(الخطبة الأولى)
أيها الناس: قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}، قال ابن عباس رضى الله عنهما: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وفى الحديث: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة) رواه مسلم. وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، كان بينه وبين الأنبياء فى الجنة درجة واحدة). وفي الصحيحين عن أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من َفقُه فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به).
أيها الناس: إن الفقهاء أولي الفهم، كمثل البقاع التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ، لأنهم علموا وفهموا، وفرعوا وعلَّموا. وأما الناقلون من المحدثين الذين لم يرزقوا الفقه والفهم، فهم كمثل الأجادب التي حفظت الماء، حفظوا ما سمعوا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم فانتُفع بما عندهم، وأما الذين سمعوا ولم يتعلموا ولم يحفظوا، فهم العوام الجهلة. وقال الحسن رحمه الله: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم.
أيها الناس: كم وُجد في المسلمين منذ هدم الخلافة من علماء إلى يومنا هذا؟ وكم تخرج من الجامعات والمعاهد الدينية من خريجين حملوا شهادات من مختلف الدرجات في العلم الشرعي، ولبس بعضهم العمائم والجلابيب، وطافوا في الناس ردحاً طويلاً من الزمن، ولا يزالون فيهم يصولون ويجولون، ويركبون المنابر ويقفون على منصات التدريس؟ وكم من الكتب أُلّفت في أبواب الفقه الإسلامي وطبعت ونُشرت وانتشرت؟ وكم من المؤتمرات العلمية والفقهية عقدها علماء المسلمين في دويلات الضرار؟ وكم من القضايا القديمة والمعاصرة قد تم بحثها باستفاضة، وصدرت فيها الدراسات والفتاوى؟ وكم وكم وكم....؟! ولكن أحداً من أولئكم الخريجين وحملة الشهادات أو تلكم الدراسات قد بحث أهم قضية من قضايا المسلمين وهي الخلافة التي ضاعت قبل نحو تسعين عاماً وضاع معها المسلمين. والأدهى من ذلك والأمرّ، أن الذين تصدوا لبحثها من أجل نيل الدرجات الجامعية قد تأثروا بالسموم الفكرية والفقهية والإعلامية التي بثها الكفار وأعوانهم من الحكام في روعهم، ولوثوا بها أفهامهم وأفهام مدرسيهم، ونقلوها كالببغاوات، ونشروها في أبحاثهم وكتبهم دونما تمحيص أو اتباع لمنهج علمي معتبر، فخرجت أبحاثهم خالية من حرارة الشوق للخلافة ووجوب العمل لإقامتها، بل إن بعضها قد طعن في العاملين لها وقدح في نواياهم وأعمالهم بغير علم، واتبع سبيل المرجفين.
أيها الناس: إذا رجعنا إلى المؤتمرات التي عقدت عبر القرون الماضية لعلماء المسلمين في طول البلاد الإسلامية وعرضها، فإننا نجد الداعين لها جميعاً هم الحكام الذين يحكمون المسلمين بغير ما أنزل الله، ووفروا لها ما تحتاجه من القاعات والخدمات والأموال والإعلام، وكانوا يحشدون لها الحشود من العلماء المقربين لهم والموالين، ليبحثوا قضايا هامشية لا تمت إلى نهضة الأمة الإسلامية بصلة. هؤلاء العلماء قد تعلموا العلم الشرعي الذي أنزل الله أصوله على محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهما القرآن والسنة، ولكن لم يقف أحد منهم يوماً في مؤتمر من المؤتمرات المذكورة ليقول للحاكم الذي دعاه أو غيره من الحكام بأنهم لا يحكمون بشرع الله الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن الذي سمعناه منهم أنهم قد كانوا يبايعون كل حاكم يدعوهم، ويجعلون منه أميراً للمؤمنين، ويبجلون مقامه، ويثنون على حكمته ومهارته القيادية، وفصاحته التي لا يشق لها غبار، ويروجون لشخصه وعائلته ولكل من أدلى له بسبب. وكانت ألسنتهم تلهج له بالشكر والثناء، وتدعو له بطول العمر والبقاء! علاوة على أنهم لم يبحثوا موضوع الحكم بما أنزل الله، وتطبيق شرع الله إلا في أطر ضيقة شكلية، تثني على الحاكم أن سمح للمسلمين بالقيام ببعض الشعائر، وتعتبر ذلك منة منه يفيض بها على الناس، رغم أنها من صميم مسئولياته بل إنه مقصر فيها أيما تقصير. فيظهر للعامة أن كل حاكم من حكام المسلمين المجرمين هو أفضل من أفضل خليفة عرفته الأمة، فينام الناس ملء جفونهم، قريري العين أن علماءهم راضون عن حكامهم، فلا حاجة تدعو لتغييرهم أو محاسبتهم. وتمر الأيام دون أن يتغير شيء من الفساد والظلم والعمالة والخيانة والتبعية وسيطرة الكفار على المسلمين، بل ويزداد الحال سوءاً بعد كل مؤتمر يعقد، وبعد كل كتاب يكتب، وكل خريج شرعي يتخرج، وكل قضية معاصرة تبحث، كون القضية الكبرى للمسلمين وهي الخلافة لم تبحث بشكل صحيح.
