(الخطبة الأولى)
أيها الناس: ذكر الطبري في تفسيره لقول الله عز وجل {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} قال: واستمع يا محمد صيحة يوم القيامة, يوم ينادي بها منادينا من موضع قريب. وذُكر أنه ينادي بها من صخرة بيت المقدس. وأورد حديثاً بسند متصل عن قتادة, عن كعب, قال: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) قال: مَلك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة; إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وعن قتادة قال: كنا نحدّث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة, وهي أوسط الأرض. وحُدّثنا أن كعبا قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.
أيها الناس: ستنطلق بعد قليل بإذن الله تعالى نداءات يوجهها العاملون لإقامة دولة الخلافة الإسلامية في ذكرى هدمها، تدعو جماهير المصلين في المسجد الأقصى عقب صلاة الجمعة، إلى إطلاق صرخة صادقة مدوية من ساحاته المباركة، وأن يرفعوا بها أصواتهم بنداء واحد وهتاف واحد مخلصين لله، لعل هذه الصرخة تلامس أسماع الأتقياء الأنقياء من المؤمنين – خاصة أهل القوة منهم - في بلاد المسلمين عرباً وعجماً. لعل الله ينظر إليهم وقد أدوا صلاة الجمعة في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، فيفتح لندائهم قلوب المسلمين وقلوب أهل النصرة منهم، فيتحركوا لإقامة الخلافة التي بها يقام الدين ويتوحد المسلمون، وتستنقذ فلسطين، وما ذلك على الله بعزيز. تأتي هذه النداءات بإطلاق الصرخة ضمن الفعاليات التي يقوم بها العاملون لاستنهاض الأمة الإسلامية بكافة شرائحها وفصائلها للاتصال بربها والخضوع له، ثم إدراك قضيتها المصيرية وهي إقامة الخلافة، ثم التحرك في الاتجاه الصحيح لإقامتها. فالأمة هي السند الطبيعي للعاملين، وهي المعول عليه في إقامة الدولة بعد الله عز وجل، ولا يصح أن يركن العاملون لتحقيق أي غرض إسلامي إلى الظالمين والكافرين. فالله عز وجل يقول: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}. فلا أميركا تفيدنا ولا الاتحاد الأوروبي، ولا روسيا تنقذنا ولا الرباعية الدولية، ولا يسترد حقوقَنا منظماتُ حقوق الإنسان الكاذبة، ولا لجان تقصي الحقائق المخدِّرة. ولا يصح لنا أن نضع قضايانا – صغيرةً كانت أم كبيرة – في أيدي حكام الجور والفسق في بلاد المسلمين، ولا ينبغي أن نواجه قوى الكفر والاستكبار الطاغية بتنظيمات وحركات ضعيفة ذات أفق حركي ضيق، وإمكانيات هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع في السياسة أو العسكرية، بل لا بد من السير مع الأمة الإسلامية جمعاء، واستنفار جيوشها الجرارة، وطاقاتها الشبابية الجبارة، وإمكانياتها الهائلة. فإذا تحرك ذلك كله على أرضية عقائدية صلبة، فإن النتائج تفوق حدود ما يظنه الكثير مستحيلاً.
