(الخطبة الأولى)
أيها الناس: تضرب البلادَ الإسلاميةَ اليوم موجةٌ عاتية من الأعمال السياسية المشبوهة، وخصوصاً في البلاد التي سالت فيها دماء المسلمين بغزارة نتيجة للصراعات الفصائلية أو المذهبية أو العرقية، كالعراق وأفغانستان والبوسنة وكوسوفا والصومال ولبنان وفلسطين. ويهدف أصحاب هذه الموجة العاتية من وراء الأعمال السياسية المشبوهة تلك، إلى جمع الفرقاء المتناحرين في حكومات وحدة وطنية دائمية دستورية أو مؤقتة انتقالية، لتقاسم المكتسبات المتاحة، وإرضاء كل فريق بنصيب من القصعة يتناسب مع قوته الميدانية. وفي كل الأحوال التي تشكل فيها حكومات وحدة وطنية يخرج كافة الأطراف بخسارة كبرى نتيجة لتنازلهم عن شيء ليس يسيراً من الأهداف التي كانوا يدّعون العمل لتحقيقها، وحملوا السلاح دفاعاً عنها، وغير ذلك من ألفاظ الدعايات التنظيمية واللافتات الحزبية، إضافة إلى الدماء والأشلاء.
أيها الناس: ليس هذا الأمر جديداً، بل إنه حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه ممثل الموجة القرشية العاتية يفاوضه، ويعرض عليه بتعبيراتنا اليوم (حكومة وحدة وطنية قرشية) تقوم على فكرة التنازلات المبدئية، كي تنال من قوة الدعوة الإسلامية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد، أسمعْ؛ قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي يأتيك رَئيِّاً تراه لا تستيطع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه، أو كما قال له. حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني؛ قال: أفعل؛ فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنـزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآناً عربيا لقوم يعلمون. بشيراً ونذيراً، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون. وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبة، أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه؛ ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.
أيها الناس: حتى نكون أكثر دقة وتحديداً فيما نرمي إليه، ونفصل المسألة تفصيلاً لا يدع مجالاً لغموض أو شك أو تأويل، لا بد لنا من ضرب أمثلة صارخة على ما نقول. ولنبدأ من الصومال، حيث دعا زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن من مكانه الذي يتابع أحداث العالم منه، دعا إلى قتال حكومة الصومال الانتقالية الجديدة ووصفها بالمرتدة وحذر من مبادرات “تلبس عباءة الإٍسلام” يطلقها رئيسها شيخ شريف شيخ أحمد الذي “ارتد على عقبيه” وأصبح حسب وصفه نسخة معدلة من الرئيس الأفغاني حامد كرزاي. وقال مخاطباً الصوماليين: “الحرب الدائرة فوق أرضكم هذه السنوات هي حرب بين الإسلام والصليبية العالمية” والشيخ شريف “أحد هؤلاء فيجب خلعه وقتاله”. وحذر من مبادرات “تخالف أحكام الشريعة الإسلامية كالمبادرة المنسوبة لبعض علماء الصومال بإعطاء شيخ شريف ستة أشهر لتطبيق الشريعة الإسلامية” وقال إن شيخ أحمد بمرسوم أصدره الثلاثاء نص على تطبيق الشريعة “وافق على إشراك القوانين الوضعية الكفرية مع الشريعة الإسلامية لإقامة حكومة وحدة وطنية، وهذا الإشراك هو الشرك الأكبر المخرج من الملة”. ثم ننتقل إلى القاهرة حيث تناقلت وسائل الإعلام عن الفصائل الفلسطينية المتحاورة هناك أنها وافقت على تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية انتقالية لا يعلم إلا الله وحده كيف ستشكل، ومتى ستعترف بأن أرض فلسطين ليست لها ولا للمسلمين؟! ومن فلسطين ننتقل إلى العراق، حيث تشكلت بالأمس حكومة الوحدة الوطنية بعد قتل وجرح وتهجير الملايين من العراقيين لتخرج علينا اليوم بأنها ستقيم تحالفاً يمنع تقسيم العراق على أسس طائفية مذهبية إثنية. وليس الحال في باقي بلاد المسلمين التي عصفت بها رياح الاحتلال الخارجي أو الاقتتال الداخلي أو رياح كليهما معاً بأحسن من البلاد التي تم ذكرها.
أيها الناس: إن أبرز الخسائر تكمن في جانب الإسلاميين عندما يتوافقون مع الوطنيين في هذا النوع من حكومات الوحدة الوطنية، فمن تسميتها بالوطنية تستطيع أن تقول إن الإسلاميين هم الخاسرون، حيث طغت الصبغة الوطنية على الصبغة الإسلامية، وهذا يعني أن مطالب الإسلاميين بتطبيق الشريعة الإسلامية قد انتهت عند سقف الوطنية المنخفض، ولن يكون بمقدورهم إذا أقر دستورهم أن يجددوا مطالباتهم القديمة بتطبيق الشريعة، وإلا فسيمنعون بأمر القانون، وسيسجنون بأمر القانون، وإذا أصروا فإنهم سيعدمون بأمر القانون، وأي قانون؟ قانون الوحدة الوطنية. وحتى لو تجاوز المتفقون نقطة التسمية الوطنية، فإنهم سيطلقون عليها اسماً إسلامياً فضفاضاً لا يدل على إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية صراحة أو دلالة أو استنباطاً أو قياساً.
