة لها على أرض محتلة، وظنت أنها بعمليتها الجراحية التي سحقت طغمة الفساد الفتحاوية قد أنجزت إنجازاً وطنياً غير مسبوق! ويا ليتها اكتفت بما فعلت، ورجعت إلى خنادقها، وتابعت جهادها ومقاومتها! ولكنها وقعت في شراك جديدة، بعد أن وقعت من قبل في شراك الانتخابات ومشاركة سلطة أوسلو دولتها المسجونة في رام الله. وأطلق الفريقان على سلطتيهما دولة، وظنوا أنهم قادرون على الاستمرار في دولهما الهشة المقامة على أرض السجن الكبير، فشكلوا قوات أمنية، ودربوا عناصرها في دول الغدر والتخاذل، واحتفلوا بتخرجهم من الأكاديميات العسكرية فيها، ولبسوا الزي وحملوا السلاح وتصرفوا كأنهم في دولة مستقلة ذات سلطة وسيادة، وهم فاقدون للدولة والاستقلال والسلطة والسيادة!
أيها الناس: هذا هو ملخص ما جرى في أفغانستان والصومال والضفة الغربية قبل سنوات معدودة، ويجري اليوم في غزة هاشم. وليس هذا الملخص هو نهاية المطاف، بل إنه بدايته! فالذين قصفوا وقتلوا واعتقلوا في أفغانستان والصومال والضفة الغربية هم أبناء المسلمين، ولم ينجدهم أحد من المسلمين القادرين على ذلك. كما أن الذين قصفوا وقتلوا واعتقلوا من قبل في البوسنة وكوسوفا والشيشان والصومال والعراق وغيرها من بلاد المسلمين هم أبناء المسلمين، ولم ينجدهم أحد من المسلمين القادرين على ذلك. والذين قصفوا وقتلوا واعتقلوا ولا يزالون يقصفون ويقتلون ويعتقلون حتى هذه الساعة في غزة هم أبناء المسلمين! سيناريو متكرر من أفغانستان إلى الصومال وما بينهما، ويتكرر اليوم في غزة هاشم، قوات مقاومة قليلة جداً لا علاقة لها بالجيوش النظامية، أخلصت فثبتت، وصدقت فدافعت، ولكنها وحدها في الميدان دون أي رديف أو مدد حقيقي، لا من الجيوش ولا من الأمة، بل إنها مكشوفة للعدو براً وبحراً وجواً، وفوق ذلك فهي محاصرة جغرافياً وعسكرياً وسياسياً، ومحاربة من بني جلدتها وطنياً وعقائدياً ومذهبياً وإعلامياً، كان الله بعونها، ولعن الله من خذلها.
والسؤال الكبير الذي لا مناص من سؤاله هو: من هو أبو هؤلاء الأبناء؟ ومن هم إخوتهم؟ إذ لا يُعقل أن نقول أبناء دون وجود أب لهم وإخوة. فإن وجد أبوهم وإخوتهم فلماذا لا يدافعون عنهم، وإن كان أبوهم غائباً فلماذا لا يبحثون عنه؟ وإن كان إخوتهم متخاذلين عن نصرتهم، فلماذا تخلوا عنهم، وسكتوا واستطابوا العيش وإخوتهم يذبحون كالنعاج؟ فلا يستقيم العيش إذا كان الأبناء أيتاماً، ويتكدر العيش ويضنُك إذا كانوا يقتاتون على موائد اللئام، ولا خير في عيش بلا إخوة وخلان، ولا مواقف للعلماء تكون على مستوى الأحداث!
أيها المسلمون: لا يقولن قائل بعد اليوم إن الكويتي أخ للفلسطيني، أو إن العراقي أخ للتركي أو المصري، أو الصومالي أخ للأفغاني، أو السوري أخ للبناني أو اليمني....! فالله سبحانه وتعالى يقول: {إنما المؤمنون إخوة}، فمن قال بالوطنية أو القومية معتقداً بها، أو مقدماً لها على أخوة الإسلام فهو كافر حلال الدم، وليس منا من تعزى بعزاء الجاهلية. ولا ينبغي لأحد أن يقول لعلماء المسلمين يا أصحاب الفضيلة، يا ورثة الأنبياء، فلا فضيلة ولا وراثة نبوة لمن يسترزق بعلمه على حساب دينه وأمته. ولا يقولن قائل بعد اليوم إن أبانا في فلسطين هو عباس، أو في الاردن هو عبد الله، أو في لبنان هو ميشال، أو في سوريا هو بشار، وسيُضرب بالنعال بكل تأكيد من يقول إن أبانا هو حسني أو معمر أو ابن سعود. ويلحق بهؤلاء الآباء المزيفين جميع حكام دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي، فقد أثبتت الفحوصات المخبرية والتجارب العملية أن هؤلاء ليسوا آباءاً للمسلمين، بل إنهم غاصبون لأُمنا الخلافة، ومتسلطون على رقابنا، ولا يرقبون فينا إلاً ولا ذمة، وكانوا من قبل يرضوننا بأفواههم وتأبى قلوبهم، فخدعونا أيما خداع! ولكنهم اليوم يؤذوننا علناً بألسنتهم وإعلامهم وأسلحتهم، ويؤذوننا بأموالهم واجتماعاتهم، بل إنهم لا يألون جهداً في التحالف مع أعدائنا لإيذائنا، فليسوا لنا آباءً، ولسنا لهم أبناءا.