أيها الناس: خلافاً لمعهودنا عن المؤتمرات التي يعقدها الحكام للعلماء، ولأول مرة في تاريخ المسلمين بعد هدم خلافتهم، يعقد في جاكرتا في أندونيسيا مؤتمر للعلماء المسلمين لم يدع له حاكم من الحكام، يحضره عشرة آلاف شخص، ويشارك فيها مئات العلماء، وأي علماء؟ علماء تعلموا العلم ليعملوا به في سبيل إعزاز هذا الدين، لا ليباروا به العلماء ويماروا به السفهاء، علماء ليسوا كعلماء القصور وزبانية السلاطين والحكام، علماء اجتمعوا طيلة ساعات النهار من يوم الثلاثاء الماضي دون أن يمجَّد حاكم واحد من حكام دويلات الضرار، ودون أن تبحث قضية واحدة غير قضية الأمة المصيرية وهي الخلافة. لم تتقاطر عليهم وسائل إعلام الحكام، بل لم تأت واحدة منها على ذكرهم، وإخبار المسلمين عما يدور داخل هذه القاعة! عشرة آلاف شخص في القاعة يهتفون بصوت واحد: خلافة، خلافة! ويردد معهم مئات الملايين خارج القاعة بقلوبهم وألسنتهم: خلافة، خلافة! فليس غريباً بعد ذلك أن ترتجف عروش الظالمين من هذا المؤتمر القنبلة، وليس عجيباً ألا يشيع خبر هذا المؤتمر في العالم كما تشيع أخبار المؤتمرات التي يدعو لها الحكام، بل إن وسائل الإعلام المشهورة قد تجاهلت أخبار هذا المؤتمر وانشغلت بنقل وقائع مهرجان للحمير أقيم في المغرب وشهد إقبالاً استثنائياً على حد قول جريدة الشرق الأوسط في عددها 11191 الصادر يوم 19 من الشهر الجاري. وأضافت أن ضرب الحمير ممنوع أثناء السباق لاختيار أسرع وأجمل حمار، والجائزة للفائزين أكياس من التبن والشعير إضافة إلى مكافأت مالية وشهادات تقديرية! وقال منظم المهرجان السنوي إنه يهدف إلى رد الاعتبار للحمير وإظهار أفضالها على البشر، وأن إدارة المهرجان وضعت قوانين صارمة حفاظاً على كرامة الحمير، إذ منعت بشكل مطلق استعمال العصي والهراوات، أو أدوات الوخز بمختلف أشكالها، أو ضرب الحمير بأرجل المتسابقين أثناء السباقات، كما منعت شتمَ الحمير وحثَّها على الجري بعبارات غير مناسبة ومهينة للحمير!!
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: إن حكامنا ووسائل إعلامهم تريد منا أن نتعرف على مؤتمرات الحمير لا مؤتمرات النكير، وإننا نناشد علماء المسلمين أن يطلعوا على وقائع المؤتمر الذي عقد في جاكرتا، لعله يرفعُ غشاوة عن أبصارهم طالما منعتهم من رؤية الحقائق الساطعة، ويكسرُ أقفالاً عن عقولهم طالما حجبت عنهم معرفة الأولويات الفقهية، ويزيلُ أغلالاً في أعناقهم طالما قيدت حركتهم للعمل لإقامة الخلافة، ليشددوا النكير على حكام الكفر والظلم والفسق، ليعجلوا بزوالهم وقدوم الخليفة الذي يقيم فينا شرع الله. فيا أيها العلماء الأفاضل، قد أضيئت لكم أنفاق كانت مظلمة، ومُهدت لكم سبل كانت بالعقبات مليئة، وفتحتت لكم آفاق واسعة كانت ضيقة، فخذوا العبرة من إخوانكم ونظرائكم الذين اجتمعوا في جاكرتا، واعقدوا العزم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فوركم هذا، واعملوا مع العاملين لإقامة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، فإن الذي ينتظركم من العمل كثير كثير، وثوابه عند الله كبير كبير، وفضله وأثره على الناس منقطع النظير.
أيها العلماء يا ورثة الأنبياء: هذه فرصتكم فاغتنموها، واعلموا أن رضا الحكام لا قيمة له إذا تعارض مع رضا الله عز وجل، فأنتم الأمناء على هذه الأمة، وقد أشهدنا الله عليكم في هذا اليوم الأغر، وليس لكم والله بعده من عذر. فأروا الله منكم ما يحب، وكفاكم ما رأى منكم من موالاة الحكام ما يكره.