أيها الناس: إننا نلاحظ أن حكومات الوحدة الوطنية المبتدعة قد جاءت جميعاً بعد أن سالت الدماء بغزارة في سبل مختلفة تماماً عن هذه النتيجة، وذلك أن أحداً من الفدائيين أو المقاومين أو الاستشهاديين أو المقاتلين أو المجاهدين لم يعلن يوماً أنه قد حمل السلاح لإقامة حكومة وحدة وطنية لا في الصومال ولا في فلسطين ولا في العراق ولا في أفغانستان ولا في البوسنة ولا في كوسوفا ولا في السودان ولا في غيره من بلاد المسلمين التي سالت فيها تلك الدماء، وتناثرت فيها الأشلاء. فحكومات الوحدة الوطنية هي حصاد مختلف تماماً عن الزرع، وثمار لا تمت بصلة للبذور. ورب سائل يسأل، وما هي المشكلة في تشكيل حكومة وحدة وطنية؟ أليست توقف سيل الدماء، وتلم شعث الأشقاء؟ والجواب على ذلك بسيط لا يحتاج إلى جهد أو عناء، يكفي أنه حكومة، ومعنى ذلك أنها تحكم، فبأي شيء تحكم؟ إقرأوا إن شئتم قول الله عز وجل: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، وقوله {فأولئك هم الظالمون}، وقوله {فأولئك هم الفاسقون}. فحكومات الوحدة الوطنية إما كافرة وإما ظالمة وإما فاسقة، وإما جامعة للكفر والظلم والفسق جميعاً، فلماذا يوافق عليها المسلم إن كانت كذلك؟
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: سيقول السفهاء من الناس بأن الذين اشتركوا في تشكيل حكومات الوحدة الوطنية هم الذين كانوا يقاومون ويجاهدون، فهم وحدهم الذين يملكون قرار السلم كما كان قرار الحرب بأيديهم، وهم المؤهلون لقيادة الشعوب في السراء كما قادوها في الضراء وحين البأس، وهم الذين قدموا التضحيات الجسام، ولديهم رصيد نضالي المعروف، فمن أحق منهم باقتسام الغنيمة؟ والجواب على هذا المستوى المتدني من الحوار يكمن في قول الله عز وجل {قل لله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله}. فمن أنبأكم أنكم تستطيعون التحكم في النتائج كما تحكمتم أو تحكم غيركم في المقدمات؟ فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يعرف ماذا سيفعل الله به وبدعوته، بل كان يقول {قُلْ مَا كُنتُ بِدعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. فلما صدق مع الله صدقه الله وأنجز له وعده، ولما التزم بالمنهج القويم أظهره الله على الدين كله، ولما لم يساوم على قليل أو كثير نصره الله وخذل أعداءه.
أيها الناس: هذا هو الرسول القدوة فاتبعوه وأطيعوا أمره، فإنه من سار على خطاه اهتدى، ومن خالف أمره وعصاه غوى. وأما حكومات الوحدة الوطنية في ميزان الشريعة الإسلامية فكفتها طائشة كما طاشت السجلات ببطاقة لا إله إلا الله يوم الحساب. فيا أيها المقاومون والمجاهدون المتفاوضون: لا تقبلوا بحكومات الوحدة الوطنية، فإنها حكومات صنعت على عين الكفار البصيرة وأعوانهم من حكام دويلات الضرار، ألا ترون أن الذين يديرونها هم مدراء المخابرات الأشرار؟ ألا فاعلموا أن الاشتراك فيها حرام، فلا يغرنكم بريق الدولار، وتبوّءَ المناصب فيها حرام ما دام حكمٌ شرعي واحد من الشريعة الإسلامية لم يطبق بعد، فالذين يشتركون اليوم في حكومة وحدة وطنية في العالم الإسلامي، يعلنون الحرب على الله ورسوله، ونحن نتحداهم – إن ملكوا الجرأة – أن يعلنوا ذلك على الملأ ويقولوا بأنهم يرفضون تطبيق الشريعة الإسلامية، حتى يتدبر أحياء الأمة معهم أمرهم. وأما الشهداء الأبرار فإنهم أحياء عند ربهم ينتظرون مخاصمة أولئك المفرطين بين يدي العزيز الجبار، وعند الله تجتمع الخصوم.
أيها الناس: اتركوا التعليلات جانباً والذرائع والتبريرات، ولا تكونوا كالقوم الذين تحايلوا على النصوص التشريعية، وماطلوا في تلبية الطلبات الربانية، فأشقاهم الله وغضب عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاباً أليماً. بل كونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأصغوا إلى النصيحة، ولا تأخذكم العزة بالإثم. فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل، {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون}. أما نحن وقد أدينا الذي علينا من النصح والمحاسبة، فسنواصل العمل الجاد المخلص والهادف إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.