(الخطبة الأولى)
أيها الناس: عن حزام بن حكيم عن عمه عن رسول الله قال: إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه، قليل سائلوه كثير معطوه، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه قليل معطوه كثير سائلوه، العلم فيه خير من العمل. وروى البخاري في الأدب المفرد بسنده عن زيد بن وهب قال: سمعت ابن مسعود يقول: إنكم في زمان كثيرٌ فقهاؤُه، قليلٌ خطباؤُه، قليلٌ سُؤَّاله، كثيرٌ مُعطوه، العمل فيه قائدٌ للهوى، وسيأتي من بعدِكم زمانٌ قليلٌ فقهاؤُه، كثيرٌ خطباؤُه، كثيرٌ سُؤَّاله، قليلٌ مُعطوه، الهوى فيه قائدٌ للعمل، إعلموا أن حُسنَ الهدي ِفي آخر الزمان خيرٌ من بعض العمل. وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان: إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قرَّاؤُه، تحفظ فيه حدودُ القرآن، وتضيَّع حروفه، قليلٌ مَن يَسأل، كثيرٌ من يُعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويُقصرون الخُطبة، يُبَدُّونَ أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي على الناس زمانٌ قليلٌ فقهاؤه، كثيرٌ قرَّاؤُه، يُحفظُ فيه حروفُ القرآن، وتضَيَّع حُدودُه، كثيرٌ مَن يَسأل، قليلٌ مَن يُعطي. يُطيلونَ فيهِ الخُطبة، ويُقصرون الصلاة، يُبَدُّونَ فيه أهواءَهم قبلَ أعمالهم. وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أكثر منافقي أمتي قراؤها). وقال مالك رحمه الله: (قد يقرأ القرآن من لا خير فيه). وأخرج عبد الرزاق في المُصَنف عن مَعمر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: إنكم في زمان قليل خطباؤه، كثير علماؤه، يطيلون الصلاة، ويقصرون الخطبة، وإنه سيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه، يطيلون الخطبة، ويؤخرون الصلاة، حتى يقال: هذا شرَقُ الموتى، قال: قلت له: وما شرَقُ الموتى؟ قال: إذا اصفرت الشمس جداً، فمن أدرك ذلك فليصلِّ الصلاة لوقتها، فإن احتبس فليصلِّ معهم، وليجعل صلاته وحده فريضة، وليجعل صلاته معهم تطوعاً.
أيها الناس: إن الأدلة على تفضيل الفقه والعلم على الخطابة والقراءة أكثر من أن تحصى في عجالة كهذه، وهي مما استقر عليه الدين، وسارت عليه الأئمة، ودونته كتب الأولين والآخرين. بل هو من المعلوم من الدين بالضرورة أو يكاد، لا يماري فيه عالم، ولا يشك فيه عاقل. وبالرغم من هذه الحقائق الساطعة كالشمس في رابعة النهار، فإن القوم اليوم يتجهون إلى الخطابة والقراءة، ويتجاهلون العلم والفقه، وإن اهتموا به أو ببعضه فإنهم يحصرونه في أضيق أحواله وأصغر مساحاته. والأدهى من ذلك والأمر أنهم لا يعملون بما يتعلمون ولا بما يتفقهون، وكأن العلم والفقه قد وجدا للشهادات والوظائف الدينية وحسب، أو للترف الفكري والمتعة الذهنية. ولا أدل على ذلك من أن علماءنا وقرّاءنا وخطباءنا الذين يعرفون قول الله عز وجل: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} كما يعرفون أبناءهم، ثم نراهم لا يكفّرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله في بلاد المسلمين، بل نجدهم في قصورهم يمدحونهم على شنيع فعالهم، ويفصلون الفتاوى على مقاس أهوائهم وسياساتهم، ويروضون العامة من الناس على طاعتهم والسكوت عنهم والرضا بما يقولون ويخططون وينفذون. ولقد خرج بعضهم عن كل حدود المعقول عندما رفض أن يكفر أميركا وباقي دول الكفر! وساروا في مسارات حوار الأديان المشبوهة تحت رعاية زعيم الكفر في روما. فهؤلاء العلماء قد حفظوا حروف القرآن ولكنهم ضيعوا حدوده، فلم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر. وإنهم يقرأون قول الله سبحانه وتعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}، وهم يرون المسلمين متفرقين لا جماعة لهم ولا إمام، فلا نسمع من علمائنا وقرائنا وخطبائنا من يدعو لإقامة الجماعة وتنصيب الإمام إلا ما رحم ربك. وإنهم يعلمون أن قتال الطلب الوارد في قوله تعالى: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)، وقوله: (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ). وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَع الْمُتَّقِينَ)، ولكن قتال الطلب هذا معطل، وكل ما يترتب عليه كالدعوة إلى الإسلام وفرض أحكام الجزية وغيره معطل. فهذهِ الأحكامُ المعطَّلة تضييعٌ لحدود القرآن، والعلماء يعرفون حروفها ويقرءونها، فما لهم لا يطبقون؟ ولقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نهتم بالفقه قبل غيره، فقال في الحديث الذي رواه معاوية رضي الله عنه: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، ولم يقل يجعله خطيبا، أو قارئاً، والمقصود بالقارئ المذموم هو الذي يقرأ ولا يفقه، وإذا فقه لا يُطبق. وإلاَّ فإن قراءة القرآن يُؤجر فاعلها، بل يُؤجر على النظر في القرآن.
