(الخطبة الأولى)
أيها الناس: يُعرّف المؤرخون الغساسنة والمناذرة بأنهما دولتان قامتا على تخوم الجزيرة العربية قبل الاسلام، وهما دولتان يمكن أن نصنفهما بالتعبيرات الاجتماعية والسياسية الحديثة وظيفيتان ارتبط وجودهما بالدول الكبري في ذلك الوقت، وهما الدولة الفارسية الكسروية والدولة الرومانية البيزنطية، وظل وجودهما محصوراً بالدفاع عن مصالح الامبراطوريتين والذود عنهما، ومنع القبائل العربية من تشويش الأمن وشن الحروب والغارات ضد مصالح تانِكَ الدولتين في وادي الرافدين أو الهلال الخصيب. ويصف السياسيون اليوم الدول القائمة في العالم الإسلامي اليوم بدويلات ضرار أقامها الغرب على أنقاض الخلافة الإسلامية العثمانية التي هدمت قبل نحو قرن من الزمان. وينحصر وجود هذه الدويلات التي بلغ عددها سبعاً وخمسين، ينحصر في الدفاع عن مصالح دول الغرب الكافر من أمثال بريطانيا وفرنسا، ثم مصالح أميركا بعد دخلت الأخيرة إلى الحلبة السياسية الدولية بعد عام 1945م، إثر الحرب العالمية الثانية. ويطلق السياسيون على حكام دويلات الضرار هؤلاء مصطلح عملاء، ذلك لأنهم يخدمون أسيادهم الغربيين! وبتعبير المؤرخين القدماء، فإن هؤلاء الحكام لهم وصفان لا ثالث لهما، غساسنة أو مناذرة.
أيها الناس: يقول د0 حامد طاهر نائب رئيس جامعة القاهرة عن الغساسنة والمناذرة: إنهما قبيلتان عربيتان كانت تمثل كل واحدة منهما فاصلاً بين عرب شبه الجزيرة العربية وبين كل من دولتي الروم من ناحية الشام، والفرس من ناحية العراق.. وقد درسناهما في التاريخ العربي القديم قبل ظهور الإسلام. ولم أدرك أنا شخصيا المغزى منهما إلا في وقت قريب. وهو أن أعراب شبه الجزيرة العربية كانوا يخرجون إلى مدن وقرى دولتي الفرس والروم فيهجمون عليها، ويحصلون منها على بعض الغنائم. ثم يعودون إلى صحرائهم الشاسعة دون أن يتمكن أحد من إيقافهم أو الحد من غاراتهم.. لذلك فكرت كل من الدولتين الأكبر في العالم حينئذ أن تقيم حاجزاً من العرب “أنفسهم” بينها وبين هؤلاء الأعراب المغيرين عليها. ولمزيد من دعم هاتين القبيلتين فقد منحت رئيسها لقب “ملك”. ووضعت في خزائنه الكثير من الأموال التي كان ينفق منها بسخاء على الأعراب الذين يلجأون إليه طلبا للرزق أو المديح. وهكذا أصبح هناك “سور عربي يحمي” دولتي الروم والفرس من العرب أنفسهم. ولم يحدثنا التاريخ طبعاً عن صاحب فكرة إنشاء هاتين المملكتين العربيتين، ولا عن طريقة دعمها المالي والعسكري، ولا عن اللقاءات الرسمية والسرية التي كانت تجري بين ملوك هاتين المملكتين وبين المسئولين في دولتي الروم والفرس.. بل ان كل ما ورد إلينا هو بعض قصائد المديح التي أنشدها بعض مشاهير الشعراء العرب في ملوك الغساسنة والمناذرة. ولأننا كنا ساذجين لا ندرك الأبعاد السياسية الخطيرة لوجود هاتين الدولتين، فقد كنا نحسب أنهما نبات طبيعي للتقدم الذي وصلت إليه بعض القبائل العربية المتحضرة. ولم أدرك أنا شخصيا خطورة وجود هاتين المملكتين إلا في الظروف التي تمر بها القضية الفلسطينية، ومن خلال اتفاقية “أوسلو” التي اشترطت فيها إسرائيل قيام سلطة فلسطينية يكون الهدف الأساسي من إنشائها حماية إسرائيل نفسها من هجمات المقاومة الفلسطينية علي جيشها ومستوطنيها. أي أنه نفس الهدف الذي انشئت من أجله دولتا الغساسنة والمناذرة!
