(الخطبة الأولى)
أيها الناس: لما وصلت أنباء الهزيمة القاسية التي مني بها خالد بن سعيد في “مرج الصُّفَر” عام 13هـ إلى الخليفة أبي بكر رضي الله عنه أهمه الأمر، وجمع كبار الصحابة لتبادل الرأي والمشورة، واستقر الرأي على دفع العدوان، ورد الروم الذين قد يغرهم هذا النصر المفاجئ، فجهّز أربعة جيوش عسكرية، واختار لها أكفأ قواده، وأكثرهم مراناً بالحرب وتمرسًا بالقتال، وحدد لكل جيش مهمته التي سيقوم بها. أما الجيش الأول فكان تحت قيادة يزيد بن أبي سفيان، ووجهته البلقاء، والثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة، ووجهته بُصرى، والثالث بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، ووجهته الجابية، وقد لحق خالد بن سعيد الذي ذكرناه آنفًا بجيش أبي عبيدة، أما الجيش الرابع فكان بقيادة عمرو بن العاص، ووجهته فلسطين. وأمرهم أبو بكر الصديق بأن يعاون بعضهم بعضًا، وإذا اجتمعوا معًا فالقيادة العامة لأبي عبيدة بن الجراح. وكان الصديق كلما خرج لتوديع جيش من الجيوش الأربعة يوصي قائده بوصايا جامعة، تبين سلوك الفاتحين المسلمين وأخلاقهم في التعامل مع أهالي البلاد القادمين إليها. فقال ليزيد بن أبي سفيان: وإني موصيكم بعشر كلمات فاحفظوهن: لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا صبيًا صغيرًا ولا امرأة، ولا تهدموا بيتًا ولا بيعة، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تعقروا بهيمة إلا لأكل، ولا تحرقوا نخلاً ولا تُغرقوه، ولا تعص، ولا تجُب. وقال لعمرو بن العاص: اسلك طريق إيلياء حتى تنتهي إلى أرض فلسطين، وإياك أن تكون وانيًا عما ندبتك إليه، وإياك والوهن، وإياك أن تقول: جعلني ابن أبي قحافة في نحر العدو ولا قوة لي به، واعلم يا عمرو أن معك المهاجرين والأنصار من أهل بدر، فأكرمهم واعرف حقهم، ولا تتطاول عليهم بسلطانك.. وكن كأحدهن، وشاورهم فيما تريد من أمرك، والصلاة ثم الصلاة، أذن بها إذا دخل وقتها، واحذر عدوك، وأمر أصحابك بالحرس، ولتكن أنت بعد ذلك مطلعًا عليهم. وكان مجموع تلك القوات من الجيوش الأربعة نحو 24 ألف مقاتل. ولما رأى المسلمون ما يحشده الروم من قوات ضخمة بلغت 90 ألفاً، أرسلوا إلى الصديق يخبرونه بحالهم ويطلبون منه المدد، فأمدهم بعكرمة بن أبي جهل ومن معه من الرجال، وكان الصديق قد استبقاهم في المدينة تحسبًا لأي طارئ، غير أن المدد لم يغير شيئاً في جبهة القتال، وتجمد الموقف دون قتال يحسمه. وكان خالد بن الوليد في جبهة العراق ينتقل من نصر إلى نصر، فرأى الصديق أن يطلق كلمته المشهورة: “والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد”. فبعث إلى خالد بأن يقدم إلى الشام ومعه نصف قواته، حتى يلتقي بأبي عبيدة بن الجراح ومن معه، ويتسلم القيادة العامة للجيوش كلها، ثم كتب إلى أبي عبيدة يخبره بما أقدم عليه، وجاء في كتابه: “فإني قد وليت خالدًا قتال الروم بالشام، فلا تخالفه، واسمع له وأطع أمره، فإني قد وليته عليك، وأنا أعلم أنك خير منه، ولكن ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، أراد الله بنا وبك سبل الرشاد، والسلام عليك ورحمة الله”. وتجمعت الجيوش الإسلامية مرة أخرى عند أجنادين، وهي موضع يبعد عن “بيت جبرين” بحوالي أحد عشر كيلو مترًا، وعن الرملة حوالي تسع وثلاثين كيلو مترًا، وكانت ملتقى مهمًا للطرق. شكّل خالد جيشه ونظّمه ميمنة وميسرة، وقلبًا، ومؤخرة. فجعل على الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة سعيد بن عامر، وعلى المشاة في القلب أبا عبيدة بن الجراح، وعلى الخيل سعيد بن زيد. وأقبل خالد يمر بين الصفوف لا يستقر في مكان، يحرض الجند على القتال، ويحثهم على الصبر والثبات، ويشد من أزرهم، وأقام النساء خلف الجيش يبتهلن إلى الله ويدعونه ويستصرخنه ويستنزلن نصره ومعونته، ويحمسن الرجال. ثم أقبل على كل جمع من جيشه يقول لهم: اتقوا الله عباد الله، قاتلوا في الله من كفر بالله، ولا تنكصوا على أعقابكم، ولا تهنوا من عدوكم، ولكن أقدموا كإقدام الأسد وأنتم أحرار كرام، فقد أبيتم الدنيا، واستوجبتم على الله ثواب الآخرة، ولا يهولكم ما ترون من كثرتهم، فإن الله منزل عليهم رجزه وعقابه، ثم قال: أيها الناس إذا أنا حملت فاحملوا. وبعد أن انقشع غبار معركة أجنادين وتحقق النصر، بعث خالد بن الوليد برسالة إلى الخليفة أبي بكر الصديق يبشره بالنصر وما أفاء الله عليهم من الظفر والغنيمة، جاء فيها: أما بعد، فإني أخبرك أيها الصديق أنا التقينا نحن والمشركين، وقد جمعوا لنا جموعاً جمة كثيرة بأجنادين، وقد رفعوا صلبهم، ونشروا كتبهم، وتقاسموا بالله لا يفرون حتى يفنون أو يُخرجونا من بلادهم، فخرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين على الله، فطاعنّاهم بالرماح، ثم صرنا إلى السيوف، فقارعناهم في كل فج، فأحمد الله على إعزاز دينه وإذلال عدوه وحسن الصنيع لأوليائه. فلما قرأ أبو بكر الرسالة فرح بها، وقال: الحمد لله الذي نصر المسلمين، وأقر عيني بذلك.