أيها الناس: لقد أوصلنا هذا الإهمال الشديد للفقه إلى مستوى لا نحسد عليه من الجهل وحب العيش، ومرت علينا العقود الطويلة دون إمام يحكمنا بشرع الله، وتعاقبت على بلاد المسلمين الإحتلالات، وقتل منا مئات الملايين، ودمر اقتصادنا، وساءت أخلاق شبابنا وشيبنا، واختلط الحابل بالنابل، فلا حد في الأرض يقام، ولا عدو غاصب للبلاد يقاتَل. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لقد أصيب عالم دين مغربي بنوبة قلبية أثناء إلقائه خطبة الجمعة التي تحدث فيها عن الأوضاع المأساوية في لبنان وفلسطين، حيث انفعل بحرقة وهو يلقي خطبته يوم الجمعة الماضي بمسجد القدس بالدار البيضاء، وألمت به نوبة قلبية مفاجئة سقط على إثرها مساء نفس اليوم جثة هامدة. واعتبر بعض المصلين الذين حضروا الخطبة المذكورة أنها كانت مؤثرة، حيث بين الخطيب الفقيد بحماسة أسباب الهوان الذي يعيشه المسلمون وأبرز الحل الأمثل الذي يكمن في العودة إلى تطبيق الدين الحق والتمسك بالقرآن الكريم والسنة الطاهرة، مستهجنا صمت المسلمين عن هذه الأوضاع المهينة. رحمك الله أيها الخطيب الصادق في لهجتك، رحمك الله وبارك لك في حسناتك، وأرجو أن يكون في موتك عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وها نحن قد تأثرنا بموتك ولم نكن قد سمعنا عنك في حياتك، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن تكون من المقسطين، وأن يجلسك الله على منبر من نور يوم القيامة، مصداقاً لقول الرسول عليه السلام فيما رواه الإمام مسلم رحمه الله عن عبد الله بن عمر بن العاص: “إن المقسطين عند الله، على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا.
أيها الناس: إننا بحاجة إلى أن يضيف علماؤنا وخطباؤنا وفقهاؤنا إلى علمهم وفقههم وخطابتهم شيئاً من العمل الجاد المخلص لرفعة شأن أمتنا المنكوبة، وأن يصب هذا العمل مباشرة في خانة نهضتها، من غير مواربة أو مداهنة أو محاباة لأحد كائناً من كان. فنحن بحاجة لأن يقف علماؤنا وخطباؤنا ويقولون لحكام المسلمين تنحوا عن كراسيكم حتى نبايع واحداً منا إماماً يحكمنا بالإسلام فأنتم لا تحكمون به، هكذا بكل وضوح وبلا مواربة. ونحن بحاجة إلى أن يقف علماؤنا وخطباؤنا ويقولون إن فلسطين والعراق وأفغانستان بلاد محتلة عسكرياً ولا تجوز بشأنها المفاوضات أو الهدن والمعاهدات، وإنما التحرير بالجيوش ولو كلف ذلك ملايين الشهداء، هكذا بكل وضوح وبلا مواربة. ونحن بحاجة إلى أن يقف علماؤنا وخطباؤنا ليحضوا الناس على العمل لإقامة الخلافة الإسلامية التي تحكم بالشريعة الإسلامية وتحارب الكفار المحتلين لأرض المسلمين حتى تخرجهم منها، وتحمل دعوة الإسلام عن طريق الجهاد في سبيل الله إلى العالم أجمع، هكذا بكل وضوح وبلا مواربة. ولسنا بحاجة إلى مزيد من الكتب تؤلف، أو الشهادات ينالها الطلبة، أو الأخذ بالإسلام المسموح به من قبل الحكام دون الممنوع. ومن باب أولى، فإننا لن نرضى لأحد من علماء المسلمين وخطبائهم أن يمجد حاكماً لا يحكم بما أنزل الله، أو يشجع فصيلاً يسعى لإقامة دويلة وطنية تزيد من تمزق المسلمين وشرذمتهم، ولو كان هذا الفصيل مجاهداً أو مقاوماً. فاتقوا الله أيها العلماء والخطباء والقراء وقولوا قولاً سديداً.