(الخطبة الأولى)
أيها الناس: إن من أبسط متطلبات الصحة ألا يتناول الشخص طعاماً أو دواءً إذا كانت صلاحيته قد انتهت، ولذلك يحرص المرء على أن يدقق في تاريخ انتهاء الصلاحية لكل طعام يغذيه، أو دواء يشفيه، وإذا ما اكتشف أن هذا الطعام، أو ذاك الدواء قد انتهى تاريخ صلاحيته، فإنه لا يتناوله، بل يعيده إلى مصدره إن كان قد اشتراه بعد انتهاء تاريخ صلاحيته، أو يتلفه ويرميه في الحاوية غير مأسوف عليه إذا انتهت صلاحيته وهو في حوزته. ولا يصاحب هذا الاجراء أي تردد في تنفيذه، أو تفكير بخسارة ثمنه، لأن صحة الإنسان لا تقدر بثمن، ويهون في سبيلها الغالي والنفيس، بل إن الناس أكثر ما يسأل بعضهم بعضاً عن الصحة والحال ونسبة السكر في الدم، والقلب وضغط الدم فيه، ولو رأى شخص شيئاً غير مألوف في وجه آخر أو أي شيء من جسمه – ولو كان يسيراً – فإنه يسأله عنه ويستقصي أسبابه، ويلهج لسانه بالدعاء إلى الله أن يشفيه مما هو فيه بأسرع ما يمكن. والفكرة نفسها تنسحب على كل شيء تنتهي صلاحيته، وليس فقط على الطعام والشراب والدواء، بل هناك تواريخ انتهاء صلاحية لكل شيء من صنع البشر في هذه الدنيا، وهو ما يعرف بالعمر الافتراضي للمنتوجات، وإذا ما اقترب تاريخ انتهاء صلاحية المنتج فإن مالكه يسعى لاستهلاكه بسرعة، أو التخلص منه وبيعه بسعر أقل لآخرين يمكن أن يرغبوا فيه. وهكذا دواليك، فتاريخ انتهاء صلاحية الشيء أمر في غاية الأهمية عند الناس، ولذلك نجد الغشاشين من التجار، يتلاعبون بتاريخ انتهاء الصلاحية هذا، ويضعون ملصقات جديدة تحمل تواريخ جديدة على المنتوجات المنتهية تواريخ صلاحيتها لتسويقها، غير عابئين بالأضرار التي ستترتب على استهلاكها من تسمم وأخطار أخرى قد تودي بحياة الإنسان الذي يستهلكها أو تسبب له أمراضاً وأوجاعاً كثيرة. وما أكثر تلك التلاعبات خصوصاً في البلاد التي لا تحترم شعوبها ولا تكترث بتطبيق قوانينها. وكم سمعنا عن أغذية فاسدة أغرقت الأسواق، وجلبت أرباحاً طائلة على التجار الغشاشين المجرمين! أما عند الدول التي تحترم شعوبها وتهتم بتطبيق قوانينها فإن عقوبات رادعة تتخذ بحق المتلاعبين في تواريخ انتهاء صلاحية الطعام والشراب والدواء وما شاكل ذلك.
أيها الناس: إن الأشياء التي خلقها الله في هذا الكون لا تحمل تواريخ انتهاء صلاحية، بل لها أمد حدده الله لحكمة بالغة لا يعلمها إلا هو، وإذا جاء الأجل توفاه وأنهى وجوده أو غير نظامه. فالأرض بصخورها وأتربتها وباقي خواصها، والهواء بمكوناته، والبحار والأنهار بمائها ومحتوياتها، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمر الله، لا يلحقها عفاء ولا انتهاء، حتى يأتي أمر الله فتطلع الشمس من مغربها، ويبدل الله الأرض بغير الأرض والسماوات، وغير ذلك مما أنبأنا عنه ديننا الحنيف، نؤمن به ونصدق بحدوثه، ولا راد لقضائه. وإن الإسلام كنظام من عند الله، وليس من صنع البشر، لا تنتهي صلاحيته، بل هو صالح لكل زمان ومكان، خلافاً للمبادئ والقوانين الوضعية التي سرعان ما تنتهي صلاحيتها وتصبح غير صالحة للبشر الذين وضعوها وأنتجوها، بل إنها من وجهة نظر الإسلام تولد وصلاحيتها منتهية. وقد أعلن الإسلام من أول يوم فساد الأصنام للعبادة، وقرر انتهاء صلاحيتها فوراً، وأن الخمرة لا تصلح كشراب ولو كانت طازجة، وأمر بإتلافها حتى سالت أودية المدينة بها، وقرر الإسلام عدم صلاحية الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقوذة والمتردية وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب، وقرر الإسلام أن أياً من هذه الأطعمة لا يصلح للاستعمال الآدمي إلا في حالة الاضطرار والإشراف على الهلاك والإكراه الملجئ. وقرر الإسلام عدم صلاحية الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى الكتب السماوية التي نزلت على الأنبياء السابقين نسخت وانتهت تواريخ صلاحيتها. وقرر الإسلام انتهاء تواريخ صلاحية كل رباً في