(الخطبة الأولى)
أيها الناس: قرر مجلس الشيوخ الأميركي اعتماد مبلغ 106 بلايين دولار لتمويل الحرب على أفغانستان، في حين يعد رئيس أميركا أوباما المسلمين بتحسين العلاقات الأميركية الإسلامية! وقرر نتنياهو أن دولة “إسرائيل” يهودية، وأن القدس عاصمة أبدية موحدة لها، ولا عودة للاّجئين، وأن دولة الفلسطينيين القادمة لن تسيطر على بر أو بحر أو هواء، وستكون منزوعة السلاح، في حين يتعاقب الخطباء السياسيون الفلسطينيون في الداخل والخارج على منابر الضعف والاستخذاء يعدون شعبهم المنكوب بدولة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 م، {يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً}. وقد يسأل سائل فيقول: ما هو الربط بين القرارات في هذين الخبرين والوعود؟ ثم يسأل أسئلةً آخرى: ما هي العلاقة بين أفغانستان وفلسطين؟ وما علاقة كل منهما بأميركا و"إسرائيل"؟ وهي أسئلة في محلها، وتحتاج إلى إجابة مقنعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
أيها الناس: إن الذي يفرق بين المسلم الأفغاني والمسلم الفلسطيني ويولي أمره لعدوه مضروب في عقله ودينه. أما فساد عقله فلأنه إنسان واقع تحت تأثير الهجمات الغربية الشرسة التي أفسدت الذوق الإسلامي الوحدوي، وفرقت المسلمين عرباً وعجماً وشيعة وسنة، إلى غير ذلك من التقسيمات التي ما أنزل الله بها من سلطان، فعقله مسلوب، إذ العاقل لا يأمن عدوه، ولا يلدغ من نفس الجحر مرتين. وأما أنه مضروب في دينه، فلأنه غير معايير الوحدة التي تجمع بين الناس، ودعا بدعوى الجاهلية، وتعزى بعزائها. فالله عز وجل يقول: {إنما المؤمنون إخوة}، ولم يقل بأن العرب أو العجم إخوة، وكذلك لم يقل بالتفريق بين أردني وفلسطيني، أو ضفاوي وغزاوي، أو سني وشيعي، أو غير ذلك من الفروق المصطنعة بين المسلمين المؤمنين. وكذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى”. فمن خالف هذين المقياسين في تحديد الأخوة والانتماء والولاء، فإنه يكون مضروباً في دينه، مطعوناً في فهمه للنصوص الشرعية المقدسة، ومجروحاً في عدالته الفقهية لمخالفته الكتاب والسنة والإجماع، وفهمُه هذا مردود عليه، لأنه شيء ليس عليه أمرنا، وكل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد، فأمرنا جميع على وحدة المسلمين وعدم التفريق بينهم.
أيها الناس: كيف يمكن التوفيق بين محاولة أوباما تحسين العلاقة مع الإسلام والمسلمين، وهو يذبحهم في أفغانستان والعراق وغيرهما من بلاد المسلمين، ولا يزال يقود حرباً عالمية ثالثة على المسلمين أينما وجدوا في العالم، ويضيق عليهم بشتى السبل تحت شعار مكافحة الإرهاب؟ فلو أنه يقول للكونغرس الأميركي: لن أوقع على قرار زيادة النفقات العسكرية الأميركية في أفغانستان بـ106 بلايين دولار، بل يجب أن تذهب هذه الأموال إلى الشعب الأفغاني الذي دمرته الجيوش الأميركية وجعلته كالرميم، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، كبادرة حسن نية تنسجم مع توجهاتي نحو المسلمين، ووفاءاً لاستحقاقات خطاباتي لهم في تركيا والحجاز ومصر! لو قال ذلك لقلنا إن الرجل جاد في محاولاته تحسين العلاقات الأميركية الإسلامية. ولو خرج علينا نتنياهو معتذراً عما سببه اليهود للفلسطينيين من نكبات ومذابح وخسائر مادية وتشريد وتشتيت وسجن وتعذيب، ثم جثا بين يدي عباس ومشعل يطلب المغفرة والصفح الجميل، وأنه سيعمل جاهداً لتعويض الفلسطينيين عما لحقهم، لقلنا إن الرجل جاد في تحسين العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية. ولكن أياً من هذين الزعيمين لن يفعل شيئاً مما ذُكر، وهو استنتاج لا يحتاج إلى عميق فكر حتى يُتوصل إليه، بل إنه متاح لكل صاحب فكر سطحي، ولا يختلف اثنان من ذوي الحجا وأصحاب الدين والإيمان أن أميركا وإسرائيل تجدفان في قارب واحد، وأن الرباعية الدولية وما يسمى بالشرعية الدولية، وباقي دول الكفر الفاعلة في الساحة السياسية والاقتصادية في العالم يدورون في نفس الفلك السياسي والاقتصادي، وقد رموا المسلمين عن قوس واحدة. وبناءً عليه فإن الذين يلهثون وراء سراب الحلول المقدمة من هذه الجهات المعادية ولا أقول المشبوهة، هم قوم مضروبون في فكرهم ودينهم، وعليهم إعادة النظر في مسارهم هذا، والعودة إلى صوابهم، والرجوع إلى الحق، وإصلاح ما فسد من عقلهم ودينهم من قبل أن يورطوا شعوبهم في مزيد من التنازل والاستخذاء والذبح والهلاك.
