(الخطبة الأولى)
أيها الناس: منذ أن انتقلت أعمال الجهاد والمقاومة في فلسطين من حالة الصلابة إلى حالة الغازية، تبخرت مع هذا الانتقال الآمال التي كانت تحدو أهلها البسطاء بإمكانية تحريرها أو إيقاف مسيرة تهويدها أو غير ذلك من المصطلحات التي كانت تستخدم للتعبير عن رفض ما يحاك في أروقة السياسة ودهاليزها من إنشاء وطن قومي لليهود فيها. فكان الحراث الفلسطيني يترك محراثه على حاله في أرضه، وينفر للمشاركة في هجمة جهادية دفاعية عن أرض جيرانه قبل أن يصلوا أرضه، ويقاوم بما يملك من سلاح متواضع في أثره، ولكنه كبير في معناه، فإما أن يرجع إلى محراثه ليكمل العمل الذي بدأه، وأما أن يجرح أن يستشهد في غزوته وقد أدى ما عليه. وهكذا يحدثنا التاريخ الموثوق عن حالات كثيرة جرت على هذا المنوال الصادق، وأوقعت خسائر كبيرة في صفوف الغزاة الطامعين من الانجليز المحتلين واليهود المستوطنين. ولم يكن يخطر في بال أحد من المقاومين أو المجاهدين أن تلهث خلفه وسائل الإعلام ووكالاتها المختلفة لعقد لقاء معه أخذ تصريح صحافي أو ما شاكل ذلك مما نسمع اليوم ونشاهد. ولم تكن الخلافات بين المقاومين والمجاهدين تصل إلى مستوى سفك الدماء والانشطار التنظيمي والتشظي الفصائلي أو موالاة الأعداء بشكل ظاهر يندى له الجبين، أو التصريح الفاضح بعشق الكراسي مهما كانت صناعتها وأياً كان تنجيدها، وفي أي مكان وضعت حتى ولو على جثث الشهداء وأنقاض البيوت.
أيها الناس: لقد حصل تغير نوعي غير مقبول على أعمال الجهاد والمقاومة في فلسطين، إذ قد أصبحت القضية مختزلة في أعمال إصلاح بين الفصائل المتناحرة، ولا نكاد نلحظ أي ذكر للقضايا الهامة كتحرير كامل التراب الفلسطيني، أو إزالة دولة العدوان، أو ما هو أدنى من ذلك بكثير كحماية المقدسات أو إعمار البيوت المهدمة وإيواء أصحابها المشردين، أو توظيف الأموال الطائلة التي تملكها الفصائل في شراء البيوت التي فرط بها أصحابها من ذوي النفوس المريضة، أو تثبيت الناس في بيوتهم التي تتهددها المخالفات والمحاكم ودفع الأموال الطائلة أو الهدم، أو ما هو أدنى من ذلك شراء الأسلحة وتهريبها لاستمرار أعمال الجهاد والمقاومة، بدلاً من الحديث عن تسليم السلاح والاستسلام بالموافقة على الهدن وعقد المعاهدات وإظهار حسن السلوك للعدو ومن والاه.
بئس القادة أنتم يا زعماء فلسطين، وأنتم تتسكعون في شوارع القاهرة ودمشق وطهران كما تسكع الذين من قبلكم في شوارع عمان وبغداد والكويت وتونس، تنشدون الحلول من حكام خونة باعوا بلادكم وقتلوا آباءكم وأجدادكم وأبناءكم، وخذلوا قادة جهادكم وثوراتكم وأعمال مقاومتكم من قبل.
بئس القادة أنتم يا زعماء فلسطين، وأنتم تجلبون النكبات على شعبكم إذا اتفقتم، كما جلبتموها تترى عليهم لما اختلفتم وتدابرتم وتقاتلتم، فلا حاجة لنا باتفاقكم وقد جربناكم.
بئس القادة أنتم يا زعماء فلسطين، لما صارت الكراسي أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين.
بئس القادة أنتم يا زعماء فلسطين، وأنتم تستجيبون لنداء المخابرات المصرية، وتلتزمون بتواريخها المقدسة بزعمكم، ولا نكاد نسمع أو نرى لكم أي استجابة لنداء الأقصى الذي بح صوته، وحرق منبره، وأغلقت أبوابه، وازداد أنينه، وتضعضعت أركانه من الأنفاق التي حفرت تحته.
بئس القادة أنتم يا زعماء فلسطين، خدعكم الكافر الذي أوجدكم زعماء وجعلكم قادة، وخدعكم صندوق الانتخابات الذي أفرزكم زعماء وجعلكم قادة، وما علمتم أن الذي أوجدكم في الزعامة أول مرة هو الذي أوصلكم عب الانتخاب في الثانية، وهو الذي فرق جماعتكم فتقاتلتم وتناحرتم، وهو الذي حاصركم وقصفكم وقتلكم وأبناء شعبكم، وهو الذي أمدكم بالمال لتداووا بعض جراحكم، وتستأنفوا السير معه إلى جحر الضب مضبوعين.
بئس القادة أنتم يا زعماء فلسطين، تسكتون متدابرين ومتشاحنين حتى يرتب العدو أوراقه السياسة والعسكرية، ثم يعيد الكرة عليكم متى يشاء فيفرج عن بعض أسراكم، ويعتقل أضعاف أعدادهم، وأنتم تنظرون.
