(الخطبة الأولى)
أيها الناس: لقد وصى الله سبحانه وتعالى جميع الأنبياء، عليهم السلام، بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، قال سبحانه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}. فقوله تعالى (أقيموا الدين)، أمرٌ يفيد الوجوب، أي يجب إقامة الدين. كما إن الله تعالى لم يقل بإقامة الدين في الحجاز أو إيران أو في مكان أخر أي أن في الآية إطلاقاً، وهذا يعني وجوب إقامة الدين في كل مكان من العالم. ومن هنا يجب على كل إنسان أن يعمل حسب طاقته من أجل إقامة الدين في كل مكان، وهذا الأمر القرآني لا يقتصر على الرجال وحدهم، بل الرجال والنساء فيه سواء، والمسؤولية مشتركة. فلولا إقامة الدين لما حصلت بدر، ولما كان فضلها، وفضلها معروف مشهود في القرآن والسنة. وكذلك فضل من شهدها. ولولا إقامة الدين لما فتحت مكة، ولما دانت الجزيرة العربية لسلطان الحق، وأبطل ما كان فيها من شرك. ولولا إقامة الدين لما جيشت الجيوش وأرسلت الوفود وبعثت البعوث إلى حكام الأرض أن أسلموا تسلموا ويسلم معكم أقوامكم. ولولا إقامة الدين لما كان النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، ولهم مقام رفيع في الجنة وحسن أولئك رفيقاً. ولولا إقامة الدين لما كنا اليوم مجتمعين في هذا المكان نؤدي شعيرة عظيمة من شعائر الله عز وجل، ولما كنا قد اهتدينا لهذا الخير العميم وفضله. ولولا إقامة الدين لما دخل الناس في دين الله أفواجاً، وأشرقت جنبات الأرض بنور الإسلام بعد ظلمات الشرك والجاهلية. ولولا إقامة الدين لما عرفنا فساد الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية والقومية والوطنية والنفعية والمصلحية والأنانية وغيرها من مصطلحات الدنيا الفانية. ولولا إقامة الدين لما عرفنا طيب العيش في الجنة والأمن والأمان في الدنيا، ولما عرفنا معاني الشهادة والتضحية والإيثار والخلق الحسن وبر الوالدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من مصطلحات الآخرة الباقية.
أيها الناس: عندما أخذ السابقون الأولون بوصية الله تعالى للأنبياء وأقوامهم من بعدهم بإقامة الدين،
وبذلوا في سبيل إقامته الغالي والنفيس، وسطروا أروع الأمثلة في التضحية والعطاء في سبيل الله وإقامة الدين، لما فعلوا ذلك أعزهم الله وفتح أبواب الخير في وجوههم، حتى بشر بعضهم بالجنة وهو على الأرض يمشي، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وصلت عليهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. لمّا أقاموا الدين ولم يتفرقوا هابهم عدوهم، وخضعت لهم رقاب جبابرة الأرض، وامتد سلطانهم ونفوذهم في أقاصي الأرض من جاكرتا إلى طنجة، ومن بينهما كانوا على قلب رجل واحد، قبلتهم واحدة، وسلمهم واحد، وحربهم واحدة، لا تكاد تجد فيهم فقيراً جائعاً، أو ابن سبيل تائهاً ضائعاً، أو عاطلاً عن العمل متسكعاً! بل إن حسن الرعاية قد شمل الطير وداوب الأرض، وما أروع ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه عن طائرٍ أمٍّ فقدت فراخها! عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حمّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت تعرش، فجاء النبي فقال من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها! ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن. قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار. وما أعمق حسن رعاية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما قال: (لو أن شاة عثرت على شاطيء الفرات لسئل عنها عمر يوم القيامة)، وقول الإمام علي كرم وجهه ورضي عنه: (وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج).
أيها الناس: إن إقامة الدين تعني تطبيق شرع الله في أرض الله، والحكم بين الناس بما أنزل الله، وحمل الإسلام إلى العالم أجمع عن طريق الجهاد في سبيل الله. وإن إقامة الدين تعني توحيدَ المسلمين ورصَّ صفوفهم، ونبذ الفرقة بينهم. وإن إقامة الدين تعني موالاةَ المؤمنين ومعاداة الكافرين، وتعني كذلك الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وهذا يستلزم الكفر بالوطنية والقومية والرأسمالية والاشتراكية وأنظمة الكفر والشرك والطاغوت والجاهلية جميعاً. وفي نفس الوقت تستلزم الإيمان بالله والقيام بما يقتضيه هذا الإيمان من طاعة وانضباط وفق أوامره ونواهيه. وإقامة الدين بهذه المعاني الشاملة تستلزم وجود دولة للمسلمين تسمى الدولة الإسلامية، وقد أطلق عليها علماء المسلمين قديماً وحديثاً اسم دولة الخلافة، وتعاقب الخلفاء عليها منذ أن ولي أمر الناس أبو بكر رضي الله عنه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى آخر عهد بخليفة للمسلمين أيام الدولة الإسلامية العثمانية التي سقطت قبل نحو قرن من الزمان. إذ أن سقوط الدولة الإسلامية العثمانية قد أوجد حالة جديدة في المسلمين تعذر معها إقامة الدين نظراً لزوال سلطان المسلمين، وسيطرة الكفار المحاربين على أرضهم ومقدراتهم، بعد أن مزقوا دولتهم إلى 57 مزقة، وفرقوا جماعتهم شذر مذر.
