(الخطبة الأولى)
أيها الناس: لا شك أن الأحداث الدامية في وادي سوات، وقرار الحكومة الباكستانية المجرمة استنفار الجيش لاستئصال مقاتلي حركة طالبان، يستحق أن يتصدر موضوع خطبتنا لهذه الجمعة لبيان حرمة دماء المسلمين، وخطورة أن يلتقي المسلمان بسيفيهما، وفي الوقت نفسه إظهار مدى عمق التبعية والخيانة والعمالة التي تتردى في أوديتها الحكومة الباكستانية، ويكفي لبيان ذلك فرحة الإدارة الأميركية بهذا القرار وارتياحها لرؤية مناظر الدماء والأشلاء والدمار واللاجئين في وادي سوات. ولكن زيارة بابا الفاتيكان إلى الأرض المقدسة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس قد جاءت لتحتل مكان الصدارة في حديثنا اليوم، لا باعتبار أهمية ما يسمى بالبابا، فليس له في نظرنا أي أهمية، ولكن باعتبار هذا الرجل على وجه التحديد قد أتي بما لم يأت به من سبقه من باباوات عندما تطاول على مقام حضرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وحاول النيل من الشريعة الإسلامية الغراء. حيث قال في كلمة ألقاها في محاضرة بجامعة ريجينسبورج بولاية بافاريا الألمانية في 21/9/2006، والتي كان عنوانها الأيمان والعقل والجامعة.. ذكريات وإنعاكسات، قال ما يلي: (أرني شيئاً جديداً أتى به محمد، فلن تجد إلا ما هو شرير ولا إنساني، مثل أمره بنشر الدين الذي كان يبشر به بحد السيف). انظروا إلى هذا المارق المخادع الذي خرج عن حدود وظيفته الدينية، وجاوز حدود اللياقة الأدبية في النقاش والحوار بين الأديان، عندما اقتبس نصاً من حوار دار قبل خمسة قرون بين امبراطور بيزنطي ومثقف فارسي، يطعن فيه الامبراطور الهالك في مصداقية الاسلام وعدله ورحمته، وينال من عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسالة الإسلام.
أيها الناس: ليس المهم ما يقوله هذا الدجال الحاقد أو ذاك الامبراطور الجاحد، فهذا شيء متوقع من اليهود والنصارى وباقي ملل الكفر والشرك والوثنية ضد الإسلام، ولا نسعى لنيل رضاهم، فتلك غاية مستحيلة التحقق لقوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}. ولكن القضية تكمن في ردود أفعال المسلمين وحكامهم ومشايخهم وعلمائهم ومفكريهم، حيث لم يصدر من هؤلاء موقف يليق بتفوهات هذا الزائر المرتقب، ومنذ أن قال ما قال وهو حر طليق يصول ويجول، ويتبوأ من الأرض حيث يشاء، إلى أن وصل إلى بلاد المسلمين وعقر دارهم الشام. وبدلاً من أن يمنع من زيارة الأرض المقدسة، فإنه يستقبل فيها استقبال القادة الفاتحين، ويفرش له السجاد الأحمر، ويتجمع الناس للقائه في الساحات العامة والكنس غير الشرعية والمساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه. وبدل أن يقابل بالأحذية التي تهينه، والسيوف التي تهوي على لسانه لتخرسه وتقطعه، فإنه يقابل بالورود والرياحين والمواكب المليئة بالحرس الشديد. وأما في الماضي، عندما كان المسلمون يحبون الله ورسوله، ويتبعون شرعه ويطبقونه، فإنهم كانوا يقتلون كل من سب الأنبياء أو تنقص من قدرهم أو تطاول على مقامهم الرفيع، وعلى رأسهم سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ورحم الله مالكاً عندما سأله الرشيد عن رجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر له أن فقهاء العراق أفتوه بجلده؟ فغضب مالك، وقال: يا أمير المؤمنين، ما بقاء الأمة بعد شتم نبيها؟ من شتم الأنبياء قتل، ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جُلد. ولهذا أفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه بما شهد عليه من استخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وخَتْن حيدرة، وزعمه أن زهده لم يكن قصداً، ولو قدر على الطيبات أكلها. وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سُحنون بقتل إبراهيم الفزاري، وكان شاعراً متفنناً في كثير من العلوم، وكان ممن يحضر مجلس القاضي أبي العباس - قاضي قرطبة - بن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا صلى الله عليه وسلم، فأحضر له القاضي يحيى بن عمرو غيره من الفقهاء وأمر بقتله وصلبه، فطعن بالسكين وصلب منكساً، ثم أنزل وأحرق بالنار.