أيها المسلمون: هكذا تكون القيادة المخلصة الحكيمة سياسياً وعسكرياً، وهكذا تكون الجيوش المؤمنة المجاهدة. فكيف أصبحت جيوش المسلمين اليوم؟ وكيف أصبح قادتها العسكريون والسياسيون؟؟ أما الجيوش فكالمياه الراكدة الآسنة لا تبدي حراكاً، ولا تقاتل عدواً، ولا تنصر مسلماً. وأما قادة هذه الجيوش من العسكريين فشكلهم أنيق ولكنهم في سبات عميق. وأما السياسيون فعليهم رجس من الله وغضب، يجادلون في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. قاتلهم الله أنى يؤفكون. جاء في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة”. أخرجه أبو داود في سننه، وصححه الألباني من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: عندما كانت جيوش المسلمين في الجبهات لا في الثكنات، رفعوا رأس أمتهم عالياً، وأخفضوا رؤوس الكفر وأخضعوهم لسلطان الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجاً. ولما أصبحت جيوشنا محصورة في ثكناتها، وممنوعة من القتال في جبهاتها، عمنا الذل والهوان، وأثخن العدو فينا الجراح، وخرج الناس من دين الله أفواجاً. اثنان وعشرون يوماً ذاق المسلمون في قطاع غزة خلالها طعم الموت بكافة أشكاله وأنواعه، وعضهم الجوع بنابه، وعمهم الدمار في شتى صوره وأبعاده، وجيوش المسلمين المجحفلة رابضة في ثكناتها كالنساء في خدورها، لا يغارون ولا يتحركون، وكالأصنام لا ينطقون! ينظرون إلى نفر من المقاومين من الأبطال الغزيين يتلقون الرصاص المسكوب بصدور عارية، وأسلحة خفيفة، دون غطاء جوي أو بري أو بحري! ما هذه الخسة والنذالة يا قادة الجيوش، أحكامكم خير لكم أم ربكم الذي خلقكم ورزقكم؟ وهل تظنون أنكم بمنأىً عن سؤاله لكم لمّا خذلتكم إخوانكم في غزة ومخيم جنين وجنوب لبنان ومخيمات صبرا وشاتيلا وغيرها؟ إن كتيبة واحدة منكم لما تمردت على الأوامر، وخرجت من الثكنة إلى الجبهة، ونصرت الفدائيين في معركة الكرامة عام 1969م تغير وجه المعركة، وارتبك العدو أيما إرباك، وفقد حكامكم صوابهم. فماذا عليكم لو تمردتم وخرجتم من الثكنات إلى الجبهات، وما أكثرها عند المسلمين؟!
أيتها الجيوش: اعملوا على فك قيودكم، وانصروا إخوانكم العاملين لإعزاز دينكم وإقامة خلافتكم، حتى تستطيعوا نصر إخوانكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. خذوا العبرة من جيوش أجنادين التي أخلصت دينها لله، وخرجت من ثكناتها إلى الجبهات، وقاتلت في سبيل الله تحت قيادة حكيمة مخلصة، فأظهرها الله على عدوها، وفتح البلاد أمامها. لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف فطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون.
أيها المسلمون: في هذا الوقت العصيب يلزمنا فتاوى ساخنة لا يخشى قائلوها في الله لومة لائم، ويجب على العلماء أن يرددوها فوراً ولا يملوا من تردادها حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة. فنقول للمسلمين: إنكم آثمون إن لم تعملوا فوراً مع العاملين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، ونقول للجيوش: إنكم آثمون إن لم تتحركوا فوراً لقلع حكامكم ومبايعة خليفة يخرجكم من الثكنات ويوجهكم إلى الجبهات، ونقول للمجاهدين: إصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، ولا تسمحوا لتجار السياسة أن يستثمروا صمودكم ودماء شهدائكم وجراح جرحاكم في أعمال سياسية رخيصة محرمة آثمة كاذبة خاطئة، ونقول أخيراً للحكام: لقد اقترب يوم حسابكم وأنتم في الخيانة والعمالة غارقون، وعلى شعوبكم تتآمرون، وعن نصرتهم غافلون، لا حاجة لنا بدراهمكم بل نريد مدافعكم وطائراتكم، وسنأخذها منكم قريباً بإذن الله، وسنذيقكم وبال أمركم، وستكون عاقبة مكركم الدمار لكم ولقومكم وأسيادكم أجمعين، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.