أيها المسلمون: إن أبانا غائب منذ زمن بعيد، يوم هدمت الخلافة، وغيبته قد طالت وحان أوان إنهائها. وليعلم القاصي والداني أننا - معشر المسلمين - لا أب لنا إلا خليفة المسلمين أمير المؤمنين، الذي نجعل له في أعناقنا بيعة، نحبه ويحبنا، ونصلي عليه ويصلي علينا، ويسهر الليل على مصالحنا، وندعو له في سجودنا، وهو الذي نقاتل من ورائه ونتقي به. جاء في كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية، يقول أبو مسلم لخليفة زمانه: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعيتها، فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها، وفاك سيدها أجرك، وإن أنت لم تهنأ جرباها، ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها. لكم الله يا أهلنا في غزة، فأنتم ضحية اليتم والغدر والتآمر والخذلان وقصر النظر السياسي، ولكنكم أبطال صمود تاريخيون، أحرار تحت النار والحصار في زمن العبيد والمعتدين الأشرار، شهيدكم له أجر شهيدين، ودعوة مظلومكم تشق عنان السماء إلى من تجتمع عنده الخصوم.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: يقول الله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ}، وإني أرى أن اليوم هو الوقت المناسب لتطبيق هذه الآية الكريمة، فأهل غزة قد جُبلت دماؤهم برمالها، واستحر فيهم القتل والتدمير، وتناثرت أشلاؤهم على أرضها، وأطبق الحصار عليهم، وهم يستصرخون ويستغيثون، يطلبون المدد والعون وكل ما يمكن أن ينقذهم مما هم فيه من الابتلاء بالخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وإنهم صابرون! لا حول لهم ولا قوة! يقاومون العدوان بصدورهم في بطولاتٍ قل نظيرها، حاملين أرواحهم على راحاتهم، فيَستشهد المئات ويُجرح الألوف، وطائرات العدو تجوب الأجواء في أمن وسلام، دونما خشية من صاروخٍ يُسقطها أو طائرة تعترضها، لأن الحكام الأوباش المجرمين في بلاد المسلمين قد فرضوا “منع التجول” على جيوشنا وطائراتنا، واتخذوها للعرض والزينة! فكيف ننجد أهل غزة يا قوم؟ إن أرسلنا المعونات فلن تصل إليهم أبداً، وإن تبرعنا بالمال فلا يُسمح لنا بإرساله إليهم أبداً، وإذا أردنا أن نضخ الدماء في عروق جرحاهم فلن تجري فيها، فشرايين التوصيل مقطوعة وممنوعة، ولو حاولنا أن نتلقى الرصاص والقذائف عنهم بصدورنا فلن نفلح، وإذا سرنا إليهم بسيارتنا أو على أقدامنا فلن نستطيع الوصول إليهم، سواء منا من انطلق من القدس أو الخليل أو نابلس أو عمان أو دمشق أو بيروت أو صنعاء أو القاهرة أو العريش أو غيرها من مناطق العالم الإسلامي! سبحان الله، ما هذا القهر؟ لا يستطيع أحد أن يصل إلى غزة مهما كان وضعه، أين هي غزة؟ على كوكب غير الأرض؟ أم أنها في وضع شاذ؟
أيها المسلمون: هناك جهة واحدة فقط هي التي تستطيع الوصول إلى غزة قبل أن يطأها أحد من المسلمين المقهورين أمثالنا، إنها الجهة الوحيدة القادرة على فك الحصار ومداواة الجرحى وإطعام الجوعى وسقاية العطشى ودفن الموتى!!! إنها جيوش المسلمين الرابضة في ثكناتها، فينبغي أن تنتفض كالأسود، وتقتل كل من جلس يوماً على كرسي الحكم في بلاد المسلمين - ولو ساعة من نهار - ولا زال به رمق، ثم تبايع قائداً فعلياً لها يسمى خليفة المسلمين، فيعقد لها رايات التحرير والجهاد، ثم يقول لها: انطلقي أيتها الجيوش باسم الله وعلى بركة الله، محررين لغزة وغيرها من بلاد المسلمين. عندئذ سيسمع أهلُ غزة صيحات “الله أكبر” تدوي في سمائهم، فلا يبقى فيها رصاص مسكوب ولا إنسان مكروب، وما عدا ذلك فإجراءات عاجزة لا يرقى شيء منها إلى مستوى الأحداث.