(الخطبة الأولى)
أيها الناس: جاء في الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة لشيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري: الصفقة لغةً، الضرب بباطن الكف، واصطلاحاً، عقد البيع أو غيره، وفي تفسير أبي السعود لقوله تعالى: {فطمسنا أعينهم} أي: فمسحناها وسويناها كسائر الوجه، روي أنه لما دخلوا دار لوط عليه السلام عنوة، صفقهم جبريل عليه السلام صفقة فتركهم يترددون لا يهتدون الى الباب، حتى أخرجهم لوط عليه السلام. فالصفقة أيها المسلمون هي كلمة تطلق ويراد بها في اللغة الضرب بباطن الكف، وغالباً ما يكون الصفق على الوجه، فذلك أبلغ في الإهانة، وأعظم في الأثر النفسي والمادي. ولا يجوز أن يصفق الحبيب حبيبه، أو الصديق صديقه، أو الوالد ولده، أو الرجل زوجه، لأن النبي عليه السلام نهى عن ضرب الوجه في كل أحوال الضرب أو الصفق. روى مسلم وغيره من أصحاب السنن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَجَنَّبِ الْوَجْهَ”. ولكن العدو إذا تمكن من عدوه فإنه لا يراعي فيه وجهاً ولا قَفا، ولا يرقب فيه إلاً ولا ذمة، بل يضربه ضرباً لا هوادة فيه، ويصفقه بلا رحمة. قال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}، قال ابن كثير رحمه الله: يَقُول تَعَالَى مُرْشِدًا لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا يَعْتَمِدُونَهُ فِي حُرُوبهمْ مَعَ الْمُشْرِكِينَ: “فَإِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَاب"، أَيْ: إِذَا وَاجَهْتُمُوهُمْ فَاحْصُدُوهُمْ حَصْدًا بِالسُّيُوفِ، “حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ"، أَيْ: أَهْلَكْتُمُوهُمْ قَتْلًا، “فَشُدُّوا الْوَثَاق"، يعنى الْأُسَارَى الَّذِينَ تَأْسِرُونَهُمْ، ثُمَّ أَنْتُمْ بَعْد اِنْقِضَاء الْحَرْب وَانْفِصَال الْمَعْرَكَة مُخَيَّرُونَ فِي أَمْرهمْ، إِنْ شِئْتُمْ مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ فَأَطْلَقْتُمْ أُسَارَاهُمْ مَجَّانًا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَادَيْتُمُوهُمْ بِمَالٍ تَأْخُذُونَهُ مِنْهُمْ وَتُشَاطِرُونَهُمْ عَلَيْهِ.
أيها الناس: لقد ضاعت فلسطين من كثرة الصفقات التي تلقاها أهلها ولا أقول أبرموها، فإبرام الصفقات يقتضي التكافؤ كما هو حال البيِّعين حين إبرام عقد البيع، وإما إذا عُدم التكافؤ فالصفقة تعني ضرب القوي للضعيف على وجهه وأم رأسه، كي يخضع للشروط التي يمليها عليه، ثم يوقّع بعد الصفق على صك التنازل أو الاستسلام أو ما شاكل ذلك من متطلبات الذل والهوان. ولعل أكثر ما يميز عصرنا السياسي هو كثرة الصفقات التي يتلقاها زعماء المسلمين وقادتهم من أعدائنا الجاثمين على صدورنا، والمحتلين لأرضنا، والناهبين لثرواتنا، والمقسمين لبلادنا، والقاتلين لأبنائنا ونسائنا وأطفالنا...! فمن صفقة سايكس بيكو قبل نحو مائة عام إلى صفقة تبادل الأسرى اليوم، والمسلمون يعانون أشد المعاناة من هذه الصفقات التي لم تجلب عليهم أي خير، ولم تغن عنهم من التقدم شيئاً. والسبب واضح كالشمس في رابعة النهار، وهو الاختلال الفاضح في ميزان القوى بين المسلمين والكفار من أعدائهم. فمن يساوي بين الرجل المريض – وهو اللقب الذي كان يطلق على الدولة العثمانية في آخر عهدها – وبين بريطانيا وفرنسا اللتين كسبتا الحرب العالمية الأولى فصارتا كالشاب القوي الفتي الذي يلاعب الأسنة في الميدان، يضرب يمنة ويسرة دون مقاومة تذكر؟ مثلهم في ذلك كمثل أفغانستان أو العراق مع أميركا؟ أو كمثل السلطة الفلسطينية بجناحيها الوطني والإسلامي وباقي فصائلها مع “إسرائيل"؟ أو الأرجنتين مع بريطانيا، أو كمثل أميركا وبنما التي سُحب رئيسها نورييغا من كرسي الحكم إلى السجن مباشرة، ومن بعده ما اقتيد ميلوزوفيتش رئيس يوغوسلافيا سابقاً إلى لاهاي، ولربما لحقه عمر البشير الذي يعيث فساداً في السودان، والحبل على الجرار.