أيها الناس: لنؤجل الحديث عن أفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين التي تعاني من صلف وعنجهية السياسة الأميركية خاصة والغربية عامة، لنؤجل ذلك بعض الوقت، ولنلتفت إلى ما يدور حولنا وتحت أعيننا من مهاترات سياسية جلبت ولا زالت تجلب علينا وعلى المسلمين عاراً سياسياً تاريخياً لا يمحى من ذاكرة المسلمين. إننا نرى صراعاً مريراً على السلطة في فلسطين بين الضفة والقطاع، وعزلاً واضحاً لمشاركة الفلسطينيين في الخارج والداخل – حسب تعبيراتهم – في صناعة القرار السياسي. ونرى أن هذا الصراع لا مبرر له كون الطرفين المتصارعين يكادان أن يوصفا بأنهما متفقان تماماً على ما يطرح عليهم من حلول لتصفية القضية بعد ترويض أهلها. وأن الفروق بينهما شكليةٌ غيرُ جوهرية، وأنهما والحكام العرب ومن خلفهم حكام باقي المسلمين قد قبلوا بقرارات “الشرعية الدولية"، ويطالبون بتطبيقها ومنها قرار التقسيم الذي ينص على دولة “يهودية”. وإذا كانت الدولة الفلسطينية في حدود عام 67 هي مطلب حكومة غزة كما هي مسعى حكومة رام الله، وإذا كان المشروع الأمريكي، والحل الأمريكي والسعي الأمريكي - بشقيه دايتون وكارتر وما بينهما ميتشل - هو ما تلتقي على تأييده الحكومتان، فلماذا الصراع وهذا الانشطار السلطوي؟ وماذا ستفعل السلطتان متفرقتين أو مجتمعتين بالسلاح الموجود في أيديهما، طالما أنه لن يستعمل لتحرير البلاد من الغاصبين؟ وإن لزاماً عليهما أن يعلنا صراحة وبلا أدنى مواربة أنهما على نهج السادات وكمب ديفد سائرتان، وأن شعارات التحرير والمقاومة وحلم الدولة المستقلة قد ولد ميتاً، ودفن في مقبرة الخيانة والسذاجة السياسية دون أن يغسل أو يكفن أو يصلى عليه.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إننا في فلسطين ننتظر الإجابة من السلطتين الحاكمتين على هذا الكلام، ونتمنى عليهما أن يجيبانا بصراحة: ماذا ستفعلان إذا أصر اليهود على مواقفهم، ووافقتهم أميركا كونها جادة وتبدو متعجلة هذه المرة على إيجاد حل للقضية، ومارس السماسرة من حكام العرب ضغوطاتهم كي تقبل السلطتان بحل وسط متحرك جديد يتطلب مزيداً من التنازل عن بعض المواقف المتشددة؟ وهل ستتجاهلان أكثر من عقدين من التفاوض والشد والجذب مع قوم لا عهد لهم ولا ذمة، والقضية تنتقل من سافل إلى أسفل ومن حضيض إلى حضيض! وهل وجدتم لليهود أو الأميركيين أو الإنجليز أو الفرنسيين من عهد؟ وماذا وجدتم بعد أن ركضتم خلف سراب السلام الذي وعدتكم إياه أميركا في كل مرة، منذ مبادرة روجرز مطلع سبعينات القرن الماضي وحتى وعود أوباما اليوم؟ هل وجدتم شيئاً؟ أجيبونا بالله عليكم، هل وجدتم إلا كما وجد الظمآنُ الذي حسب السرابَ ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً؟ أليس في ذلك برهانٌ كافٍ لكم لتعيدوا النظر فيما أنتم فيه سائرون؟ فإن لم يكن ذلك لكم كافياً، فلا كيل لكم عندنا ولا تقربونا. بل إننا نتبرأ منكم ومما تعملون، وندعوكم أن تستقيلوا من المواقع التي عُينتم فيها، وتستغفروا ربكم على ما بدر منكم، وتعتذروا لشعبكم وباقي شعوب أمتكم على سوء صنيعكم. فإن لم تفعلوا، فاعلموا أن فلسطين لها فرسانها الذين يصلون ليلهم بنهارهم من أجل ترتيب أوضاع الأمة الإسلامية داخل فلسطين وخارجها على نحو يجعلها قادرة على تحريك جحافل الفتح التي ستحرر فلسطين كلها، وتعيدها جزءاً من ديار الإسلام، لا يفرقون بين المسلمين، ولا يثقون بأعداء الله ورسوله، يعملون بجد واجتهاد وإخلاص وتفانٍ مع أمتهم الكريمة صاحبة الخيرية القرآنية، لإقامة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، عندما يؤازرهم أقوياء المؤمنين، فتلتحم الدعوة الطيبة مع المنعة الطيبة، ليولد بعد ذلك المولود الطيب وهو الخلافة! ثم تنتقل الخلافة لتنزل بيت المقدس عقر دارها. ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريباً.