(الخطبة الأولى)
أيها الناس: إن من طبيعة الحياة أن يكون فيها قادة ومقودون، وأناس مخصوصون يلون أمر الناس ويضطلعون بشؤون العامة، ولولا ذلك لتخبط الناس في معيشتهم، ولتحولت عيشتهم إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف، وتضيع الحقوق، وتبقى الحياة بدائية من غير تطور أو تقدم. ولذلك قال الله عز وجل: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. وروى البخاري في صحيحه قال: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ بَيَانٍ أَبِي بِشْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ فَرَآهَا لَا تَكَلَّمُ فَقَالَ مَا لَهَا لَا تَكَلَّمُ قَالُوا حَجَّتْ مُصْمِتَةً قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَكَلَّمَتْ فَقَالَتْ مَنْ أَنْتَ قَالَ امْرُؤٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ قَالَتْ أَيُّ الْمُهَاجِرِينَ قَالَ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَتْ مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ أَنْتَ قَالَ إِنَّكِ لَسَئُولٌ أَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَتْ مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الصَّالِحِ الَّذِي جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ بَقَاؤُكُمْ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ أَئِمَّتُكُمْ قَالَتْ وَمَا الْأَئِمَّةُ قَالَ أَمَا كَانَ لِقَوْمِكِ رُءُوسٌ وَأَشْرَافٌ يَأْمُرُونَهُمْ فَيُطِيعُونَهُمْ قَالَتْ بَلَى قَالَ فَهُمْ أُولَئِكِ عَلَى النَّاسِ.
أيها الناس: هناك جدلية سادت عبر التاريخ ولا تزال سائدة حتى يومنا هذا مفادها: أيها أهم الحكام أم الشعوب؟ إذ لولا الشعوب لما كان هناك حكام، فهل يحق للشعوب أن تتيه على الحكام، وتتباهى بأفضليتها؟ وفي المقابل، لولا الحكام لضاعت الشعوب! فهل يحق للحكام أن يتيهوا على الشعوب ويتباهوا بأفضليتهم ويمنوا عليهم ويستعبدوهم؟ وأين هي الحقيقة في هذه المسألة، وهل حقاً هناك مهم وأكثر أهمية وأقل أهمية في علاقة الحكام مع الشعوب؟ وأي الفريقين يحق له أن يتيه بحقه وأهميته على الفريق الآخر؟ وهل الشعوب خدم للحكام أم الحكام هم خدم الشعوب؟ أم أن لكل فريق حقوقاً وواجبات إذا التزم بها كان الأفضل والأكثر أهمية؟ وكيف عالج الإسلام هذه القضية الجدلية التاريخية والواقعية وحدد معالمها؟ وهل هناك من سار عليها والتزم بها؟ وكيف سارت الحياة لما التزموا بها؟ وكيف أصبحت لما نبذوها وراء ظهورهم؟
أيها الناس: لقد أطل الإسلام على البشرية وهي تعاني من أسوأ علاقة بين الحكام والشعوب، إذ بلغت العبودية ذروتها، وكان الناس يباعون رقيقاً في أسواق النخاسة، وكانت الإناث تعاني من الدونية والاضطهاد، وكان النزاع على السيادة والحكم قد بلغ أشده بين العرب لدرجة أن بعضهم قد استعان بالقوى الكبرى في ذلك الزمان لتقوية موقعه على منافسيه مقابل خدمات سياسية وأمنية إقليمية يقدمها لسيده الكبير من فارس والروم. وقد أرسى الإسلام قواعد العمل السياسي، وحل الإشكالية القائمة بين الحاكم والمحكوم، ووضع لها الأحكام الشرعية الربانية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. فصرح أنه لا بد للناس من إمارة برة كانت أم فاجرة، وأن طاعتها واجبة، والخروج عليها محرم. وأن هذه الإمارة يجب أن تخرج من بين الناس بالانتخاب المباشر أو تزكية أهل الحل والعقد، وأن إمارة الأمير العام دائمية ما لم تفقد شرطاً من شروطها، وأن عليه أن يجعل الرعية همه الأكبر ومسئوليته العظمى، فهو راع على الناس ومسئول عن رعيته، ولهم عليه حق المشورة وإبداء الرأي، وله أن يأخذ بأحسنه ما لم تكن مشورة في رأي يؤدي إلى عمل لم ينص عليه نص شرعي أو يلزمه رأي الخبير الفني.
أيها الناس: جاء الإسلام ليرسي قواعد العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أسس شرعية، ويضع لكل منهما حقوقه وواجباته، ولم يفرق بين رجل وامرأة أو فقير وغني أو أسود وأحمر في هذه الحقوق والواجبات، فالكل في نظر الشريعة سواء، والتفاضل بينهم والتكامل كذلك تحكمهما ضوابط شرعية. فلم يبق قول لقائل بأنه أفضل أو أشرف أو أحق أو أولى أو أهم أو أعظم. فبين أن أول العهد نبوة يختارها رب الناس لهم – وهو أعلم بما يصلحهم – {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)، ثم خلافة لهذه النبوة يختارها الناس لأنفسهم وفق شروط شرعية محددة. روى مسلم عن أبي سعيد الخدريّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ‘إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما’. ولما روى مسلم أن أبا حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يُحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ‘كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم’. فإذا استقام الخليفة المبايع على أمر الله، فإن له الطاعة بالمعروف، وإن لم يفعل يحاسب ويقوم، فإن استجاب بقي في الحكم، وإن لم يستجب وظهر عليه الكفر البواح فإنه يقاتل ويعزل. وقد ضرب لنا أول خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو أبو بكر رضي الله عنه، ضرب لنا مثلاً رائعاً ينفي أي إشكال عن جدلية العلاقة بين الحاكم والمحكوم عندما تم اختياره حاكما على المسلمين بعد مداولات السقيفة فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أما بعد، أيها الناس: فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. وتبعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقف على المنبر ويقول أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقومه، فيجيبه أحدهم لو رأينا فيك اعوجاجا لقوّمناه بحد سيوفنا! وكان الفاروق قائما يخطب على المنبر فاعترضه أحد المسلمين قائلاً: أتق الله يا عمر. فتوجه أحدهم للخليفة بالقول: دعني أضرب عنق هذا الفاجر، فأجابه: دعه، فلا خير فيهم إن لم يقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها ونعمل بها. ويكفي في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أولهم إمام عادل.
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: بهذا وأمثاله تزول الإشكالية الجدلية في قضية الحاكم والمحكوم، ويتضح للقاصي والداني أن الإسلام هو النظام الوحيد في العالم الذي يضع كلاً من الحاكم والمحكوم في مكانه الصحيح من حيث المسئولية والطاعة والأجر والثواب. ولما غابت الخلافة عن العالم عم الظلم والفساد وتسلط الحكام على البشر؛ وصاروا لا يقبلون النصح والتغير لا باللسان ولا بغيره .إنهم أعداء الله، ارتضَوا لأنفسهم الظلم والتسلط، خلافاً لما رأينا من عدل دولة الإسلام وخلفاء الإسلام الذين قامت أركان دولهم على كلمة العدل وتمكين الأمة من محاسبتهم. ولما غابت الخلافة، ابتلي المسلمون بأشباه حكام يتنازعون أمرهم بينهم، غصبوا سلطان الأمة، وتباروا في إذلال الشعوب ونهب خيراتهم، وتسابقوا في خدمة الأعداء بقمع شعوبهم وقتلهم والتطبيع مع الأعداء، وعقد المؤتمرات وإجراء الانتخابات لإفراز القيادات التي يرضى عنها الأعداء في تمرير المخططات الخيانية وبيع الأوطان.
أيها الناس: إن الحل الجذري لهذه الإشكالية وغيرها يكمن في العمل الجادّ مع العاملين المخلصين لاستئناف الحياة الإسلامية بإعادة دولة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة، ففيه تبرز عظمة الشعوب المسلمة، وتظهر قزمية الحكام الغاصبين، وبعد تمام هذا العمل يأخذ كل فريق نصيبه من الأهمية كما قررت الشريعة الغراء. قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
أيها الناس: إن الشعوب والحكام يقفون اليوم على مفترق طرق تاريخي وحاسم، فالحكم الشرعي يفرض على الشعوب أن تتحرك لمطالبة حكامها برفع الظلم الواقع عليها، وتحصيل الحقوق، وإنكار منكرات الأنظمة، وإجبارها على رعاية شؤون الناس رعاية صحيحة وفق أحكام الإسلام، واحترام إرادتها وفق أحكام الشرع؛ وإن الشرع الإسلامي يفرض على الحكام أن يكونوا واحداً فقط، وما زاد فالعزل أو القتل، وسيعزل معه علماء السوء والمنافقون من المنتفعين وضعاف النفوس. وذلك لما روى مسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ومَنْ بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر’.