أيها الناس: لم يُعهد عن المسلمين أنهم عقدوا صفقات سياسية كالتي يعقدها القوم اليوم، ولم نسمع عنهم إلا مواقف العز والقوة أمام أعدائهم. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرحلة الدعوة قد عرض عليه ما عرض فأبى إلا الاستمرار في حمل الدعوة حتى يظهر الله دينه أو يهلك دونه. وبعد إقامة الدولة، لم يخضع لتهديد أو ينحني لوعيد، بل قال: فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة. وقد نهج الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم من بعده عليه السلام نفس الطريق القويم الذي لا يقبل التنازل أو التفريط أو عقد الصفقات، ولولا الموقف الحازم لأبي بكر الصديق من المرتدين لمزقت دولة الإسلام وهي في سنواتها الأولى، ولو أن عمر رضي الله عنه أوقف الفتوحات كما فعل بعض السلاطين العثمانيين لما كانوا وما كُنّا. ولمّا أولى أبو بكر رضي الله عنه إمرة جيش المسلمين لخالد بن الوليد ليواجهوا جيش الروم الذي بلغ مائتين وأربعين ألف مقاتل، وقف خالد بجيش المسلمين قائلاً: إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وتعالوا نتعاور الإمارة، فيكون أحدنا اليوم أميراً والآخر غداً، والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم. وقبل أن يخوض خالد القتال، كان يشغل باله احتمال أن يهرب بعض أفراد جيشه بالذات من هم حديثو عهد بالإسلام، من أجل هذا ولأول مرة دعا نساء المسلمين وسلمهن السيوف، وأمرهن بالوقوف خلف صفوف المسلمين وقال لهن: من يولي هارباً، فاقتلنه. وقبيل بدء القتال طلب ماهان قائد الروم من خالد أن يبرز إليه في الفراغ الفاصل بين الجيشين، ثم قال له: قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع فإن شئتم اعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً، وترجعون إلى بلادكم، وفي العام القادم أبعث إليكم بمثلها! فأدرك خالد ما في كلمات الرومي من سوء الأدب ورد قائلاً: إنه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت، ولكننا قوم نشرب الدماء، وقد علمنا أنه لا دم أشهى ولا أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك! وعاد بجواده إلى صفوف الجيش، ورفع اللواء عالياً مؤذنا بالقتال: الله اكبر، هبي رياح الجنة. فلا يتحدثن أحد بعد هذا اليوم عن صفقة مع الكفار أبداً، فالصفقة تعني الصفعة، وكفاناً صفقاً وصفعاً، ومن يفعل ذلك فالأمة ستصفقه صفقاً، وستصفعه صفعاً، عاجلاً أم آجلاً.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن قادة فلسطين ومن يسوقونهم في دروب المهالك السياسية من الحكام الخونة، متحيرون ومتهوكون، يتهافتون على إبرام الصفقات، وعقد الهدن والمعاهدات، وتحديد المرجعيات وتجديدها وغير ذلك من الأعمال السياسية التي ثبت فشلها، وتحققت خسارة من يسيرون في ركابها. وهذا التهافت هو مصدر الداء الذي أصاب أهل فلسطين على وجه الخصوص، وأدى إلى وصول القضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه من الضياع. وقد أصبح واضحاً لدى كل مراقب ومتابع أن العابثين في هذه القضية من أصحاب الصفقات لم يتعظوا من مواقف أسلافهم الأخيار مع الأعداء الكفار! لمّا وصل المأمون بجيشه أرض الروم عرض عليه ملكهم أن يرجع ولا يغزو بلاد الروم، ويعود بجيش المسلمين محملين بالأموال والطعام، ويعيد له ما أنفقه على الجند منذ خروجه حتى عودته، أو أن يعمر له بلاد المسلمين التي هدموها، أو أن يفرج له عن جميع أسرى المسلمين. فكان رد المأمون أن تلا قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}، ثم قال: لو أني قلعت أقصى حجر في بلاد الروم ما اعتضت بصيحة امرأة مسلمة في بلاد الأسر وآسلاماه، وأما الأسير فأحد رجلين، رجل خرج في سبيل الله فهو في سبيل الله، ورجل خرج للدنيا فلا فك الله أسره.
أيها الناس: إن تهافت المتهافتين في فلسطين وغيرها على إبرام الصفقات الأمنية وعقد الهدن والمعاهدات المشبوهة، والتمسك بالتفاوض غير المتكافيء وما يسمونه بخيار السلام الاستراتيجي وغير ذلك من ألفاظ المذلة ومفردات الهزيمة والانكسار، هو بيع للبلاد والعباد، ولن يفضي بالأمة الإسلامية إلى تغيير ما أصابها والخروج من مأزقها، بل سيزيد الطين بلةً، والأمور تعقيداً. وليس لنا والله إلا الحل الوحيد الذي يرضي ربنا عز وجل ويحقق طموحاتنا الكبيرة وآمالنا العريضة، ألا وهو إقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي ستوقف صفقات بيع البلاد، وتُغير بالصافنات الجياد، لتحرر البلاد والعباد. فكونوا من العاملين لها يرحمكم الله، ولا يستخفنكم المتهافتون المصفوقون المصفوعون.