أيها الناس: لسنا دعاة قتل واغتيالات، بل إننا عاملون على إقامة الخلافة التي تقيم العدل في الأرض وتقتص من كل ظالم متجبر متطاول، ولكن ذلك لا يعني أبداً أن نسكت عن المنكرات الفظيعة التي ترتكب بحق المسلمين في شتى أصقاع الأرض، وعلى رأسها إنكار منكر بندكتوس السادس عشر وأمثاله الذين أساءوا لنبينا ورسولنا وقائدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتطاولوا على مقامه الكريم، وعابوا شريعة الإسلام السمحة. وإن لم نفعل فما أدينا لرسول الله حقه، ولا وفينا لله عهده، ولا نامت أعين الجبناء.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إننا نبرأ إلى الله من حكامنا الذين خذلونا واستقبلوا شاتم نبينا، ونأسف الأسف الشديد على علمائنا الذين سكتوا عن منكر الحكام هذا، ونثمن مواقف العلماء الذين أنكروه ولو بألسنتهم – والله أعلم بما في القلوب – وخصوصاً موقف رابطة علماء فلسطين، فجزاهم الله خيراً، وننتظر منهم المزيد من إنكار المنكرات التي تعصف بقضية فلسطين وباقي بلاد المسلمين. ولسائل أن يسأل: ما هو الموقف الصحيح من اليهود والنصارى أهل الكتاب في ظل دولة الإسلام وحال غيابها؟ فنقول وبالله التوفيق: إن الموقف الشرعي لا يتجاوز قول الله سبحانه وتعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}. فإن استجابوا فبها ونعمت، وإن لم يفعلوا فلا يحق لنا أن نشتم أديانهم أو شركاءهم، ولكنا ندعوهم إلى أن يدفعوا الجزية ويحكموا بالإسلام، فإن أبوا فإنا نستعين بالله ونقاتلهم أبداً حتى نفضي إلى موعود الله، الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي. وأما في غياب دولة الخلافة الإسلامية، فإن الواجب الأعظم الملقى على عاتق المسلمين هو العمل مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإقامتها، وهذا لا يمنع من إنكار المنكرات باليد واللسان والقلب وفق الاستطاعة ضمن الضوابط الشرعية. فإن لم نتمكن من منع هذا الزائر غير المرغوب فيه إلى بلاد المسلمين، فإنا ننكر على من سمح له بالزيارة، وأحاطه بالعناية والرعاية والحراسة، ونشهد الله على ذلك إبراءاً للذمة ووفاءاً بالعهد الذي أخذه الله علينا لنبيننه للناس ولا نكتمنه، وحتى لا نكون من الذين ينبذون الكتاب وراء ظهورهم أو الذين يشترون به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون. فالله الله في دينكم أيها المسلمون، والله الله في نبيكم نبي الهدى والرحمة، كونوا لهم مدافعين مخلصين وحراساً أمينين، ولا يؤتين الإسلام من قبل أحدكم فكل رجل منكم على ثغرة من ثغره، واعملوا يرحمكم الله مع العاملين لإقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي تحفظ للمسلمين هيبتهم، وتأخذ على يد ظالمهم، وتننصر لمظلومهم، وتدافع عن كرامة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، فوالله الذي لا إله غيره إن حاجة المسلمين اليوم للخلافة هي أشد من حاجتهم للماء والهواء، إذ الموت في طاعة الله خير من الحياة في معصيته.