الجاهلية، وقرر انتهاء تواريخ صلاحية كل الدماء التي أهريقت في الجاهلية، وقرر انتهاء تاريخ صلاحية القومية والوطنية والملكية والهرقلية والكسروية والقيصرية، وقرر انتهاء تواريخ صلاحية الافتخار بالآباء، وأنها من عمل الجاهلية، وقرر انتهاء تاريخ الدورة الأولى للزمان، وأنه قد استدار على هيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وبالملخص فإن كل ما جاء به الإسلام يعتبر ذا تاريخ صلاحية جديد يُبطل تاريخ صلاحية ما جاء قبله، بل ويحجب الصلاحية عن تاريخ كل منتج عقائدي أو فكري أو تشريعي يأتي بعده. ولما تعدى البشر على هذه القوانين وتمردوا عليها، وُجد فيهم الكفار من أصحاب العقائد الفاسدة، ووجد فيهم السكارى الذين يعيثون في الأرض فساداً، وانتشرت فيهم الفيروسات الانفلونزية، وشاعت الأمراض المستعصية التي لم تكن في الأسلاف الذين مضوا. ولا يزال العالم حتى الساعة يدفع ضريبة باهظة بسبب استعمال العقائد والنظم الفاسدة التي انتهت تواريخ صلاحيتها، فهو يتردد في البؤس والشقاء، ويعاني كل أنواع البلاء، وأصبحت الحاجة للتجديد ماسة، وضرورة التغيير ملحة.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: لقد أصبحنا نعيش في زمان تواريخ صلاحية كل شيء فيه منتهية تقريباً، ومع ذلك فإنها لا زالت تسوق على الناس رغم السموم والأخطار المترتبة على استعمالها. ويقف على رأس هذه البضائع الفاسدة والسامة الحكام في العالم الإسلامي وقد انتهت مدة صلاحيتهم من قبل أن يعينوا، وانتهت تواريخ صلاحية بعضهم طبقاً لقوانينهم التي عفا عليها والزمن، ورغم ذلك لا زالوا في كراسيهم يصولون ويجولون، والإسلام يفرض علينا أن نتخلص منهم كما يُتخلص من الأطعمة الفاسدة، لأن بقاءهم في السلطة مضر بشكل أكبر بكثير من الأطعمة الفاسدة في الأسواق. ومما يلفت النظر أن الكفار الذين نصبوا هؤلاء الحكام على رقاب المسلمين، قد وضعوا لهم تاريخاً لانتهاء صلاحيتهم، فإذا اقترب ذلك التاريخ، فإن الأرض تزلزل من تحت أقدامهم، وسرعان ما يُخلعون بالاستقالة القسرية أو الاغتيال أو الإعدام أو القبض عليهم بعد استصدار مذكرات الطلب والجلب، أو تكون نهايتهم على يد شعوبهم الذين ضاقوا بهم ذرعاً وبعمالتهم وخيانتهم.
أيها الناس: لقد أصبح القاصي والداني يعرف أن صلاحية حكام المسلمين اليوم منتهية، ولم يعودوا صالحين للاستهلاك الآدمي أو الحيواني فلماذا نبقي هذه البضائع الفاسدة بين ظهرانينا؟ وإننا اليوم مطالبون أكثر من أي وقت مضى بالتحرك للتخلص منهم، وإلقائهم في المكان اللائق بهم وبأمثالهم. هذا وإن المكان الوحيد الذي يناسبهم ويريحنا من شرورهم هو النار التي تحرقهم وتحرق أوبئتهم معهم، فإن لم نستطع فعل ذلك في نار الدنيا، فنار الآخرة تنتظر، وهي أشد حراً وأشد تنكيلاً. أما الإسلام فهو البديل الصحي والصالح لهذه الأنظمة الوضعية الفاسدة، كما كان بديلاً عن أنظمة الطاغوت والجاهلية الفاسدة من قبل، والخليفة القادم هو البديل الصحي والصالح لهؤلاء الحكام الفاسدين، وكما كان القرآن هو البديل الناسخ والمهيمن للكتب السماوية، فهو عينه الذي يصلح أن يكون هو بديلاً عن الرأسمالية والاشتراكية والديموقراطية وما شابه ذلك من الكتب الوضعية التي يتبعها البشر في زماننا، فالرسول صلى الله عليه وسلم أوصانا بالاعتصام بالكتاب والسنة ونبذ ما سواهما. عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إعقلوا أيها الناس قولي، فقد بلغت، وقد تركت فيكم أيها الناس ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا، كتاب الله وسنة رسوله.
أيها الناس: إن الاعتصام بالكتاب والسنة يعني مبايعة إمام على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا الإمام هو الخليفة الذي يرأس دولة الإسلام التي هي دولة الخلافة، فإلى العمل لإقامتها أدعوكم أيها المسلمون، ففيها عز الدنيا والآخرة. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.