بئس القادة أنتم يا زعماء فلسطين، تنهشون أجساد بعضكم بالرصاص، وتردحون لبعضكم كالنساء الفاجرات في وسائل إعلامكم، ثم أنتم توقفون الحملات الإعلامية، وتجلسون في الفنادق الفخمة تتحاورون، ثم تتعانقون في القاهرة كما تعانق الذين من قبلكم في بيروت ودمشق، وتتقاسمون الديات والميزانيات المخصصة للمنكوبين، ولا نسمع منكم إلا شكاوى الفقر، وعجز الميزانيات، وتأخير رواتب الموظفين غير العسكريين من أزلامكم ورجالات القمع عندكم.
بئس القادة أنتم يا زعماء فلسطين، كفرنا بكم وبزعامتكم، فأنتم لستم كفؤاً لقيادة شعب يسعى لتحرير وطنه، ودحر عدوه، ونيل كرامته، فاتركوا الزعامة وازهدوا فيها، فهذا مطلبنا المتواضع جداً منكم. فإن لبيتموه أحببناكم إخواناً، وكنتم كما قال تعالى {إنما يستجيب الذين يسمعون}، وإن رفضتموه كرهناكم أبداً ما حيينا، وسنورث كراهيتكم لأبنائنا حتى يقلعوكم من جذوركم إن لم نتمكن نحن من فعل ذلك قبلهم، وكنتم كما قال الله تعالى فيهم {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون}.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: عجباً لقادة فلسطين وزعمائها، يخاطبون العدو بلغة لا يفهمها، وهي لغة الهدنة والسلام والوفاء بالالتزامات وغير ذلك، ويخاطب بعضهم بعضاً باللغة التي يفهمها العدو جيداً، وهي لغة الرصاص والشتائم والاعتقال المتبادل والتعذيب حتى الموت وغير ذلك، ولكنهم لم يخطر ببالهم أبداً حتى هذه الساعة أن يتخاطبوا باللغة التي نريدهم أن يتقنوها جيداً، وهي لغة الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين، لغة السياسة الصحيحة التي أتقنها وتحدث بها أسلافنا الأماجد من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وباقي الصحابة الأخيار الذين تعلموها في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم السياسية. عجباً لقادة فلسطين وزعمائها يلدغون من نفس الجحر مرات ومرات، ويفتنون في كل عام مرات ومرات، ويقعون في نفس الفخ مرات ومرات، فلا هم يتقون ولا يحدث ذلك لهم ذكراً! عجباً لهم لا يتعلمون من أخطائهم، ولا من أخطاء إخوانهم الذين سبقوهم في فلسطين وغير فلسطين، عجباً لهم إذا ذكر الله لا توجل قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته لم تزدهم إيماناً وتسليماً! عجباً لهم يلهثون وراء سراب السلام، ويتحدثون بلغة المناشدة للمؤسسات الدولية ومجلس الأمن وأميركا وغيرها، ينفخون في قربة مثقوبة، لا تمسك ماءاً، ولا تروي ظمآناً! عجباً لهم وتَبّاً، يهيمون في واد السياسة الخاطئة الكاذبة، ويتركون مجال الشريعة الرحب الذي لا يضل في فضائه مؤمن ولا يشقى!
أيها الناس: نقولها ولا نمَلُّ من قولها، وسنقولها ما حيينا ولو أغضب قولنا لها من في الأرض جميعاً، أيها الزعماء والقادة في فلسطين على وجه الخصوص: اتركوا مواقعكم الزائفة فوراً، وعودوا إلى حضن أمتكم الإسلامية الدافيء من قبل أن تصبحوا حكاماً كحكام دويلات الضرار، فيصيبكم ما أصابهم، وتستمرءوا الجلوس على الكراسي كما استمرأه الذين من قبلكم، فحرصوا على البقاء فيه مهما كان الثمن. إصرفوا أبصاركم عن كراسي الحكم تأتكم الكراسي صاغرة، أما إذا شخصت إبصاركم إليها فستذهبوا إليها صاغرين، وشتان بين مشرق ومغرب.
أيها الناس: إن المسلمين الأوائل لمّا صرفوا أبصارهم عن كراسي الحكم ومناصبه جاءتم تلك الكراسي صاغرة، فكانوا بالخيار بين أخذها والجلوس عليها معززين ومكرمين، أو تركها والزهد فيها والبقاء مجاهدين مرفوعي الهامات يتوقون إلى دخول الجنات. أولائكم الذين قال الله فيهم: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود}. أولئك الذين صدقوا الله فصدقهم، ونصروه فنصرهم، وابتغوا مرضاته فأعزهم وأيدهم وأظهرهم على عدوهم، ولا عزة للمسلمين إلا إذا ساروا على نهجهم واقتفوا آثارهم. ونهجهم يتلخص في العمل لإقامة الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة أولاً، وتحمل الإسلام إلى العالم أجمع رسالة هدى ونور ثانياً، ثم تزيل العقبات التي تعترض طريقها كافة، وتنسي الكفار وساوس الشيطان.