أيها الناس: إننا في أكناف بيت المقدس، وعلى بعد أميال قليلة جداً من الأقصى، فلنجعل ساعتنا هذه ساعة صدىً للصرخة الكبرى التي ستنطلق من ساحات المسجد المباركة وصخرته بعد قليل، ولتكن استجابتنا لهذه الصرخة فورية دون تردد، ولنضم أصواتنا إلى أصوات إخواننا الذين سيجأرون إلى الله عز وجل مخلصين له الدين، وليتناغم إيقاع ندائنا وهتافنا مع ندائهم وهتافهم، ولنردد معهم ما يقولون، وما علينا إلا البلاغ المبين. هكذا يكون الصدى الذي هو ظاهرة تكرار الصوت الناشيء عن الانعكاس، أما الاستجابة من الأمة فهي من الله عز وجل، وهو يتولى بقدرته التي لا تحدها حدود، إيصالَ ندائنا إليها. فهو القائل جل في علاه: {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة...}، ولم يقل أسمِع دعاءك، فالدعوة منا والإسماع من الله عز وجل. وهكذا كان شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، إذ أمروا أن يدعو وأن ينادوا وأن يؤذنوا، وأما إيصال الدعاء والنداء والأذان فقد تكفل الله به. قال تعالى: {وأذن بالناس في الحج يأتون رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}، وعن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: (أذّنْ فِي النَّاسِ بالحَجّ) قال: ربّ ومَا يبلغ صوتي؟ قال: أذّن وعليّ البلاغ فنادى إبراهيم: أيها الناس، كُتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق فحجوا، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض, أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون. وعن ابن عباس أيضاً: قام إبراهيم خليل الله على الحِجر فنادى: يا أيها الناس كُتب عليكم الحجّ, فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء, فأجابه من آمن من سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبَّيك اللهمّ لبَّيك. وعن سعيد بن جبير قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت, أوحى الله إليه أن أذّن في الناس بالحجّ، قال: فخرج فنادى في الناس: يا أيها الناس أن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فلم يسمعه يومئذ من إنس, ولا جنّ, ولا شجر, ولا أكمة, ولا تراب, ولا جبل, ولا ماء, ولا شيء إلا قال: لبَّيك اللهم لبَّيك. وعن أبي الطفيل, قال: قال ابن عباس: هل تدري كيف كانت التلبية؟ قلت: وكيف كانت التلبية؟ قال: إن إبراهيم لما أمر أن يؤذّن في الناس بالحجّ, خفضت له الجبال رءوسها, ورُفِعَت القرى, فأذّن في الناس.
أيها الناس: إننا اليوم، وفي ذكرى هدم الخلافة، ننادي من بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، من قرب الصخرة التي سينادي منها المنادي فنقول: يا أيتها البلاد الإسلامية المتقطعة، ويا أيتها الجيوش الإسلامية المتفرقة، ويا أيتها الأمة الإسلامية المتمزقة: إن الله يأمركم أن تجتمعوا وتتوحدوا وتقيموا الدين الذي ارتضاه الله لكم، وإن الله يأمركم أن تعملوا مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، وإن الله يأمركم أن تحرروا بلادكم المغتصبة والمسجدَ الأقصى الذي مضى على أسره نيفٌ وتسعون عاماً، وإن الله يأمركم أن تقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، وإن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى إهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، وإن الله يأمركم أن تطبقوا شرع الله في أرض الله، وإن الله يأمركم أن تستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، فاستجيبوا أيها الناس لدعوة ربكم ونبيكم والعاملين المخلصين لإعزاز دينكم، واعملوا معهم، ورددوا نداءهم وادعو بدعائهم.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن التغيير يبدأ بدعوة، والدعوة تبدأ بكلمة، والكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فكونوا من القائلين بها، وكونوا من القائلين بالكتاب والسنة في زمن عز فيه القائلون. أخرج البزار والهيثمي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنكم على بينة من ربكم ما لم تظهر فيكم سكرتان، سكرة الجهل وسكرة حب العيش، وأنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله، فإذا ظهر فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل الله، القائلون يومئذ بالكتاب والسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار”. فالحمد لله الذي جعلنا من القائلين بالكتاب والسنة في زمن ظهرت فيه السكرتان واستفحلتا، حتى رأينا القوم صرعى في عقولهم كأنهم أعجاز نخل خاوية، والحمد لله الذي هدانا للتشبه بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بعد أن كثر تشبه المسلمين بالكفار والركون إليهم، والحمد لله الذي جعلنا من العاملين لإقامة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة معتمدين على الله وحده، في زمن وقع فيه عامة المسلمين وكثير من خاصتهم في حبائل حكام دويلات الضرار الأشرار وأسيادهم الكفار.
أيها الناس: قال أبو سعيد رضي الله عنه: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال: يا أبا أمامة مالي أراك جالساً في المسجد في غير صلاة ؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال” رواه البخاري.
أيها الناس: في هذه الساعة المباركة، تعالوا بنا نرفع أكف الضراعة إلى الله العزيز الجبار، ندعوه مخلصين له الدين قائلين: اللهم (دعاء)، ولنردد مع إخواننا في المسجد الأقصى في هذه الساعة بعد انقضاء الصلاة قائلين: يا جيوش المسلمين، قوموا لنصرة الدين، وحرروا الأقصى الحزين.