أيها الناس: إن إعادة العمل بوصية الله عز وجل لأنبيائه أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، تتطلب من المسلمين اليوم أن يقيموا جماعتهم، ويبيايعوا إمامهم، ويوجدوا خلافتهم في قطر أو أكثر من بلادهم، ويطبقوا الإسلام فيها، ويضموا باقي أقطار المسلمين إليها، ويخرجوا الكفار من ديار المسلمين، ويُنهوا نفوذهم، حتى لا يبقى في بلاد المسلمين كافر حربي أو جندي للكفار إلا قتلوه، ولا شركة ولا مؤسسة إلا أبطلوا عقدها وألغوا امتيازاتها وصادروا ممتلكاتها، ولا قاعدة عسكرية إلا غنموها، ولا سفارة أو قنصلية إلا أغلقوها ورحّلوا أعضاءها، ولا جيوش احتلال إلا أبادواها عن بكرة أبيها، ومن رغب من الكفار بعد ذلك في البقاء في بلاد المسلمين فبعهد ذمة أو عقد أمان. ثم إن إقامة الدين توجب على المسلمين حمل الدعوة إلى الإسلام كما كانت تُحمل في سابق العهد والأوان عن طريق الجهاد في سبيل الله حتى يعم الإسلام الأرض كلها، ويكون الدين كله لله. روى مسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله تعالى زوى لي الأرض، حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض”.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن إقامة الدين اليوم تعني أن الأمة الإسلامية تعود إلى سابق عهدها وعزها، وأن خلافتها قائمة بإذن الله ووعده لها بالاستخلاف والتمكين والأمن، وأن جيوش المسلمين ستفتح روما عاصمة إيطاليا، وستسيطر على البيت الأبيض في واشنطن والكرملين الأحمر في موسكو، وأن ملك الأمة الإسلامية سيغطي كل شبر من المعمورة تشرق عليه الشمس وتغرب. هذه هي معاني إقامة الدين أيها المسلمون، ولم نعثر في تراث المسلمين الواسع على إشارة ولو ضعيفة أن إقامة الدين تعني إقامة دويلة فلسطينية مسخ على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، أو ما يعرف بأراضي 67، ولم نجد أن المسلمين قد قبلوا يوماً بدولة منزوعة السلاح، مليئة بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية! ولم نسمع في يوم من الأيام أن المسجد الأقصى هو مسجد مؤقت فيما يسمى بجبل الهيكل، تجب إزالته لبناء الهيكل مكانه! وهذا ما قاله الوزير اليهودي المتسلل إلى باحات المسجد الأقصى قبل أيام قليلة، ومر الأمر وكأن شيئاً لم يكن، ولم نسمع تعليقاً واحداً مغضَباً من مسؤولي الأقصى حيث دخل تحت سمعهم وبصرهم، ومن قبل ما استقبلوا بابا الفاتيكان المعتدي المتغطرس الأثيم! أما أشباه الرجال من الحكام والزعماء والقادة فإنهم صامتون صمت القبور. ولم نعرف أبداً عن علماء المسلمين أن إقامة الدين تعني تعدد الخلافة في بلاد المسلمين ثم الدعوة إلى توحيدها فيما بعد. بل الذي نعرفه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال فيما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: “إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما”. فلماذا عميت أبصاركم وبصائركم يا علماء المسلمين عن هذا الحديث الصحيح الذي يناقض ما تدعونا إليه؟ أأنتم أصدق أم رسول الله يا جهلة، بل يا سبةً في جبين العلم والعلماء؟
أيها الناس: إن إقامة الدين تضع المسئولية على عاتق كل واحد منا أن يكون في صف العاملين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، من غير تأخير أو تأجيل، فالخلافة هي التي تقيم الدين وتوحد المسلمين، وتأخذ على يد الظالمين، وتحق الحق وتزهق الباطل ولو كره الكافرون.