(الخطبة الأولى)
أيها الناس: إن الأصل في تسليح جيوش المسلمين أنه على المسلمين أنفسهم، بأموالهم النقية النظيفة، بل من أنقاها وأنظفها وهي أموال الزكاة، قال تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، وأما قوله: (وفي سبيل الله)، قال الإمام الطبري: فإنه يعني: وفي النفقة في نصرة دين الله وطريقه وشريعته التي شرعها لعباده، بقتال أعدائه, وذلك هو غزو الكفار. ولذلك فرض الإسلام على المسلمين أن يجهزوا جيوشاً قادرة على إرهاب العدو، وتحقيق الأهداف الجهادية بشقيها الدفع والطلب. وإذا لم يبق في بيت المال مال للإنفاق على الجيوش وأرزاق الجند والبحوث العسكرية والصناعة الحربية، فإن الخليفة يأمر بجمع الضرائب الكافية لذلك من القادرين، وإذا كان الأمر ملحاً مستعجلاً فإنه يستدين من الأغنياء من أبناء المسلمين على أن يسدد هذا الدين من بيت المال عند وفرة المال فيه. وهذا ما جرت عليه السنّة، وعملت به الأئمة.
أيها الناس: منذ هدم الخلافة تغير كل شيء في حياة المسلمين نحو الأسوأ، حتى الجيوش لحقها التغيير والتبديل، وفقدت فاعليتها في خدمة قضايا المسلمين، وتبدلت أحوالها لتصبح سيفاً مسلطاً على رقابهم. ولا أدل على ذلك من الذي يحصل اليوم في باكستان والصومال، حيث تسلط جيوش المسلمين هناك لقتل المجاهدين المخلصين، تنفيذاً لرغبات الكفار المحتلين من الأميركيين والإثيوبيين، غير عابئين بتشريد الملايين وقتل الأبرياء وإسالة الدماء الزكية دون وجه حق. والسبب في ذلك أن الحكومات المشكلة في تلكم البلاد لا تمثل عامة المسلمين فلم يدعموها، ولا يرضى عنها المسلمون المخلصون فهبوا لقتالها، فوقع العامة بين مطرقة جيش الحكومة وسندان المجاهدين، ومن أجل ماذا؟ خدمة لمخططات الكفار المستعمرين الذين هم لتطبيق الشريعة رافضون، وفي ثروات المسلمين هم طامعون.
أيها الناس: هذا هو حال جميع جيوش المسلمين، تسليح وتدريب وفق أهواء الكفار المستعمرين، وفعاليات عسكرية تنفيذاً لمخططاتهم الإجرامية الدموية، وحماية لعروش الحكام العملاء الخائنين لله ولرسوله ولجماعة المسلمين. أجل، أيها المسلمون، هكذا كان جيش العراق أداة في يد البعثيين وحماية لنظامهم الكافر، حارب الجيش الإيراني ثماني سنوات أهلكت الحرث والنسل، وقتلت ما يربو على المليون من الطرفين من غير طائل أو نتيجة تذكر، ثم حارب في الكويت في غير جبهته الحقيقية نيابة عن الانجليز، فأغار عليه الأميركيون فقتلوه قتل عاد وإرم، وتناثرت الجثث والآليات العسكرية المحروقة فوق رمال الصحراء الملتهبة. ولما قررت أميركا احتلال العرق بالكامل، إذا بالجيش العراقي يتلاشى ويذوب كما يذوب الملح في الماء. ثم أقامت أميركا جيشاً جديداً للعراق قوامه مئات الآلاف من الأفراد والرتب العسكرية وسلحته كما تشاء، ودربته كما تريد، ليكون حارساً للطائفية البغيضة، والوطنيات المقيتة.
أيها الناس: ليس الذي فتح هذا الملف الساخن اليوم هو القتال الدائر في وادي سوات الباكستاني، أو في مقاديشو الصومالية، وليس الملايين الذين قضوا في العراق قبل وبعد احتلاله – وإن كان في كل ما يوجب الحديث -ولكنه خبر يثير حفيظة النفوس المؤمنة، ويوجد الاشمئزاز والتقزز فيها، ويجلب مقت الله ومقت المؤمنين في فلسطين وخارجها، ولو سمع به الأوائل وأمكنهم الخروج من قبورهم لفعلوا من غير أن يترددوا لحظة واحدة. ذلكم الخبر هو عزم رئيس الوزراء الإسرائيلي على تقوية الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، ضمن مقاربة سياسية جديدة لا تشمل الحديث عن الدولة الفلسطينية. هكذا قال صراحة ومن غير مواربة: إننا راغبون في مواصلة التعاون ضمن برنامج الجنرال دايتون من أجل تقوية الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. دايتون وما أدراك ما ديتون، جنرال أميركي يعمل ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً على بناء وتدريب قوات الأمن الفلسطينية وزيادة أعدادها حيثما يلزم من أجل قمع إرادة الشعب الفلسطيني في المقاومة أو التعبير عن رأيه في الأحداث التي يرى أنها تهمه! دايتون هذا يقول في حفل تخريج فوج من أفواج القوات الأمنية الفلسطينية: إننا لم ندربكم لمقاتلة المحتلين لأرضكم، وإن سلاحكم هو للداخل الفلسطيني. دايتون هذا مسرور جداً من أداء القوات الفلسطينية في جنين ورام الله والخليل وقلقيلية وغيرها من المدن الفلسطينية عندما قمعت الجماهير وقتلت المسالمين وكسرت عظامهم، ويقول: لقد كان أداؤهم رائعاً. أيها العسكريون الفلسطينيون، إن جيشاً فلسطينياً يقف على رأسه جنرال أميركي لن يقوده لتحقيق الأهداف الفلسطينية، كما أن جيشاً عراقياً يقف على رأسه جنرال أميركي لن يقوده لتحقيق الأهداف العراقية، وكذا الحال في باكستان والصومال، وهكذا كان الحال في الجيش الأردني لما كان قائده جنرال بريطاني. وقد يقول قائل: إن القائد البريطاني قد ذهب عن قيادة الجيش الأردني، وسيذهب القائد الأميركي عن الجيش العراقي والجيش الفلسطيني، فلماذا هذه الضجة الكبرى؟ والجواب على ذلك هو أن الجنرال الأردني الذي خلَف الجنرال البريطاني (غلوب) كان تلميذاً نجيباً من تلامذته، فهو يسير على خطاه، وينفذ سياسته، كما هو الحال مع الجنرال العراقي الذي يقود الجيش العراقي اليوم، وكما هو الحال مع الجنرال الباكستاني (كياني) الذي يدير المعارك في وادي سوات ضد المسلمين اليوم، وكما هو الحال مع باقي الجنرالات من قادة الجيوش المصرية والسورية واللبنانية والتركية والصومالية وغيرها من جيوش المسلمين.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إنها لمخزاة حقاً أن تكون طاقات المسلمين العسكرية تحت إمرة جنرالات كافرة أو تابعة مباشرة لها، وإنها لمحرقة عسكرية أن يساق الجنود المسلمون في قتال إخوانهم وقمعهم خدمة لأغراض أعدائهم، وإنها والله لمنقصة تاريخية في جبين العسكر المسلمين أن يساقوا كالأغنام إلى الذبح في معارك بين المسلمين ليذهب الطرفان إلى النار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: روى البخاري عن الحسن قال: خرجت بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار). قيل: فهذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: (إنه أراد قتل صاحبه). وفي رواية أخرى للبخاري: قال له أبو بكرة: ارجع.
أيها الناس: إن هذا العبث بجيوش المسلمين حرام وأي حرام، إنه مساس بالقوى الفاعلة في الأمة، وجعلها تحت سيطرة الكفار، وقد حرم الله ذلك تحريماً قاطعاً في قوله عز وجل: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}، وإنه حرف لأهل القوة والمنعة من الجيوش المسلمة عن مسارها الصحيح الذي هو نصرة الإسلام والمسلمين، وإنه هو السبب المباشر في عدم تطبيق الإسلام على المسلمين، وإنه السبب المباشر في بقاء هؤلاء الحكام مهيمنين على سلطان المسلمين، وإنه السبب المباشر في احتلال أراضي المسلمين ودوام احتلالها، ونهب ثروات المسلمين ودوام نهبها، وإذلال الشعوب المسلمة ودوام إذلالها، فماذا أنتم فاعلون أيها المسلمون؟ إن سكتم عن هذا الوضع المزري والآثيم، تكونوا قد ارتكبتم إثماً فظيعاً ومنكراً عظيماً، وإن آزرتم وأيدتم هذا الوضع الشاذ، تكونوا شركاء في قتل إخوانكم واحتلال بلادكم ونهب ثرواتكم، ودوام تعطيل قرآنكم وسنة نبيكم عليه الصلاة والسلام، فلا يكون ذنب أعظم من ذنبكم. وأما إن أنكرتم هذا المنكر، وعملتم مع العاملين على إزالته، وآزرتموهم وأيدتموهم وهم يعملون بجد واجتهاد لإقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، فإنكم ستكونون من الذين أطاعوا الله ورسوله، والله عز وجل يقول: {ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً}. وسيورثكم هذا العمل عز الدنيا والآخرة، حيث سيجعل القرآن فيكم مطبقاً، والسنة فيكم عاملة، ويضع الله بالخلافة سبيل الكافرين عن المؤمنين، وتملك الأمة زمام أمرها، فتعد العدة والعتاد لقتال أعدائها بأبنائها البررة المخلصين، الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. رايتهم العقاب، وعدوهم الكفار، يطئون أعداء الشريعة بأقدامهم، أشداء على الكفار رحماء بينهم. فلا تهراق نقطة دم واحدة من أبناء المسلمين إلا في سبيل الله، ولا ينفق درهم واحد من أموالهم إلا لتحقيق أهدافهم الشرعية النظيفة. وستصبح خيانة الحكام والعبث بالقوات المسلحة الإسلامية شيئاً من الماضي، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.