أيها الناس: إن الأحداث الجارية الآن في غزة، وما جرى من قبل في لبنان والعراق ومصر وتركيا والصومال والسودان والباكستان وما جاورها، وكذلك ما جرى في باقي بلاد المسلمين في الماضي، وما يجري من أحداث في الحاضر وصولاً إلى المبادرة الفرنسية المشتركة لحل أزمة غزة، ودعوة الرئيس المصري - الغساني أو المنذري - مساء الثلاثاء في مبادرة مشتركة مع نظيره الفرنسي “اسرائيل والجانب الفلسطيني الى اجتماع عاجل للتوصل الى الترتيبات والضمانات التي تكفل عدم تكرار التصعيد الراهن ومعالجة مسبباته”. وأوضح أن هذه الضمانات يفترض ان تشتمل على “تأمين الحدود” استجابة لمطلب اسرائيلي و"إعادة فتح المعابر ورفع الحصار” عن قطاع غزة استجابة لمطالب الفلسطينيين. واكد “الغساني أو المنذري” أن مصر “على استعداد للمشاركة في مناقشة ذلك مع الجانيين الفلسطيني والاسرائيلي ومع الاتحاد الأوروربي وباقي أطراف الرباعية الدولية”. وهذا شاهد كاف على غسانية ومنذرية حكام العرب والمسلمين أصحاب المبادرات ومشاريع التسوية. وقد رشح في بعض وسائل الإعلام أن المبادرة تحتوى على اقتراح بتقسيم قطاع غزة إلى قسمين، قسم حمساوي معتدل، وآخر متشدد، والهدف منه حصر من تبقى لديهم إخلاص وحب للمقاومة والجهاد في بقعة أصغر، حتى يكون حصارهم أشدَّ وأعظمَ أثراً، ثم القضاء عليهم في وقت لاحق بعد تحديد قائمة جديدة بالأهداف التي ستضرب!
أيها الناس: إن أوجه الشبه كبيرة جداً بين الغساسنة والمناذرة القدماء وأشباههم اليوم من حكام دويلات الضرار، منها أنهم كانوا يتقاتلون في معارك طاحنة بينهم نيابة عن أسيادهم، ولكن هناك فروقاً جوهريةً بين غساسنة ومناذرة اليوم وأشباهِهم في الماضي، أما اليوم فالقوم المحدَثون جهلة لاهون، وعن الجهاد والقتال غافلون، وفي النعمة النفطية وأقوات العباد يتقلبون، وعلى المباريات الرياضية مقبلون، وبالسفارات الأجنبية يُحكمون، يؤمّنون مصالح أسيادهم، والدنيةَ في دينهم ودنياهم يعطون. وأما الأقدمون فقد كان الملك الغساني أو المنذري يعتز بعروبته وأصالته ودينه، ولا يساوم على قضايا شعبه، ولا يذل أمام سيده وولي نعمته، بل يؤمّنُ مصالحَه، ولا يعطي الدنية في دينه أو دنياه.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ}، وهذه هي الاستراتيجية المعتمدة لدى أعدائنا، وهذا هو سر قوتهم وضعفنا، فقوتنا في قتالهم جميعاً، أي والمسلمون مجتمعون، ويتخذون الكفار أعداءً أجمعين. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: يعني أنهم من جبنهم وهلعهم لا يقدرون على مواجهة جيش الإسلام بالمبارزة والمقاتلة، بل إما في حصون أو من وراء جدر محاصرين، فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة.
أيها الناس: كتب ربيع الحافظ مقالاً في موقع طريق الإسلام على الشبكة العنكبوتية جاء فيه: بهذا السيناريو تصبح الدولة العبرية على بعد 500 كيلومتر عن أقرب كيان عربي ذي اعتبار عسكري، فمصر التي تفصلها سيناء المنزوعة السلاح غرباً، والعراق المنزوع الأسنان وتحت الضمانات الإيرانية شرقاً، وسوريا وشهادة حسن السيرة والسلوك لثلاثة عقود ونيف من حفظ السلام في الجولان شمالاً. وإلى حين صدور الخريطة الجديدة للمنطقة بتقسيماتها الجديدة، نبقى مع هذا السيناريو. بهذه الهندسة، تكون سفينة المقاومة الفلسطينية الوحيدة المبحرة، على بعد مئات الكيلومترات عن أقرب الشواطئ، والتي يؤمّل إغراقها في عرض البحر بعيداً عن أنظار خفر السواحل، وخارج مدى فرق الانقاذ، ليسدل الستار على آخر أشكال المقاومة في المنطقة. وإني أضيف لما قال ربيع: إن ما يحصل في غزة اليوم يشبه إلى حد بعيد ما حصل في أفغانستان والعراق والسودان وغيرها من مناطق الصراع، وأشد ما يشبه الذي حصل في لبنان قبل نحو عام ونيف، ويتلخص في تأمين الحدود الإسرائيلية الشمالية أولاً ثم تحديد معالمها النهائية لاحقاً، فأميركا اليوم تريد أن تكرر سيناريو كامب ديفد المصرية، فتؤمن حدود إسرائيل الجنوبية أولاً، ثم تحدد معالمها النهائية لاحقاً من خلال ترسيخ حل الدولتين على الطريقة الأميركية، وإنهاء ما يسمى بمشكلة فلسطين، ضمن خريطة الشرق الأوسط الكبير، كي تتمتع بخيراته دون منازعة أوروبية تذكر، ولتحول دون إقامة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة الثانية من جديد. ولكن خاب فألهم، وطاش سهمهم، فالخلافة قادمة قريباً بإذن الله، وسيطاح بالمشاريع الأميركية والأوروبية جميعاً، وستنتقم الأمة أيما انتقام من الغساسنة والمناذرة الجدد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.